المغربي أحمد المديني يكتب بعضا من سيرة افتتانه بباريس

يوميات تؤرخ عاطفيا وفكريا لمدينة الأنوار

كتاب احمد المديني (دار المتوسط)

"فتن كاتب عربي في باريس (دار المتوسط 2019) كتاب أشبه بهدية لمن أصابته لوثة المدينة، ولا أي مدينة، إنها باريس، هذا الكتاب الجديد للكاتب المغربي أحمد المديني ، ذي المؤلفات التي تربو عن الأربعين كتاباً، رواية وشعراً ونقداً، وهو الفائز بجائزة المغرب للكتاب عن فئة الدراسات الأدبية والنقدية عام 2002، وعلى الجائزة نفسها في فئة الإبداع السردي عام 2009.

يتحدث الكاتب المغربي، في توطئته الكتاب عمن سبقه، من الكتّاب العرب، إلى تحبير الصفحات في حبّ باريس وحفر مرورهم فيها بمداد القلب وخيوط الجمال، فيذكر طه حسين وزكي مبارك وسهيل إدريس وألبير قصيري، وعبد الرحمن منيف، ومحمود درويش ممن صنعوا لأنفسهم صورة عن باريس فريدة ولم تستنفدها إطلاقاً. ولكنه إذ يؤخّر الإشارة إلى كتّاب عرب آخرين كانوا سبّاقين إلى ارتياد باريس، أوائل التاسع عشر، من أمثال رفاعة الطهطاوي والذي كان سطّر كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" (1830)، وأحمد فارس الشدياق الذي اختطّ مساره الباريسي من خلال كتابه "كشف المخبّا عن فنون أوروبا" (1863)، فإنه يدفع قارئه، وقد لهج بذلك القصد، إلى المقارنة بين لغة الكاتب المديني العربية الأصيلة المدرارة الرقراقة والموقّعة بلا استطالة مقصودة، وبين لغة الكاتبين العربيين، الطهطاوي والشدياق، الناسجة من تليدها السرديّ يوميات في مدينة غريبة ولكن ذات بهاء، والمتعلّقة بهدب البلاغة ورصانة الإيقاع والمتحيّرة، على الرغم من ذلك، في انتقاء التعابير الدالّة على المكتشفات الحديثة التي كانت باريس تحيا على وقعها، وإنما شاء التفريق بين المقاربتين: الأولى مقاربة الكتّاب العرب الأوائل لمدينة باريس، من حيث الإضاءة على محاسن الحضارة الغربية ومقارنتها بمساوئ ما في بلدانهم، وهي مقاربة تظلّ عالقة بالقشور، وبين المقاربة الثانية التي شاء الكاتب المغربي المديني الإطلالة منها على باريس، وهي صنو ما اتّخذه ريلكه الشاعر الألماني وغيره من الأدباء، عنيت المقاربة الذاتية الوجدانية والتأملية في ما تتيحه باريس لمستوطنها من لحظات تفرّد وجمال وحرّية وإبداع.

يوميات مفتوحة

يحصر الكاتب المغربي، أحمد المديني، يومياته التي يحرص على تدوينها مطعّمة بالكثير من السرد والوصف والتعليق والتأمّل الارتجاعي، في نوع من الفلاشباك السير ذاتي ناحية الطفولة في بلدته برشيد، بين العامين 2015 و2018، ويتطاول مسرح هذه اليوميات ليشمل منزله في باريس، وكلّ الشوارع ذات الحنين المتمادي. ولا يزال حتى يطرح في يومياته تلك، كلّ أحد، ظاهرةً أو حدثاً كان هزّ كيانه أو عصف بحياة مدينته، أو يتطرّق إلى وصف عارض آسر له، هو المستوطن باريس من أوائل عام 1980، طالباً العلم والحياة على السواء.

 

أولى هذه الوقفات كانت كلامه على الانتخابات الرئاسية في فرنسا لعام 2017، واستطراده للحديث عن موقع منزله في باريس، وعن عادات التبضّع من المخبز، ووصف الكنيسة في الحيّ، ودخول الراوي المسلم إلى هذه الكنيسة من دون أيّ حرج كونه باحثاً عن "الله وكتبه وملائكته ورسله" (ص 28) في لحظات ابتهاله إلى الله الواحد الأحد. ويلي ذلك كلام السارد المتأمل على سرّ الاعتراف لدى المسيحيين، وعلى الموت والدفن ومراسيم الجنازة التي لا تستغرق، على حدّ وصفه، سوى لحظات قليلة هي التي يستغرقها المودّعون في لفظ صرخاتهم الحادة والمتلاحقة لتنطفئ سريعاً في إيداع الميت في مدفنه.

 ولئن كان محالاً إيراد ثبت بكلّ ما تناوله الراوي السارد ذاته في يومياته التي سبق تعيينها، فإنّ القارئ المتتبّع لها، شأني، لا يسعه سوى الإشارة إلى أهمّ الأحداث التي توقّف المديني عندها وما استخلصه من تأملاته فيها. ومما يحسن التوقف عنده أنّ السارد، إذ اضطر إلى زيارة موطنه المغرب والإقامة أياماً فيه، أدرك كم أنّ الأمور تغيّرت عما قبل، وبات الدين وما يتّصل به عاملاً ضاغطاً على حياة الإنسان الفرد، وأنّه لم يعد ثمة حيّز كاف للحرية الفردية وسط انصياع الغالبية العظمى لسلطان أقوى وأشدّ. وكان المديني، في لحظة تدوين سابقة، إثر زيارة له إلى أبو ظبي، في خلال فعاليات معرض الكتاب المقام هنالك، قد عرّج على علاقة الكتابة بالسوق، وانحسار عدد القرّاء في مقابل ازدياد عدد العاطلين من العمل والقراءة، وتدنّي شروط الكتابة السردية واستسهال الهواة الخوض في الرواية والقصة بداعي التعلّم الميسّر، واصطفاف هؤلاء الكاتبين سريعاً في صفوف من يستحقون جوائز البوكر وغيرها.

