Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بالأسماء... خريطة وملامح الإرهاب الأفريقي

"النمط العائلي" معمول به حالياً بالقارة السمراء... وملاحقتُه أمنياً غير مجدية فعلياً

رصدت التقارير الإقليميَّة والدوليَّة تصاعداً للعمليات الإرهابيَّة في أفريقيا وتوسّع الرقعة الجغرافيَّة للتنظيمات (أ.ب)

أسفر خسران (داعش) أراضيه في كلٍ من العراق والشام عن تحوّله نحو أفريقيا في الفترة الأخيرة، وذلك لعدد من الأسباب منها هشاشة مؤسسة الدولة في أفريقيا، وضعف الجيوش الوطنيَّة، إذ لا تتجاوز 50 ألف عنصر في كثير من الدول، وعدم قدرة هذه الجيوش على ممارسة عمليات الضبط الأمني للحدود، وكذلك الانقسام القَبلي بين عددٍ من الدول، بما يجعل الانتقال من دولة إلى أخرى تحت مظلة الحمايّة القبليَّة والاجتماعيَّة ممكناً وبسهولة.

ولعبت هذه الحالة دوراً خلال العشريَّة الدمويَّة الجزائريَّة في انتقال عددٍ من مؤسسي الجماعات المتطرفة منها إلى محيطها الإقليمي، ولعل من أشهر هذه العناصر (سيد خطّاب) مؤسس السلفيَّة الجهاديَّة بالجزائر، وفضلاً عن كل ذلك فإن السياسات العالميَّة من جانبها لعبت دوراً في تفاقم الظاهرة، فالتدخل العسكري الفرنسي المباشر في كل من مالي وأفريقيا الوسطى لم يكن جزءاً من تخفيض مستوى التهديدات الأمنيَّة، لكنه ربما يكون قد أسهم في تفاقمها، وهو ما ينطبق أيضاً على تطورات الحالة بالصومال منذ العِقد الأول من الألفيَّة الثالثة.

ولعل هذه الظروف الموضوعيَّة تجعل أفريقيا مركزاً للتهديدات الأمنيَّة حول العالم خلال السنوات الخمس المقبلة، ما لم تكن أساليب المواجهة فعَّالة، وتملك إلى جانب المداخل الأمنيَّة والعسكريَّة مداخل أخرى تنمويَّة وثقافيَّة.

ولبيان خطورة المشهد الإرهابي في أفريقيا رصدت التقارير الإقليميَّة والدوليَّة تصاعداً للعمليات الإرهابيَّة في أفريقيا، وكذلك اختراق توسّع الرقعة الجغرافيَّة للتنظيمات الإرهابيَّة لتدخل كل من بوركينا فاسو والكونغو الديموقراطيَّة قائمة الدول المكافحة الإرهاب.

وطبقاً لتقرير مرصد الفتاوى التكفيريَّة التابع إلى دار الإفتاء المصريَّة في أبريل (نيسان) 2014 فقد ضربت أفريقيا في أسبوع (14) عمليَّة إرهابيَّة من جملة الـ(24) عمليَّة حول العالم، بما نسبته 58% من عدد العمليات الإرهابيَّة في كل من (الصومال، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو، وليبيا، وتونس، والكاميرون، ومالي، والكونغو الديموقراطيَّة).

من هم الإرهابيون الأفارقة؟
يمكن القول إن تنظيمي شباب المجاهدين بالصومال، وبوكو حرام في نيجيريا من أوائل التنظيمات الإرهابيَّة التي برزت على الساحة الأفريقيَّة، بينما تعد أنتي بالاكا، وسيليكا في أفريقيا الوسطى من أحدثها، وكذلك تنظيم أنصارو بنيجيريا، وما بين هذه التنظيمات الحديثة هناك عشرات التنظيمات الأخرى التي تنتشر على الساحة الأفريقيَّة.

نيجيريا: تنظيم أنصارو
شهد عام 2019 تصاعد جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان "أنصارو" بنيجيريا، وهي الجماعة التي أعلنت ظهورها في إصدار مرئي، تحدَّث فيه أحد قادتها عن شن حرب ضد المصالح الغربيَّة في جميع أنحاء العالم من أجل "نصرة الإسلام والمسلمين"، وذلك في يونيو (حزيران) 2012.

تقول هذه الجماعة إنها تسعى إلى استعادة "الكرامة المفقودة" لخلافة الإمبراطوريَّة الفولانيَّة المسلمة، التي كانت قائمة حتى عام 1804، ويتزعمها "عثمان بن فودي"، وكانت تضم شمال الكاميرون، وشمال نيجيريا، وجنوب النيجر، واستمرت حتى الاستعمار البريطاني والفرنسي للقارة الأفريقيَّة، وكان أشهر عملياتها التي اعترفت بها في الـ25 من يناير (كانون الثاني) 2013 هي استهداف رتل عسكري كان متجهاً إلى مالي، أدى إلى سقوط عددٍ كبيرٍ من القتلى، كان من بينهم مدنيون.

 

ويبدو أن هناك أدلةً على تلقي هذا التنظيم تدريبات على يد حركة الشباب المجاهدين الصوماليَّة في شرق أفريقيا، ويعد "مامان نور" حلقة الوصل بين تنظيم "أنصارو" وحركة الشباب الصومالي وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

وقد أسهم "أنصارو" في رفد (داعش) في سوريا بعناصر أفريقيَّة ما بين عامي 2015 – 2016.

تشير تقارير إلى أنه يسيطر على مساحات شاسعة في شمال نيجيريا، ويحاول التمدد عبر مساحات أخرى خارج الحدود النيجيريَّة، وبدأت قواته تتزايد مع مطلع عام 2019، إذ قام بتنفيذ 5 عمليات إرهابيَّة في نيجيريا طبقاً لتقرير مرصد الفتاوى التكفيريَّة التابع إلى دار الإفتاء المصريَّة.

تنظيم بوكو حرام
هي جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد، وبوكو حرام هو اسمها بلغة الهوسا أي "التعاليم الغربيَّة حرام"، تأسست عام 2002، وتنتشر حالياً في كل من نيجيريا وتشاد ومالي. القائد الحالي لها هو أبو مصعب البرناوي الذي عيَّنه (داعش) والي ولاية غرب أفريقيا في الـ4 من أغسطس (آب) 2016، خلفاً للوالي السابق أبي بكر شيكاو، الذي بايع (داعش) في مارس (آذار) 2015، وقام بتغيير اسم بوكو حرام إلى ولايَّة غرب أفريقيا، وسُميت هذه الجماعة بـ(طالبان نيجيريا)، وهي مجموعة مؤلَّفة من طلبة تخلوا عن الدراسة، وأقاموا قاعدة لهم في قريّة كاناما بولايَّة يوبه شمال شرقي البلاد على الحدود مع النيجر، وتطورت عناصرهم من 4000 عنصر إلى 40000 خلال عقدين تقريباً.

الحركة الإسلاميَّة
هي حركة شيعيَّة تأسست في بدايَّة الثمانينيات، ويُقسم أفرادها على الولاء إلى الإمام الإيراني الخميني، ومن ثمّ إلى قائد الجماعة الشيخ إبراهيم زكزاكي المعتقل منذ عام 2015. ولا تعترف الحركة بسلطة الحكومة النيجيريَّة، وترى أن المسؤولين الحكوميين، سواء مسيحيين أو مسلمين، فاسدون وغير شرعيين.

وللحركة الإسلاميَّة كيانات إداريَّة في كل الولايات النيجيريَّة (36)، تشكّل ما يشبه الهيكل الحكومي، ولدى الحركة مؤسسة مسجلة لدى الحكومة تحمل اسم "فُدية". وتدير المؤسسة "أكثر من 360 مدرسة ابتدائيَّة وثانويَّة"، وكثيرٌ من أعضاء الحركة على درجة كبيرة من التعليم، ويشغلون وظائف مهمة في الجيش والشرطة والمخابرات.

وتمتلك الحركة كتائب عسكريَّة خفيفة التسليح، وكانت تحظى بالعمل العلني، وليس لها سجلٌ في تنفيذ العمليات الإرهابيَّة حتى الآن، وذلك حتى حظرتها الحكومة النيجيريَّة مطلع عام 2019 بعد أسابيع من الاحتجاجات والاشتباكات العنيفة التي نظَّمها أفراد الحركة، للمطالبة بالإفراج عن مؤسسها زكزاكي، الذي كان منتمياً إلى الإخوان المسلمين قبل تشيّعه.

