Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين رحل هنري جيمس عزاؤه الوحيد أنه فارق الحياة أوروبيا

روايتان للمقارنة ولم يحب منذ مراهقته لا أميركا ولا الأميركيين

هنري جيمس (1843 – 1916) (ويكيبيديا)

ملخص

عبر الروايتين اللتين يمكن اعتبارهما متكاملتين بصورة أو بأخرى على أية حال، ثمة إذاً مقارنة تكاد تكون خطية، ولكن بالتأكيد غير مملة وغير ديماغوجية كما حال هذا النوع من المقارنات عادة، بين عالمين لا شك أن هنري جيمس كان يشعر في مرحلة أبكر من حياته بالحيرة بين انتماءيه إليهما، لكنه يرينا في "الأميركي" كما في تاليتها "الأوروبيين" كيف حسم أمره هو نفسه وحدد اختياره النهائي.

ربما لم يعرف الأدب الغربي كاتباً ثأر للعالم القديم (أوروبا) من العالم الجديد (أميركا) بقدر ما فعل الكاتب الروائي الأميركي هنري جيمس، الذي كرس عديداً من رواياته وكتاباته النقدية الأخرى للمقارنة بين حضارة أوروبا ووعود أميركا. ولعل جيمس عبر عن ذلك بأفضل ما فعل في روايتين له من المفيد أن تقرآ دائماً معاً ليس فقط لأنه كتبهما تباعاً، أولاهما في باريس في عام 1877 والثانية في بوسطن في العام التالي 1878، بل كذلك لأنه كتبهما في دفقة واحدة بتخطيط مسبق على أساس أن تشكلا ذروة مقارنته بين العالمين، في تلك المرحلة من حياته حيث كان بالكاد تجاوز الـ30 من عمره وبات متعايشاً مع العالمين، الأوروبي والأميركي بصورة جعلته يعد نفسه، وأدبه بالتالي، قادراً على رسم المقارنة عبر ذينك النصين لينتهي طبعاً إلى ترجيح كفة العالم الأوروبي على ذلك الأميركي ولو عبر كلمات قليلة ترد في واحدة من صفحات "الأوروبيين" الأخيرة، حيث تقول البارونة الأوروبية مونستر معلقة على ما رأته في بوسطن: "يا لهم من متخلفين هؤلاء الأميركيين! متخلفون بأخلاقياتهم البائدة وحضارتهم التي صارت خارج الزمن!". والحقيقة أنه ربما كان من الطبيعي أن يكون ذلك هو موقف البارونة لخيبة أملها الغرامية وهي عائدة إلى قارتها العجوز، غير أن هذه العبارة إذ ترد في رواية لهنري جيمس تصبح ذا دلالة تحمل قدراً كبيراً من اليقين.

 

الأميركي في باريس

ومن المؤكد أن هذا اليقين يأتي متضافراً مع نظرة معاكسة ألقاها على أوروبا بطل رواية "الأميركي" نفسه ابن العالم الجديد الذي يشير إليه عنوان الرواية، كريستوفر نيومن، الذي، من ناحيته، ما إن بلغ الـ40 من عمره، وحقق ثروته الكبرى، المتلازمة مع حلمه الأميركي، من بيع الأدوات الصحية في عالمه الأميركي "البسيط والسعيد"، حتى أحس فجأة باشمئزاز من الثروة وما توفره من مكاسب حياتية، وقرر أن يستعيد علاقة جدوده الأوروبيين بالقارة العجوز من ناحية لكي يعيد ارتباطه بالثقافة الكلاسيكية التي كانت تميز جدوده، ومن ناحية ثانية لكي يعود من أوروبا بزوجة تجعله على تواصل مستديم مع الحضارة الأوروبية العريقة. وهو سيجد هذه الزوجة بالفعل في أوساط الأرستقراطية الباريسية، غير أنه سرعان ما سيصاب بالخيبة كما حال البارونة في الرواية التالية، ولكن لئن كانت البارونة ستبدو في نهاية الأمر واثقة من حكمها على الأميركيين وهو حكم يشاركها فيه كاتب الرواية على أية حال، فإن هذا الكاتب نفسه سيبدو أكثر تردداً من أن يشارك بطله الأميركي في الرواية الأخرى حكماً من هذا النوع، بل إننا لن نتردد في القول مع هنري جيمس إنه لئن فشل كريستوفر نيومن، ولنلاحظ كيف أن اسمه يعني "الرجل الجديد"، في القبول بالعالم القديم على الضد من كل ما كان قد حلم به من عودته تلك إلى الجذور، فإن الحق ليس على أوروبا بل على ذلك "الرجل الجديد" الذي تمنعه جدته من فهم تلك الحضارة الأوروبية التي هي في جذر حضارته ومحط أحلامه.