حادثة باتاكلان

ثمّ تراه يعرض لأهمّ وأفدح ما أصاب مدينته الأثيرة باريس، عنيتُ المقتلة التي جرت فصولها في الباتاكلان نهار الجمعة الواقع في 13-11-2015 حين دخل إرهابيون ينتمون إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش) المسرح وراحوا يرمون الناس فيه من رشاشاتهم الكلاشينكوف فأربى عدد القتلى في هذه المجزرة المروعة على 89 قتيلاً. وبالطبع لن يدع الكاتب السارد هذا الحدث الجلل يمرّ من دون أن يلقي عليه تأويلاً هو أقرب ما يكون تحريماً وتجريماً لأولئك المنتمين إلى العصابات التكفيرية التي تدّعي الانتقام للمسلمين في ديار "الكفّار"، أي في عقر دارهم، في حين أنّ هؤلاء آووا المسلمين المهاجرين من بلدانهم والساعين إلى "حلم العيش الكريم ونعمة الحرّية والديمقراطية التي توفرها باريس" (ص 128).

 ولا يفوت كاتب يومياته، المديني، أن يسجّل إعجابه بل افتتانه بباريس وبجمالاتها أيام الخريف المحببة إلى روحه، وقد اختلطت بآراء كتّاب وشعراء محليون وأجانب كانوا قد سبقوه ونهلوا من معين المدينة وصروفها وفصولها البديعة وأولهم بودلير، ويخلص من التأمّل في أفضال الشاعر الباريسي، على ضوء نقديّ من كاتب باريسي معاصر هو أنطوان كومبانيون، من خلال كتابه "بودلير المتعذّر اختزاله" (2014).

إلى أنّ الحداثة، كما ارتآها بودلير، إنما هي تخليص ما هو قابل للديمومة، أو السّامي من كلّ ظاهرة عرضة للتلف، "في العالم الحديث، الصناعي، والمتأمرك" (ص 103). ولا يكاد يغادر تدويناته لعام 2015، حتّى يعاود رثاء الشرق العربي وما فيه من مآس لا يظهر فيها الخيط الأبيض من الأسود، من بيروت المضيّعة بالنفايات والفساد الضارب أطنابه في جذور إنسانها، إلى عمّان المتباعدة، وأهلها المنكفئين على "أنفسهم وأشغالهم... في قبائل وعشائر عربية معروفة بقرى الضيف..." (ص 117).

اطياف

وبينما هو كذلك، في تأسيه على مستقبل الشرق القاتم، تحضره أطياف أعزّاء ، أمثال جمال الدين بن الشيخ، ومحمد أركون، ومحمود أمين العالم وغيرهم ممن كانوا يترسّمون خطى الكبار من الباحثين الفرنسيين في العربية، المتبحّرين منها عنيت جاك بيرك وأندري ميكل وغيرهما ممن أخذ المديني عنهما العلوم واختط له سبيلاً فيها.

قلت في مستهلّ مقالتي عن كتاب الأديب المغربي أحمد المديني إنه هدية تُهدى لقرّاء العربية، ولن أحيد عن وصفي السالف، ذلك أنّ مؤلّفه جرى فيه على سمت الأدباء في تطريز سيَرهم الذاتية؛ فلم يقف عند وصف باريس، بكل تفاصيلها وتضاريسها وحوادثها وكلامها السياسي وملمّاتها وأدبائها، فحسب، بل تراه مقتحماً ذاته وآونات فرحه وشعوره بالاغتراب حيناً وبالمواطنية الصادقة حيناً آخر. ولم يكفه هذان، بل وجدته منقاداً، عفو الخاطر، إلى تأملات فلسفية في عناصر العمل الإبداعي: في الكلمات "من أين تأتي..."، وفي زمن الكتابة وعزلتها، وفي نخبوية الأدب وصدوره عن ذات فردية وحرّة وفي أعياد الفصول وأكرمهنّ الخريف، العزيز على قلب الأديب.

 أما لغة الأديب أحمد المديني، التي، وإن أثارت شدّتها وصلابتها استغرابي، أول الأمر، أسلست لقارئها القياد، فاطمأنّ إلى جمالَين يتناغمان ويتوازنان، جمال السرد والوصف والتعليق المستنير بكل فكر ذي نفع ووقع، وجمال في اللغة يستحضر خير ما تركه الأسلاف، وما يقيّض للخلَف أن يحدّثوه أو يحيّنوه بحسب علم اللغة الحديث وفلسفته. إذن، شكراً للهدية "فتَنُ كاتب عربي في باريس" والصادر عن دار المتوسط لهذا العام (2019)، والتي تكرّم بها الأديب المديني، وللقرّاء كلّ الفضل في الاستزادة عبراً وعبرات إن شاؤوا.

المزيد من ثقافة