هل تطيح إجراءات العزل ترمب "صانع الحروب التجارية الحديثة"؟

الرئيس الأميركي يتوقع اتفاقا مع الصين في وقت قريب... و6 لجان في الكونغرس تحقق في مخالفاته

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحقيقا محتملا قد ينذر بعزله من منصبه (أ.ف.ب.)

"هم يريدون بشدة إبرام اتفاق، قد يحدث في موعد أقرب مما تظنون"... هذا ما قاله الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في تصريحات أمس الأربعاء، والتي تشير إلى أن هناك اتجاها أميركيا قويا لإسدال الستار على الحرب التجارية مع الصين، التي أشعها الرئيس الأميركي قبل نحو 15 شهراً.

ويسعى الرئيس الأميركي للضغط على الصين للموافقة على تقليل الحواجز التجارية من خلال سياسة لزيادة الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية. وعلى الرغم من أن "ترمب" أبقى على الأمل خلال كلمته بالأمم المتحدة في إمكانية التوصل لاتفاقية بين الولايات المتحدة والصين، فإنه أوضح أنه يريد اتفاقا يعيد التوازن إلى العلاقة بين العملاقين الاقتصاديين.

يأتي ذلك في الوقت الذي تتواصل فيه التحذيرات بشأن ركود عنيف ينتظر الاقتصاد العالمي مع استمرار اشتعال الحرب التجارية، وتوسع واشنطن في مزيد من الحروب، سواء مع الصين أو اليابان أو بعض دول أوروبا.

ومن المقرر أن تعقد الولايات المتحدة والصين مباحثات رسمية بشأن التجارة أوائل الشهر المقبل، بعد أن عقد الجانبان مفاوضات على مستوى نواب المسؤولين في الأسبوع الماضي. لكن ربما لن يتمكن الرئيس الأميركي من مواصلة حروبه التجارية مع إجراءات جديدة أعلنها الكونغرس الأميركي بشأن تحقيقات مع "ترمب" قد تنتهي بعزله.

انتقادات لاذعة وحديث عن "صفقة سيئة"

قبل يومين، وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات لاذعة للممارسات التجارية الصينية، مشيراً إلى أنه لن يقبل "صفقة سيئة" في المفاوضات بين واشنطن وبكين.

وقال في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن بكين فشلت في الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها عندما انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، وقامت بممارسات سيئة أثرت سلباً على ملايين الوظائف في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأضاف "لم ترفض الصين فقط تبني الإصلاحات الموعودة، بل تبنت نموذجاً اقتصادياً يعتمد على حواجز السوق الضخمة والإعانات الحكومية والتلاعب بالعملة، بالإضافة إلى عمليات النقل القسري للتكنولوجيا وسرقة الملكية الفكرية. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، فقد انتهت تلك الأيام بالنسبة إلى الممارسة غير العادلة من جانب الصين". وتابع "الشعب الأميركي ملتزم تماماً باستعادة التوازن في علاقتنا مع بكين".

وأردف "نأمل أن نتمكن من التوصل إلى اتفاق يفيد كلا البلدين، وكما أوضحت تماماً لن أقبل صفقة سيئة".

صفقات تجارية مع اليابان وبريطانيا

في سياق متصل، قال "ترمب" إنه يعمل مع رئيس الوزراء البريطاني على عقد صفقة تجارية جديدة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعد البريكست.

وقال إنه "مع استعداد بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، أوضحت أننا على استعداد لاستكمال اتفاقية تجارية جديدة واستثنائية مع المملكة المتحدة". ووصف "ترمب" الاتفاقية التجارية المحتملة مع بريطانيا بأنها رائعة، مضيفا أنها ستحقق فوائد هائلة لكلا البلدين.

وعلى صعيد الأزمة التجارية مع اليابان، أعلن الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، أمس، التفاصيل الأولية لاتفاق تجاري جديد بين البلدين، وقال ترمب إنه سيفتح الأسواق اليابانية أمام منتجات أميركية بقيمة 7 مليارات دولار.

 

وفي مراسم توقيع مع آبي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال ترمب إن المرحلة الأولى للاتفاق ستشمل تجارة رقمية بقيمة 40 مليار دولار بين أكبر اقتصاد وثالث أكبر اقتصاد في العالم. وأوضح أن مفاوضين من الجانبين سيواصلون المحادثات.

