Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحمام الزاجل استخدم في الحرب السورية... و"الحميماتي" يبحث عن هوية ضائعة

تراث في طريقه إلى الانقراض وأسراب طيور تفتش عن أصحابها

الحمام الزاجل من الطيور النادرة والمهددة بالانقراض (اندبندنت عربية)

ما زالت أسراب الحمام تحلّق فوق أسطح البلدات الصغيرة وبعض أحياء المدن السوريَّة، لِمَ لا وقد عاشت معها معظم الطيور حالة ذعرٍ بالتحليق في سماء تعجّ بالقذائف والطائرات والصواريخ.

وعدا الساحة المواجهة لمدخل الجامع الأموي الكبير المزدحمة بطيور الحمام من صنف واحد، حتى باتت تشكّل هُويَّة المكان إلى جانب الحجارة القديمة، يرتفع فوق سطح بيتٍ عربي في دمشق القديمة تدريجياً، وعلى شكل حلقات دائريَّة سرب من الحمام يزيد المشهد متعة لدى هواة ومربي الحمام بعد أن نال هذا الطائر ضررٌ كبيرٌ في الحرب السوريَّة.

ويفصح المربون عن مصائب طالت ما وصفوه بثروة الطيور من تهجير وتهريب أشهر الأصناف إلى دول الجوار، كانت قبلها سوريا تضم كماً وفيراً ونوعيَّة ممتازة منها على سبيل المثال الحمام الزاجل والمشمشي والأبرش وغيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"القن" والكنز

وفي زوايا سطح صغير أخذ الحمام مكانه في (القُن) كما يحلو أن يطلق عليه بالعاميَّة، وبدا معه فجر يوم صيفي بنداه وهواه العليل فرصة مناسبة دفعت مربي الحمام أبو زكوان إلى إطلاق طيوره من حبسها خلف البيت الحجري، ويفصل عنها بباب شبكي كبير مصنوع من الخشب. أبو زكوان من المربين العتيقين امتهن عمله في تربيَّة الطيور بعد أن كانت مجرد هوايته المفضلة، وهو منذ طفولته، معجب بجمالها بعد زياراته المتكررة إلى شقيق والده ورؤيته سرباً من الطيور لديه يعمل على تربيته.

"كشاش الحمام" أبو زكوان، تسميَّة تطلق أيضاً على مربي الحمام، إضافة إلى وصفهم للمربين بـ"الحميماتيَّة"، وهو العاشق كل أنواع الطيور، ويسابق الوقت مع بقيَّة أقرانه من المربين حتى يحصل على أجودها، ولو بأسعار مرتفعة "يصل سعر زوج الطيور في بعض الأوقات إلى مبلغ مليون أو نصف المليون ليرة سوريَّة (بين 2000 إلى 3000 دولار أميركي) أو أكثر" يقول أبو زكوان.

الغلطة بكفرة

يقضي أكثر أوقاته فوق السطوح إلى جانب "القن" أو ما يسمى "الحبيس" في عرف أصحاب المهنة، ويرى الرجل الخمسيني أن طريقة تربيَّة الحمام وأعراف المربين واحدة في كل المدن والقرى السوريَّة تنظمها قواعد وأعراف لا يسمح بخرقها أو التعدي عليها، وإلا سيكون مصير الطير مهدداً بالموت.

أعراف كثيرة يصفها "الحميماتي" أبو زكوان بالخاطئة والدخيلة، ولا تمت إلى الإنسانيَّة بصلة، ويشرح ذلك "إن دخل طير إلى سرب ثان وأمسك به (حميماتي) آخر وعرف صاحب الطير الأساسي أنها سقطت عند زميله أو غيره من المربين وفشل بالتفاوض لإرجاعه، يمكن أن يدفع ما يعرف بـ(الفك) أي تحرير الحمام مقابل مبلغ مالي".

يضيف "وفي حال الوصول إلى طريق مسدودة بين الطرفين يشرع بذبح الطير أمام صاحبه الأساسي ليشعره بالحسرة على طيره، وهذا الأسلوب مكروه، ويسبب الكثير من المشكلات". تصرَّفات خاطئة تخرج عن إطار الإنسانيَّة والآداب العامة يخترقها بعض مربي الحمام هي بمثابة وصمة تصيب أصحاب المهنة ومحبي وهواة تربيَّة الطيور بكثير من الإساءة.

