Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل فقدت "الدعم السريع" السيطرة على قواتها؟

عسكريون يشككون في تراجع العقيدة العسكرية لمقاتليها مقابل تماسك جنود الجيش السوداني

ظهرت خلال المعارك الأخيرة في ولايتي الخرطوم والجزيرة نسخة جديدة من المقاتلين في صفوف "الدعم السريع" (أ ف ب)

ملخص

هل يعني تكرار ووحشية الانتهاكات وعدم حسمها باتخاذ إجراءات شفافة تجاه مرتكبيها وتقديمهم لمحاكمة علنية وعادلة أن قيادة "الدعم السريع" فقدت السيطرة على عناصرها المشاركة في هذه الحرب؟

أثارت الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قوات "الدعم السريع" في حق المدنيين بالمناطق التي سيطرت عليها بعد المعارك التي خاضتها مع الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب بينهما في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بخاصة في ولاية الجزيرة، حفيظة السودانيين والمجتمع الدولي، لكونها جرائم بشعة شملت القتل والاختطاف والاغتصاب والتهجير القسري ونهب الممتلكات بما في ذلك المركبات الخاصة والمحاصيل والأثاث المنزلي.

فهل يعني تكرار ووحشية هذه الانتهاكات وعدم حسمها باتخاذ إجراءات شفافة تجاه مرتكبيها وتقديمهم لمحاكمة علنية وعادلة أن قيادة "الدعم السريع" فقدت السيطرة على عناصرها المشاركة في هذه الحرب؟

حرق الأرض

عضو القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين (تضامن) وليد عز الدين عبدالمجيد، قال "على رغم أن ’الدعم السريع‘ كانت تعد قوات نظامية لها قوانينها، فإن طبيعة تدريبها من الناحية القتالية تختلف تماماً عن تدريب القوات المسلحة من حيث المنهج، إذ نجد في مراكز التدريب الخاصة بالجيش يتم تدريب الجندي على أن حمله لهذا السلاح واستخدامه من أجل الدفاع عن الأرض والعرض وحماية الدستور، بينما يتم تدريب مقاتلي ’الدعم السريع‘ على أساليب حرق الأرض وما عليها دون وازع إنساني أو منهجي".

وأضاف عبدالمجيد "لقد سمعنا مقاطع فيديو عديدة تحوي كثيراً من العبارات التي تدعو للقتل بقساوة مثل (امسح اكسح ما تجيبو حي سلمنا له نظيف) ولما كان الواجب الأساس لقوات (الدعم السريع) دحر التمرد في دارفور كان النظام السابق يؤجج فيها وتيرة الانتقام والقتال بلا وازع، بخاصة من القبائل غير العربية كالمساليت والزغاوة والبرقو والبرغد، وكانت النتيجة حرق قرى بكاملها وقتالاً من دون تمييز واغتصاب وخطف وفي ظل تهليل ومباركة الدولة لتلك الممارسات الوحشية".

وتابع عبدالمجيد "في الحقيقة عند بداية تكوين هذه القوات ’الدعم السريع‘ نصحنا بأن تخضع للتدريب في مراكز التدريب الخاصة بالقوات المسلحة حتى نضمن انضباطها وتنفيذها للأوامر والتعليمات من القيادة المباشرة، بخاصة أنه بات يعتمد عليها بصورة أساسية كقوة مشاة ضاربة بدلاً من مشاة الجيش التي تناقص عددها وتدهور تدريبها"، لافتاً إلى أن هناك جملة عسكرية مأثورة تقول "الضبط والربط هما العمود الفقري للعسكرية" فما بالك في قوة بهذا الحجم والتسليح تفتقد هذه الصفة ضباطاً كانوا أو جنوداً. وأشار إلى أن "الدعم السريع" فقدت بعد مرور عام وأكثر من اشتعال هذه الحرب عدداً كبيراً من الضباط والجنود الذين نالوا نصيباً وافراً من التدريب العسكري الصارم، وهو ما جعلها تستعين في المعارك الحالية بعناصر هي خليط من مجموعات يطلقون عليها الفرسان تتلخص مهامها في الفزع والهجوم ومساندة القوات عند الطلب واصطياد ونهب الغنائم والتحرك إلى مواقع أخرى للغرض نفسه.