ووصف مكتب الممثل التجاري الأميركي الاتفاق بأنه "إنجاز أوليّ" للمفاوضات بين البلدين حول فتح السوق أمام المنتجات الزراعية والصناعية والتجارة الرقمية.

وقال ترمب "بموجب اتفاقية فتح السوق التي نعلنها، ستفتح اليابان أسواقا جديدة لمنتجات زراعية أميركية بنحو 7 مليارات دولار. الرسوم الجمركية اليابانية سيجرى الآن خفضها بشكل كبير أو إلغاؤها بالكامل على المنتجات الأميركية من لحوم الأبقار والخنازير والقمح والجبن والذرة والنبيذ ومنتجات كثيرة أخرى".

وقال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن 90 بالمئة من المنتجات الزراعية والغذائية الأميركية المُصدرة إلى اليابان ستحصل على إعفاء من الرسوم الجمركية، أو رسوم مخفضة، لكن القمح ما زال يخضع لحصة تقيد حجم الواردات من الولايات المتحدة. لكن الكثير من المنتجات التي ستفتح السوق أمامها ما زالت تواجه رسوما ستُلغى تدريجيا على مدار بضع سنوات.

وفي بيان مشترك، أعلنت اليابان والولايات المتحدة أنهما تعتزمان إتمام مشاوراتهما التجارية في غضون أربعة أشهر والامتناع عن إجراءات تتعارض مع روح اتفاق أوليّ وقعه زعيما البلدين.

ولم يذكر البيان على وجه التحديد التهديد برسوم جمركية أميركية على السيارات اليابانية، لكنه استخدم عبارات على غرار الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الياباني قبل عام لعدم فرض رسوم عقابية أثناء استمرار المفاوضات.

صندوق النقد يخفض من توقعات حدوث ركود

في إطار التحذيرات المستمرة، توقع صندوق النقد الدولي أن يتجنب الاقتصاد العالمي حدوث ركود اقتصادي كامل، حتى وإن كانت التوترات التجارية لا تزال قائمة على رأس التهديدات التي تواجه توقعات النمو.

وأوضح أن معدلات النمو الاقتصادي متوسطة كما أنها في خطر نتيجة لتهديد واحد أساسي متمثل في الحرب التجارية التي تزيد وتختمر وتسبب حالة عدم يقين للمستثمرين.

وخفض صندوق النقد توقعات النمو الاقتصادي العالمي عدة مرات في الفترة الأخيرة، وكان آخرها في يوليو (تموز) الماضي، حيث يتوقع الآن أن يُسجل الاقتصاد العالمي نمواً عند 3.2 بالمئة في العام الحالي.

أزمة العزل تلوح في الأفق... ماذا يفعل "ترمب"؟

لكن يبدو أن الرئيس الأميركي لن يكمل حروبه التجارية التي أشعلت فتيل العديد من الأزمات الاقتصادية التي يواجهها العالم في الوقت الحالي، حيث أعلنت رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، بدء تحقيقات رسمية قد تنتهي بعزل الرئيس دونالد ترمب، لتجعله رابع رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يواجه مثل تلك التحقيقات الاستثنائية.

وانتهت التحقيقات الثلاثة السابقة إما بعزل الرئيس أو استقالته، وكان آخر تحقيق من هذا النوع الذي تعرض له الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وانتهى بعزله من منصبه في عام 1998.

وبعد أشهر من الضغط الذي مارسه أعضاء مجلس النواب الأميركي، وافقت رئيسة المجلس وأعلنت بدء التحقيقات التي تهدف إلى عزل ترمب. وهو ما حدث بعد انضمام 30 عضوا ديمقراطيا خلال ساعات إلى الدعوة التي تطالب بفتح تحقيقات تهدف إلى عزل الرئيس الأميركي.

وجاء ذلك التصعيد بعد اطلاع الكونغرس على تقرير أرسله عضو بأجهزة الاستخبارات يركز على محادثات تمت بين الرئيس ترمب ورئيس أوكرانيا. وتمحورت تلك المحادثات حول جوي بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق، والمنافس المحتمل للرئيس ترمب في انتخابات 2020.