الصومال
حركة "الشباب الإسلاميَّة" أو "الشباب المجاهدين" هي حركة سلفيَّة صوماليَّة ظهرت في 2006 ذراعاً عسكرية لاتحاد المحاكم الإسلاميَّة، التي كانت تسيطر على مقديشو، وتهدف إلى فرض الشريعة، وأعلنت رسمياً ولاءها لتنظيم القاعدة عام 2009.

وأسهمت الحركة في مساندة المحاكم خلال معاركها ضد القوات الحكوميَّة المدعومة بقوات إثيوبيَّة اضطرت إلى الانسحاب في نهايّة 2008، تاركة الساحة إلى قوات الاتحاد الأفريقي، التي تمركزت على الخطوط الأماميَّة في الحرب ضد الإسلاميين. ويقود أحمد عمر أبو عبيدة "حركة الشباب الإسلاميَّة" منذ عام 2014 بعد تأكد مقتل زعيمها السابق أحمد عبدي "غودان"، الذي لقي مصرعه في ضربة جويَّة أميركيَّة. وفي السنة نفسها جدد "الشباب" ولاءهم إلى أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة.

وتضم الحركة الصوماليَّة بين صفوفها ما بين 5 إلى 9 آلاف مقاتل، بينهم صوماليون ومقاتلون أجانب، أغلبهم قَدِموا من دول عربيَّة، إضافة إلى باكستان، وعددهم نحو 800 مقاتل.

كينيا
ينشط كل من تنظيمي شباب المجاهدين والصومالي وداعش في كينيا، إذ هاجمت حركة الشباب في أغسطس (آب) 2019 بلدة كينيَّة حدوديَّة، ما أدى إلى تعطّل خدمات الاتصالات بالمنطقة القريبة من الحدود الصوماليَّة، وفي مطلع العام نفسه تعرَّضت كينيا إلى هجوم إرهابي بأحد الفنادق الفاخرة بالعاصمة نيروبي، أسفر عن مقتل 15 شخصاً، وإصابة آخرين بجروح خطيرة.

وفي يونيو (حزيران) 2017 قُتِل 3 ضباط شرطة في بلدة "بندانجو"، بينما قُتِل 5 آخرون في مقاطعة مانديرا شمال شرقي البلاد في يناير (كانون الثاني) 2018. وكانت العمليَّة الأبرز 2013 لتنظيم الشباب الصومالي في كينيا هي قتل نحو 67 شخصاً، وجرح ما يقرب من 200 شخص في هجوم مُسلح على المجمع التجاري ويست غيت.

 

أمَّا عمليات داعش فبدأت 2016، إذ استهدف التنظيم الإرهابي السفارة الأميركيَّة في نيروبي، ما أدى إلى مقتل رجل شرطة، وفي سبتمبر (أيلول) 2016، أعلن (داعش) مسؤوليته عن هجوم في كينيا، نفّذته ثلاث سيدات قتلن رمياً بالرصاص، بعد أن تسللن إلى مركز للشرطة في مومباسا، وحاولن إحراق المبنى.

وفي مواجهة تصاعد العمليات الإرهابيَّة في كينيا عمدت إلى اتخاذ سياسات تدخليَّة في الصومال، إذ انخرطت في قوات الأميصوم، ودعمت ولاية جوبالاند في جنوب الصومال، لتكون قادرة على مواجهة تمدد حركة الشباب جنوب الصومال وإبعادها عن الحدود الكينيَّة.

الإرهاب ما بين الكونغو وأوغندا
أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن عمليتين إرهابيتين في قريتين شرقي الكونغو في أبريل (نيسان) 2019، وتوجد شكوك حول علاقة داعش بتنظيم محلي تأسس في أوغندا، ويعمل في الكونغو أيضاً حسب الرئيس تشيسكيدى، وهو تنظيم القوى الديموقراطيَّة المتحالفة الإسلاميَّة، الذي تأسس عام 1995 بهدف إطاحة الحكومة الأوغنديَّة، لكن غيَّر أجندته لتعمل لنصرة الإسلام وتطبيق الشريعة بعد تكفير المجتمعات.

ومؤسس تنظيم القوى الإسلاميَّة هو جميل موكولو، أوغندي تحوَّل من الكنيسة الكاثوليكيَّة إلى الإسلام. وعُرِف موكولو الذي ولد باسم ديفيد ستيفن بأنه منتقدٌ كبيرٌ للإسلام عندما كان مسيحياً، وعند اعتناقه الإسلام تحوَّل سريعاً إلى إسلامي متشدد، إثر تلقيه تعليمات جماعة التبليغ والهجرة، وإلى وقت قريب ضم أفراده مقاتلين مسلمين، أُجبروا على الخروج من أوغندا، لكن يبدو أن العضويَّة تغيَّرت لتضم مجندين من منطقة أفريقيا الشرقيَّة.