وطبعت هذه التصرفات بأذهان الناس صورة اجتماعيَّة سلبيَّة عنهم منها (الصفير، الحلفان بالطلاق، والحلف الكاذب، وإزعاج الجوار)، بينما لا تنطبق هذه التصرفات على كل محبي الطيور حسب قول أبو زكوان، حتى إن شهادة "الحميماتي" غير مستحبة في القضاء والمحاكم، ولا يعتدّ بها أو حتى عدم تزويج الأهالي بناتهم من "الحميماتي"، لأنه يعمل بهذه المهنة.

التصفير وعصا (الكشة)

من دمشق إلى إدلب شمالاً وفي مكان يحتدم بالقتال، والمعارك على أشدها بين جيش النظام وفصائل المعارضة، هاجر الحمام أعشاشه وبيوته المصنوعة فوق البيوت المهدمة بحثاً عن السلام.

وفي المقابل، أخذ محبو الحمام برحلة نزوحهم وترحالهم طيورهم، في رابطة من العشق بين (الحميماتي) والطيور، متماثلة لدى الجميع إلا أن "أبو برهو" كما أطلق على نفسه لا يكفّ عن إطلاق أصوات (التصفير) المعتادة والإشارة بعصاه (عصا الكشة)، وهي عبارة عن عصا طويلة تصل بين خمسة إلى سبعة أمتار يربط في رأسها قطعة قماش بلونها الغامق.

وعبر هذه العصا يوجّه سير الطيور المحلقة وحيدة في سماء قريته الخاليَّة من الناس، وظل وحيداً مع الطيور لا يودّ المغادرة على الرغم من القصف يسقيها ويطعمها الحبوب من (الذرة البيضاء، والحنطة، أو الخبز اليابس). يمتلك "أبو برهو" أربعة من أنواع الحمام الزاجل، هي من الأصناف النادرة، ويخشى عليها من أن تلقى نهايتها من الحرب ووضعها مع عدد من الطيور النادرة في مكان آمن.

ويحتار "الحميماتي" "أبو برهو" ماذا يصنع؟ وأين يضع ما يزيد على 500 زوج من الحمام تتنوع درجة أهميتها بعد أن تنقّل بها بعدد من البيوت في رحلة نزوحه "قررت البقاء في مكان؟ "وليحصل ما يحصل أنا لست سوى عاشق للطيور ارتبط بها، وهي عملي ومصدر دخلي أيضاً، في فترة الحصار كنت أتوجع وأنا أذبحها من أجل أن أطعم عائلتي".

في طريقه للانقراض

من جانبه، يتحدّث المهندس الزراعي مالك الأسعد، وهو خبير في شؤون الثروة الحيوانيَّة ومهتم بالحمام الزاجل، وهو من أكثر الطيور النادرة المهددة بالانقراض، والآخذة بالتراجع تباعاً، خصوصاً بعد وقف التعامل بها من قبل السلطات بسبب استخدامها بأعمال نقل الحبوب المخدرة والممنوعة.

ويرى المهندس الأسعد أن العلاقة مع الحمام الزاجل هي الأمتع، لأنه حافظ لذاكرة الطريق، ويُعرف "الزاجل" بنقطة في عينه تميّزه عن غيره من أقرانه، ولديه حاسة شم يعرف من خلالها طريقه جيداً، ويضيف "يحتاج الحمام الزاجل إلى وجبات خاصة به غنيَّة بالبروتين الخام تصل إلى نسبة 18% من الوجبة، لا سيما في موسم التكاثر، ويحتاج إلى تدريب من خلال طريقة مدروسة، وبرنامج زمني تفصيلي لمعرفة الأماكن ويعرف طريق عودته ومساره لمسافة تصل مئات وحتى آلاف الكيلومترات".

الحمام الزاجل والحروب

الزاجل نقل في ظل الحرب عدداً من الرسائل مع بدايات انطلاقة شرارة الاحتجاجات الشعبيَّة العام 2011، اعتمد عليه السوريون لنقل الرسائل فيما بينهم حين كانت تغلق المناطق المحاصرة وتنقطع الاتصالات، ويقول أحد "الحميماتيَّة"، "اعتمدنا على الرسائل في التواصل للاطمئنان على الأهالي بين الحارات والمناطق المحاصرة قبل أن نعتمد على الإنترنت".

اليوم الحمام الزاجل في سوريا بلا رسائل ولا طوابع، لكنه الطائر الأكثر محبة لدى السوريين الذين أحبوا الطيور، وحافظوا عليها على الرغم من التهريب المستمر، ونزيف الهجرة. وليس أمتع من تحليق الحمام المهاجر الذي يحلق بشكل دائري في السماء، وهو أشبه بالمهاجرين والنازحين والمغتربين الذين يتوقون إلى العودة إلى أوطانهم، كما يتوق الطائر الزاجل للعودة إلى عشه بعد رحلة طويلة.