ويزعم الديمقراطيون أن ترمب قام بتأجيل مساعدات عسكرية وضغط على أوكرانيا من أجل الحصول على معلومات بشأن نجل بايدن وفتح تحقيقات بشأنه.

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن ترمب أصدر تعليمات لوقف مساعدات عسكرية لأوكرانيا بنحو 400 مليون دولار قبل محادثته الهاتفية مع نظيره الأوكراني، وذلك بهدف الضغط عليه.

وربما يواجه الرئيس الأميركي خطر العزل أيضاً نتيجة سلسلة واسعة من اتهامات ذات صلة بسوء الإدارة، مثل التربح الشخصي من الرئاسة، وانتهاك قوانين تمويل الحملة الانتخابية، وتحويل التمويلات لبناء الجدار الحدودي بشكل غير لائق.

ومع ذلك فإن بعض المحللين حذروا من أن الكونغرس سيركز على مجموعة قليلة من الاتهامات المزعومة، وذلك لتجنب وضع سابقة من شأنها أن توسع مجال استفسارات المساءلة بشكل جذري.

6 لجان في الكونغرس تحقق في مخالفات "ترمب"

رئيسة مجلس النواب الأميركي قالت إن هناك في الوقت الحالي 6 لجان في الكونغرس تحقق في مخالفات تدين الرئيس ترمب، واستناداً إلى الأدلة التي سيتم التوصل إليها فإن لجنة قضائية قد تكتب لائحة اتهام ضد ترمب، والتي قد يتم تحويلها بعد ذلك إلى ساحة البرلمان للتصويت عليها.

وفي حالة تمرير اللائحة سيعقد مجلس الشيوخ محاكمة بشأن تلك المسألة، وحينها سيكون مطلوبا من ثلثي الأعضاء إدانة ترمب وبعد ذلك عزله.

لكن مع سيطرة الديمقراطيين على أغلبية مجلس النواب، فإن الجمهوريين يشكلون معظم أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي. وفي الظروف الراهنة فإن عزل ترمب سيتطلب انشقاق نحو 20 عضواً جمهورياً بمجلس الشيوخ.

أما عن المدة الزمنية التي يستغرقها تنفيذ الإجراءات فغير معلومة على وجه الدقة لعدم تكرارها كثيراً، ولكن في حالة كلينتون حدث الأمر سريعاً نسبياً واستغرق 3 أشهر.

الرئيس ترمب وصف إجراءات مجلس النوب بأنها "تحرش رئاسي"، نافياً صحة هذه الاتهامات. كما وصف دعوات عزله بالأمر "السخيف"، وقال "الديموقراطيون لا يعرفون كيف سيتمكنون من إيقافي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2020، والسبيل الوحيد لذلك هو إجراءات الإقالة، وهذا لم يحدث من قبل مع أي رئيس أميركي".

وشدد دونالد ترمب على أنه سمح بإصدار نسخة كاملة من مكالمته الهاتفية مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأضاف "لقد كانت مكالمة ودية للغاية ومناسبة تماماً، ولم يكن بها ضغط ولا حديث عن المرشح الديمقراطي جو بايدن وابنه".

عائدات السندات الأميركية تواصل التراجع

على خلفية هذه الملفات الساخنة، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لتسجل أكبر وتيرة خسائر يومية في شهر بعد بيانات اقتصادية وتصريحات ترمب بشأن الصين.

وكشفت بيانات اقتصادية حديثة عن تراجع ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة لأدنى مستوى في 3 أشهر، كما ارتفعت أسعار المنازل الأميركية بأقل وتيرة منذ 2012.

ويراقب المستثمرون التطورات السياسية في الولايات المتحدة مع تقارير عن اتجاه الديمقراطيين لاتخاذ إجراءات نحو إقالة ترمب بعد المكالمة الهاتفية المثيرة الجدل مع رئيس أوكرانيا.

وتشير الأرقام الرسمية إلى تراجع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 7.2 نقطة أساس إلى 1.632 بالمئة. كما انخفض العائد على الديون الحكومية لمدة عامين بنحو 6 نقاط أساس إلى 1.605 بالمئة. وتراجع العائد على السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستوى 2.093 بالمئة بمقدار 5.7 نقطة أساس.