جحود على الطريقة الأميركية

عبر الروايتين اللتين يمكن اعتبارهما متكاملتين بصورة أو بأخرى على أية حال، ثمة إذاً مقارنة تكاد تكون خطية، ولكن بالتأكيد غير مملة وغير ديماغوجية كما حال هذا النوع من المقارنات عادة، بين عالمين لا شك أن هنري جيمس كان يشعر في مرحلة أبكر من حياته بالحيرة بين انتماءيه إليهما، لكنه يرينا في "الأميركي" كما في تاليتها "الأوروبيين" كيف حسم أمره هو نفسه وحدد اختياره النهائي. فبالنسبة إليه كان لا بد لتلك المقارنة أن تنتهي، في نهاية الأمر، لمصلحة العالم القديم. ومع هذا كان هنري جيمس كما نعرف أميركي المنبت ولد تحديداً في نيويورك خلال الزمن الصاخب الذي عاشته تلك المدينة في أواسط القرن الماضي في 1843، لأب كان هو الآخر كاتباً وباحثاً في الشؤون اللاهوتية، عاش حياته يحن إلى أوروبا التي كان والده، أي جد جيمس هنري، قد نزح منها ذات يوم إلى العالم الجديد، الذي حقق فيه ثروة كبرى من دون أن يحبه على الإطلاق. والحال أن ثروة الجد هي التي مكنت الأب ثم ابنيه الشقيقين هنري وويليام جيمس (الفيلسوف الاشتراكي المعروف والأب الشرعي للفلسفة البراغماتية على الطريقة الأميركية) من أن يعيشوا على سجيتهم، من دون أن يشعر أي منهما بأي امتنان للقارة الأميركية. والحال أن هنري جيمس أوصل الأمور إلى منطقها الطبيعي، ليس في كتاباته وحدها، بل في حياته أيضاً، إذ رأيناه ينزح في 1875 ليعيش في إنجلترا، بعد أن كان تلقى دروسه الجامعية في نيويورك ولكن أيضاً في لندن وباريس وجنيف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الكتابة في زمن مبكر

بكل صراحة، لم يحب هنري جيمس، ومنذ مراهقته، لا أميركا ولا الأميركيين، واعتبر نفسه دائماً مديناً للآداب الأوروبية: جورج إليوت التي كان يحب كتاباتها كثيراً، وتشارلز ديكنز، الذي أحبه ناقداً، ثم بخاصة الفرنسي أونوريه دي بلزاك الذي اعتبره سيد الأدب الروائي من دون منازع. ولقد بدأ هنري جيمس ينشر رواياته وقصصه القصيرة منذ عام 1865، وكان لا يزال في الـ22 من عمره، فنشر أولاً قصصاً قصيرة، ثم فصول رواية مسلسلة في مجلة شهرية، وهو ما أتاح له بعض شهرة مكنته من أن ينشر كتباً بانتظام بعد ذلك. وخلال السنوات الـ20 من عمره، التي قضاها جيمس في لندن، اهتم في كتاباته بخاصة بدراسة تأثير الحضارة الأوروبية على الحياة الأميركية، وهذا الاهتمام يتجلى في روايته "رودريك هادسون" (1875)، وفي رواية "الأميركي" (1877)، وتاليتها "الأوروبيين" اللتين تناولناهما في هذه العجالة، ثم في "ديزي ميلر" (1879)، و"صورة سيدة" (1881). غير أنه بعد ذلك، أي بعد أن شعر أنه صفى حسابه، أو كاد، مع الحياة الأميركية وخوائها، دق ناقوس الخطر ضد السطحية التي تهدد بها المزاجية الأميركية أوروبا إن هي غزتها سياحياً أو ثقافياً، بعد ذلك انصرف للاهتمام بالحياة الإنجليزية نفسها فكرس لها روايات مثل "آلهة الوحي المأسوية" (1890) وغيرها من القصص التي حلل فيها الشخصية الإنجليزية.

يأس من أي نجاح مسرحي

عندما أطل عليه القرن الـ20 كان هنري جيمس قد أضحى واحداً من كبار الكتاب المعروفين على نطاق عالمي، وكان هو لا يكف عن الكتابة ونشر كتاباته، حتى لو أن بعض تجاربه المسرحية الفاشلة كان من شأنها أن تورده موارد اليأس، وهو الذي كان يعول كثيراً على نجاح مسرحي يريحه من عناء الكتابة الروائية. صحيح أن بعض النقاد، ومنهم جورج برنارد شو، أعجبوا ببعض مسرحياته، غير أن هذا الإعجاب لم يكفل لها ما يكفي من نجاح. ومع هذا لم ييأس أبداً. فالظاهر أن الثراء الذي كان يتمتع به كان يشكل له خير حصن يقيه مغبة اليأس، وراح هكذا يواصل ويواصل الكتابة وينشر كتابات نقدية وروايات وقصصاً قصيرة ورسائل ومقدمات جمعت في ما بعد لتشكل كتابه الأشهر "فن الرواية".

هنري جيمس كان، بهذا، واحداً من الكتاب القلائل الذين عرفوا كيف يوقفون حياتهم على الأدب وعلى الكتابة، ومع هذا، ومنذ السنوات الأولى لقرننا الـ20 هذا نجده وقد راح يوسع مجال اهتمامه لينعى على العالم ركضه نحو الحروب، ولينذر بقيام حرب عالمية، وهذه الحرب حين وقعت بالفعل، أشعرته بيأس شديد وغم انعكس في انصرافه عن إنجاز روايتين أخريين كان يستعد لنشرهما ولم يفعل. ولم يسعده في ذلك الحين نيله الجنسية البريطانية التي حررته نهائياً، في عام 1915، من نزعة أميركية كانت لا تزال تشكل هاجساً لديه، بيد أن جيمس، الذي باغتته الحرب الأولى وهو في قمة مجده، توفي في عامها الثالث أي في الـ28 من فبراير (شباط) 1916 يائساً قانطاً ليس لديه سوى عزاء واحد: عودته أوروبياً، هو الذي أصر طوال حياته على أن يكون أوروبياً في عودة إلى الجذور ذات دلالة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة