إجراءات عزل ترمب...البيت الأبيض ينشر مكالمته مع نظيره الأوكراني

هل ستقود إجراءات الاتهام في الكونغرس إلى الإطاحة بالرئيس ؟

الضجة الهائلة التي صاحبت إعلان رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، بدء إجراءات توجيه الاتهام إلى الرئيس دونالد ترمب تمهيداً لعزله في حال ثبتت إدانته، لا تعود إلى فكرة الاتهام في حدّ ذاتها والتي تكررت كثيرا طوال فترة حكم ترمب، وإنما إلى التحول في موقف بيلوسي، والتي كانت على الدوام ترفض الرضوخ لرغبات التيار التقدمي داخل المجلس بالشروع في إجراءات عزل الرئيس، نظراً لاقتناعها بأن ذلك سيضرّ سعي الديمقراطيين إلى استعادة البيت الأبيض في انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2020.
لكن السؤال الذي يشغل الأميركيين وغير الأميركيين، أصبح يتعلق بمدى إمكانية عزل ترمب في النهاية، وهل هناك فعلاً ما يمكن أن يدينه، وهل يمكن أن يتخلى عنه الجمهوريون في مجلس الشيوخ فيصوتون ضده ويخسر منصبه، بخاصة وأن التاريخ لم يسجّل عزل أي رئيس أميركي من قبل، كما أن نتائج استطلاعات الرأي التي رافقت اتهام رؤساء سابقين كانت تفضّل استمرار هؤلاء في مواقعهم.
 

لماذا الآن؟

لطالما رفضت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب وزعيمة الأغلبية الديمقراطية فيه، دعوات التقدميين المتشددين من النواب الديمقراطيين لبدء إجراءات توجيه الاتهامات للرئيس، لكنها الآن فقط تحركت ووافقت فأعلنت المفاجأة التي لم يتوقعها ترمب نفسه، والسبب وراء ذلك التحول يعود إلى نقطة فاصلة تتمثل في رفض الإدارة الأميركية تسليم الكونغرس أصل الشكوى التي تقدّم بها عضو في مجتمع الاستخبارات الأميركي إلى المفتش العام المختصّ بالاستخبارات، وجاء فيها أن ترمب ضغط على الرئيس الأوكراني، فلوديمير زيلينسكي، من أجل فتح تحقيق يتعلق بشبهات فساد قام بها هانتر بايدن، نجل نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي يتقدم المرشحين الديمقراطيين لانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، بحسب استطلاعات الرأي.


وكان ترمب اعترف بأنه اتصل بنظيره الأوكراني في يوليو (تموز) الماضي وبحث معه موضوعاً يتعلق بنائب الرئيس السابق، فيما نقلت صحف أميركية عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم إن ترمب علّق مساعدات إلى أوكرانيا بقيمة 400 مليون دولار للضغط بهدف تحقيق هدفه، فثارت ثائرة الديمقراطيين ودُفِعت بيلوسي إلى القول إن ترمب فعل ذلك ليستفيد سياسياً ضد خصمه "عبر خيانة القسم وخيانة الأمن القومي الأميركي وخيانة نزاهة الانتخابات، إنه ليوم حزين"، معربةً عن أملها في انضمام الجمهوريين إلى الديمقراطيين في اتهام الرئيس وإدانته، إذ لا أحد فوق القانون.