ويُعتقد أن موكولو قضى زمناً في الخرطوم، حيث التقى أسامة بن لادن الزعيم السابق للقاعدة، وزعماء لتنظيمات إسلاميَّة مقاتلة أخرى، كانوا لجؤوا إلى السودان.

كيف يعمل الدواعش الأفارقة؟
أسهمت السياسات العالميَّة والمحليَّة في مواجهة الإرهاب، وكذلك النجاحات النسبيَّة التي أحرزتها في تحوّل أساليب العمل الإرهابي لتكون بلا روابط تنظيميَّة تقريباً وعابرة للحدود، ومتنوعة القوة والقدرة، وقد استند هذا التحوّل إلى عددٍ من المرجعيات النظريَّة التي أسهم فيها زعماء الإرهابيين المشرقيين بالشرق الأوسط، مثل كتاب عبد الله الشيباني الصادر في يوليو (تموز) 2018، الذي دعا فيه إلى تنفيذ عمليات ذاتيَّة تعتمد على الفرد الواحد، وهو ما بات يُعرف بظاهرة (الذئاب المنفردة)، وهي العمليات التي ينفذها أشخاصٌ مجهولون تماماً، ليس لديهم سوابق في العمل الدعوي أو التنظيمي المنتمي إلى جماعات السلفيَّة الجهاديَّة أو غيرها، وكانت عمليَّة سيدة تونس نموذجاً لتنفيذ هذا الطرح عام 2019.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمَّا أبو مصعب السوري فدعا إلى أن وحدة الروابط الفكريَّة وليست الأشكال التنظيميَّة هي الأساس الذي يُعتمد عليه، وظهرت نتيجة لذلك (خلايا النانو) أي التي لا تتعدى عضويتها 3 أشخاص، ما يصعّب القدرة على ملاحقتها أمنياً، وربما هذا ما يفسّر جزئياً فاعليَّة تنظيم بوكو حرام في نيجيريا، وتفكيك المغرب 63 خليَّة داعشيَّة خلال 4 سنوات فقط 2015 – 2019، وكان آخرها نهايّة يوليو (تموز) الماضي بمدينة طنجة.

وأخيراً، إن نمط الإرهاب العائلي هو من الأشكال المعمول بها حالياً، خصوصاً في أفريقيا، إذ يقوم بتنفيذ العمليَّة عددٌ من أفراد العائلة الواحدة، وهو ما يجعل عمليات الملاحقة الأمنيَّة هنا غير مجديَّة فعلياً، خصوصاً مع تكاثر الفتاوى المتطرفة.

ولعل آخر آليات العمل لدى التنظيمات الإرهابيَّة هو تجنيد الأطفال "أشبال الخلافة"، وهو الاسم الذي يُطلق على الأطفال في تنظيم بوكو حرام بنيجيريا، الذي توسّع في تجنيد الأطفال تحت مظلة الفقر، فينشؤون على أفكار القتال ذهنياً وبدنياً.

وفي هذا السياق أكدت "يونيسف" أن تجنيد الأطفال تضاعف إلى أكثر من 3 مرات منذ عام 2010، واستخدم التنظيم أكثر من 135 طفلاً لتنفيذ هجمات إرهابيَّة على معسكرات للجيش والقرى النيجيريَّة، وقام بوكو حرام أيضاً باختطاف أطفال من أسر مسيحيَّة بهدف استخدامهم في العمليات الانتحاريَّة بالإجبار، سواء بالقنابل أو الأحزمة الناسفة.

أمَّا حركة الشباب الصوماليَّة وتنظيم داعش فيقومان حالياً، طبقاً لتقرير يونيسف أيضاً، بتجنيد 200 طفل كل شهر على الأقل.

إن خرائط التنظيمات الإرهابيَّة أصبحت مؤثرة بشكل أساسي على المصالح العربيَّة التي تتفاعل مع جوارها الأفريقي في شرقي أفريقيا خصوصاً، من هنا وجب التفكير في فتح مساحات للتفكير والتعاون مع الأشقاء الأفارقة لمواجهة إرهاب بات مهدداً الاستقرار الإقليمي وبشكل غير مسبوق.