استياء الكونغرس

وبينما أكد المفتش العام لأجهزة الاستخبارات، خلال شهادته الثلاثاء في مجلس النواب، أن القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية، جوزيف ماكوير، منعه من كشف تفاصيل الشكوى ضد ترمب، مؤكداً للمجلس مخالفة ذلك للقانون، أوضح مستشار ماكوير أنه تشاور مع وزارة العدل واعتبرا أن الشكوى لا ترقى إلى أن تكون "مقلقة بشكل عاجل" بما يتطلب إخطار الكونغرس بالأمر.
ويعني تعبير "مقلقة بشكل عاجل" أن هناك مشكلة خطيرة أو أمرا تنفيذيا يتعلق بنشاط استخباراتي ويمثل انتهاكاً للقانون. 
ومع تفجّر الاحتجاجات، بدا أن عددا من أعضاء الكونغرس الجمهوريين انزعج من موقف الإدارة الأميركية في حجب الشكوى ضد ترمب عنهم، ما دفع مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون إلى إصدار قرار، اقترحه زعيم الأقلية الديمقراطية "تشاك شومر"، يدعو القائم بأعمال الاستخبارات الوطنية إلى تقديم شكوى ضد الرئيس ترمب إلى لجان الاستخبارات في الكونغرس من أجل تقييمها. ويُفترض أن يصوّت مجلس النواب خلال ساعات على مشروع قرار يدين رفض الإدارة الأميركية منح الكونغرس حق الاطلاع على تقرير وشكوى عنصر الاستخبارات والحاجة إلى حمايته.

ترمب... ثقة أم تنازل

في محاولة منه على ما يبدو لتهدئة الشكوك، سارع ترمب إلى طمأنة الكونغرس إلى أنه سيكشف عن نصّ الاتصال الذي أجراه مع نظيره الأوكراني ويُعد جزءاً من الشكوى التي تقدم بها عنصر الاستخبارات، الذي لم يُكشف عن هويته. وقال ترمب في إشارة على ثقته بنفسه "سترون أنها مكالمة هاتفية ودودة ومناسبة للغاية، حيث لا ضغوط ولا مزايا مقابل شيء، على عكس بايدن ونجله"، في إشارةٍ إلى ممارسة نائب الرئيس السابق ضغوطا على أوكرانيا خلال توليه منصبه في البيت الأبيض إلى جانب الرئيس السابق باراك أوباما، عبر مطالبته بإقصاء النائب العام الذي حقّق في ملف شركة غاز أوكرانية كان نجل بايدن عضواً في مجلس إدارتها. لكن هذا الحديث الذي اعتبره الديمقراطيون تنازلاً من قبل ترمب، لن يدفع على الأرجح الديمقراطيين إلى التراجع عن مطلبهم بالاطلاع على شكوى عنصر الاستخبارات، إذ قال رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب "آدم شيف" إن مقدم الشكوى يريد الإدلاء بشهادته أمام اللجنة، الأمر الذي قد يتم هذا الأسبوع.

مَن يكسب المعركة؟

على الرغم من أن الشروع في إجراءات إدانة الرئيس هو الأول من نوعه في عهد ترمب، فإن المضي فيه قد لا يؤتي الغرض منه، بحسب رأي محللين، إذ إن 170 نائباً ديمقراطياً من إجمالي 197، أي نحو ثلاثة أرباع الديمقراطيين، يؤيدون المضي قدماً في اتهام الرئيس أو لا يمانعون حدوث ذلك، بينما أبدى 27 آخرين ترددهم في ذلك نظراً لاعتبارات تخصّ دوائرهم الانتخابية التي تضم نسبةً جيدة من الجمهوريين، وبالتالي فهم لا يرغبون في خسارة أصواتهم إلا في حالة واحدة فقط، وهي تمكّن الديمقراطيين من العثور على أدلة قاطعة لا تقبل الشك بأن ترمب خالف القانون عمداً.
وحتى إذا تمكّن الديمقراطيون من استكمال تحقيقاتهم في اللجان الست التي تعمل عليها في مجلس النواب، وانتهاء آدم شيف، رئيس اللجنة القضائية، من صياغة خلاصة هذه الاتهامات والتصويت عليها قبل إحالتها إلى كامل أعضاء مجلس النواب للتصويت واتخاذ قرار بتوجيه اتهام أو اتهامات، تظل العقبة الرئيسة التي تواجه الديمقراطيين هي تمكن ترمب حتى الآن من إحكام سيطرته على غالبية أعضاء مجلس الشيوخ الذين يسيطرون على 53 مقعداً، في حين يستحوذ الديمقراطيون على 45 مقعداً، ويصوّت عضوان مستقلان لمصلحتهم، لتبقى سيطرة الجمهوريين واضحة، وبخاصة أن التصويت بالإدانة والعزل يقتضي تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، أي 67 صوتاً بالإدانة، الأمر الذي يتطلب تصويت 20 جمهورياً إلى جانب الديمقراطيين، وأدلة دامغة غير قابلة للتشكيك.

إقالة الرئيس غير شعبية

وأظهرت استطلاعات الرأي خلال الأشهر الـ30 الأولى من حكم ترمب أن نسبة تأييد الرئيس انخفضت بقوة، بخاصة في خضم أحداث مثل العنف الذي صاحب تظاهرات القوميين البيض في مدينة تشارلوتزفيل في عام 2017، وخلال الإغلاق الحكومي في بداية العام الحالي، وفي أعقاب تقرير المحقق الخاص روبرت مولر الربيع الماضي حول التدخل الروسي في انتخابات عام 2016 الرئاسية، لكن نسبة داعمي إقالة ترمب لم تتجاوز 40 في المئة، إلا في حالات نادرة، ولم تتجاوز 50 في المئة في كل الحالات.
والحقيقة أن اتهام الرئيس لم يكن يحظى بشعبية أبداً، وبخاصة بين الناخبين المستقلين، وهو ما كشف عنه مركز "غالوب" لاستطلاعات الرأي في ديسمبر (كانون الأول) 1998 إثر توجيه مجلس النواب اتهامات للرئيس بيل كلينتون بالكذب تحت القسم واعتراض سبيل العدالة، حيث كانت نسبة مؤيدي عزله 30 في المئة فقط. وحتى في حالة الرئيس ريتشارد نيكسون الذي اختار الاستقالة عام 1974 بعدما طالبه أعضاء جمهوريون بتقديم استقالته تجنباً للإدانة، كان ربع الأميركيين فقط يؤيدون عزل الرئيس.

كيف تسير إجراءات الاتهام والعزل؟

توجيه الاتهام والعزل عملية سياسية يمكن أن تؤدي إلى عزل أي مسؤول مدني بمَن فيهم الرئيس ونائبه من السلطة نتيجة إدانته بالخيانة أو تلقي رشوة أو اقتراف جريمة كبرى أو جنحة إساءة التصرف والسلوك، وذلك وفقاً للفقرة الثانية من الجزء الرابع من الدستور الأميركي. ولمجلس النواب الحق المطلق منفرداً في توجيه الاتهام للرئيس أو أي مسؤول فيدرالي آخر، بينما يملك مجلس الشيوخ الحق المطلق منفرداً في إدانة الرئيس وعزله من السلطة.
تبدأ هذه العملية في مجلس النواب، حيث يستطيع أي عضو من الأعضاء التقدم بمشروع قرار لتوجيه اتهام للرئيس أو نائبه أو أي مسؤول آخر، لكن الأمر يعود إلى رئيس المجلس باعتباره زعيم الأغلبية في تحديد الاستمرار في التحقيق وتوجيه الاتهامات وتكليف اللجنة التي ستقود التحقيقات، وفق مايكل غيرهاردت أستاذ القانون الدستوري في جامعة كارولينا الشمالية، الذي ألّف كتاباً عن إجراءات الاتهام والعزل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


وخلال التاريخ المعاصر للولايات المتحدة، أشرفت اللجنة القضائية في مجلس النواب على إجراءات اتهام رؤساء سابقين، حيث يتطلب الأمر التصويت بالموافقة بأغلبية بسيطة داخل اللجنة، لينتقل مشروع قرار الاتهام إلى مجلس النواب بهيئته الكاملة، وهنا يحقّ لرئيس المجلس أن يطرح قرار اتهام الرئيس أو المسؤول للتصويت من قبل كامل أعضاء المجلس، الذي من شأنه أن يقرّ الفقرات الخاصة بالاتهام بالغالبية البسيطة أي 50 في المئة زائد صوت واحد.


فإذا حدث ذلك، يصبح الرئيس متهماً، وهو ما حدث مع الرئيس بيل كلينتون عام 1998 عقب فضيحة علاقته بالمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي.
بعد ذلك، تنتقل فقرات الاتهام إلى مجلس الشيوخ الذي يعقد محاكمة ويحدد أعضاء المجلس إجراءاتها، ويقودها رئيس المحكمة العليا الأميركية، بينما يقوم أعضاء مجلس النواب بدور الادعاء في المحاكمات الجنائية وعليهم تقديم الأدلة التي حصلوا عليها خلال التحقيقات، بينما يمثّل الرئيس مستشاروه القانونيون.
أما أعضاء مجلس الشيوخ فيقومون بدور هيئة المحلفين في النظام القضائي الأميركي، أي أنهم يستمعون إلى المناقشات والحجج والبراهين والأدلة من الجانبين قبل أن يصوّتوا في النهاية بأغلبية الثلثين، أي 67 صوتاً، عما إذا كان الرئيس مداناً أم بريئاً، فإذا كان التصويت بالإدانة عُزِل من منصبه وتولى نائبه منصب الرئاسة.
وطوال التاريخ الأميركي لم يواجه إجراءات الاتهام والعزل سوى رئيسين فقط، هما الرئيس أندرو جونسون عام 1868، والرئيس بيل كلينتون عام 1998، لكن أياً من الرئيسين لم يُدن في مجلس الشيوخ، إلا أن الرئيس ريتشارد نيكسون فضّل الاستقالة عام 1974، ليتجنب اتهامه وإدانته من الكونغرس في فضيحة "ووترغيت" الشهيرة.
وعلى الرغم من إمكانية عزل الرئيس، فإنه لا يحقّ لمجلس الشيوخ إصدار أحكام ضده بالسجن، إذ إن هذا هو العقاب الوحيد باعتبار أن المحاكمة هي محاكمة سياسية وليست قانونية، وفق ما تقوله سوزانا شيري أستاذة القانون الدستوري في جامعة فاندربيلت. إلا أنه يمكن أن يواجه الرئيس في مرحلة لاحقة تهماً جنائية.

وفي وقت لاحق أمس، اظهر مضمون المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الاميركي والاوكراني والتي نشرها البيت الابيض الاربعاء أن دونالد ترامب طلب فعلا من فولوديمير زيلينسكي التحقيق في شأن خصمه جو بايدن.
وقال ترامب لزيلينسكي في المكالمة التي جرت في 25 وليو (تموز) "ثمة حديث كثير عن نجل بايدن وعن أن بايدن اوقف التحقيق، ويريد أناس كثيرون ان يعرفوا المزيد عن هذا الموضوع، من هنا سيكون رائعا أن تجروا تحقيقا في هذا الشأن". واقترح ترامب على نظيره الاوكراني أن يتعاون في هذا السياق مع محاميه رودي جولياني ووزير العدل الاميركي بيل بار.

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء أنه "لم يمارس أي ضغط" على أوكرانيا، بعد أن نشر البيت الأبيض نص مكالمة هاتفية يظهر أنه طلب من كييف التحقيق في شأن نجل منافسه السياسي جو بايدن.
وصرح ترامب للصحافيين على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة "لم يحصل أي ضغط مطلقا" مضيفا "لقد كانت رسالة ودية، ولم يكن هناك أي ضغط".  وقال ترمب اثر اجتماع في فندق في نيويورك حول فنزويلا ان "جزءا من المشكلة مرتبط بالأخبار الكاذبة (...) هناك صحافيون كثيرون فاسدون".

المزيد من تحلیل