قوانين الحرب

وواصل عضو القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين "للأسف، إن هذه المجموعات القتالية لا تخضع لأي توجيهات ويمكن لأي جندي في أي قوة أن يستنجد بها، إضافة إلى ذلك نجد هناك مجموعات يطلق عليها (الغنامة) وهي تركز على أعمال النهب والسرقة دون أي تحفظات وكل من يقف في طريقها يكون مصيره القتل، بالتالي فإن هذه المجموعات فتحت شهية أعداد كبيرة من المجرمين والمشردين للانضمام إليها الشيء الذي أدى إلى فقدان السيطرة عليها، وهذه بلا شك معضلة كبيرة سيكون لها مآلاتها في المستقبل في حال تم اتفاق لوقف القتال، إذ يكون التفلت سيد الموقف". وأوضح أن "هذه القوات مارست خلال هذه الحرب التي بدأت شرارتها في الخرطوم وتوسعت وانتقلت إلى أقاليم أخرى نفس الأساليب والجرائم التي ارتكبتها في حرب دارفور وبصورة أسوأ وزادها سوءاً عدم توفر المرتبات والتعيينات ولحد فقدان الاتصال بقيادتهم المركزية، فضلاً عن أن تظاهرات الإسلاميين والتحشيد باسم الاستنفار ساعدت كثيراً في اجتياح القري الآمنة بحجة أنها تحتضن عناصر النظام السابق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد عبدالمجيد أنه من ضمن المواد التي تدرس للطالب الحربي في مجال القانون العسكري هي قوانين الحرب والاتفاقات الخاصة بمعاملة الأسرى (جنيف) وكيفية التعامل مع المدنيين في مناطق القتال، وهذه من المواد المهمة التي يتحتم على الضابط أن يعلمها للجندي المستجد في فترة التدريب ومراجعتها خلال الدورة التدريبة للقوة من مستوى الجماعة، وهو أصغر تشكيل قتالي إلى مستوى الفرقة، منوهاً بأن كل ذلك تلاشى حتى في المؤسسة العسكرية لذلك نجد بعض التفلتات في الوسط العسكري وأكملته الحركات المسلحة. وختم، "أي ميليشيات أو تنظيمات مسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية ولا تخضع لسيطرتها ستفلت من قبضتها وتكون دولة داخل دولة والتجارب أمامنا كثيرة، فضلاً عما نراه من واقع أمامنا الآن في هذه الحرب، كما أن عدم التأهيل الاحترافي وعدم الانضباط العسكري يؤدي لإنتاج مقاتل يحارب لأجل إشباع رغبته ولا يستجيب لأي توجيهات أو واعز أخلاقي". ‏

تواطؤ ومغامرة

من جانبه، أوضح الباحث في مركز الخرطوم للحوار اللواء الرشيد معتصم مدني أن "الجيش السوداني ظل في الأيام الأولى من الحرب في حالة دفاع عن حامياته ومقراته العسكرية ذات الدلالة الرمزية قدر الإمكان، إذ قام بصد موجات كبيرة من هجمات ميليشيات (الدعم السريع) التي استخدمت فيها السلاح الثقيل والمدرعات والعربات العسكرية سريعة الحركة (الكروز) وكتل بشرية في حالة اندفاع أعمى ونيران كثيفة، كما عمل الجيش على تحييد المعدة العسكرية الثقيلة وتتبع مراكز القيادة ومخازن السلاح وأجهزة الربط والاتصالات الخاصة بتلك الميليشيات".

وأردف مدني "في ظني أن القوات المسلحة السودانية نجحت إلى حد كبير في كسر عظم قوات المتمردين وشلت قدراتهم العسكرية وأفقدتهم السيطرة على قواتهم وخسارتهم لأعداد كبيرة من المقاتلين، وظهر ذلك جلياً في هجرة عدد كبير من قياداتهم الميدانية وظهورهم في مواقع بعيدة من ميدان المعركة الأول (العاصمة الخرطوم) وكان الهدف الرئيس من هذه المغامرة العسكرية هو الانقلاب على السلطة السياسية والقضاء على القيادة العسكرية وتسلم زمام الحكم في البلاد". وزاد أن "انتشار قوات المتمردين أفقياً وتوسيع دائرة نشاطهم العسكري في مواقع لا توجد فيها قوات مقاتلة من الجانب الحكومي ودخولهم لقرى منتجي الغلال والمزارعين في ولاية الجزيرة الذين لا يملكون بندقية صيد زاد نسبة الحنق والعداء لهذه القوات التي أصبحت تقاتل بلا هدى ودون أدنى مراعاة ودراية بقضايا حقوق الإنسان والأسرى والتعامل معهم حسب القوانين الدولية والأعراف والشرائع الدينية وعدم احترامهم لقواعد الاشتباك".

شعور بالحرمان

ومضى الباحث في مركز الخرطوم للحوار في القول "ظهرت خلال المعارك الأخيرة في ولايتي الخرطوم والجزيرة نسخة جديدة من المقاتلين تعد بمثابة الوجه البارز في صفوف قوات المتمردين هم أبناء الكانتونات المحيطة بولاية الخرطوم أي المحرومين من أبناء النازحين من داخل السودان واللاجئين من دول الجوار والذين لم يجدوا طريقهم إلى سوق العمل وغير مقيدين في السجلات الرسمية للدولة، إذ إن دخولهم مع المتمردين يعوضهم الشعور بالحرمان ولو للحظات بوضع نجوم على الأكتاف أو الحديث عن قضايا سياسية واجتماعية في أوساط اجتماعية مدنية غير مقاتلة تحت القهر والسلاح في وجوههم أو إشباع بعض الحاجات النفسية والمادية مثل السكن في منازل لا يملكونها والاستحواذ على أموال خاصة أو عامة منهوبة". وتابع "واضح جداً أن الجيش يقاتل بخبرة متراكمة ومعرفة كاملة بتكتيكات وسيكولوجية العدو المدفوع بأجندة خارجية ويمضي في خطته دون التفات للحظات الانكسار والخسائر التي تتسبب في خلق حالة من الارتباك في أوساط النخب من الداعمين للجيش، كما يعمل الجيش أيضاً على استنزاف هذه القوات بصورة مستمرة حتى وصولها إلى مرحلة الانهيار على رغم تطاول الزمن في عرف الكثيرين والخسائر والضغط النفسي والمعاناة الكبيرة التي لحقت بالأطفال والنساء وكبار السن".

ولفت مدني إلى وجود أعداد كبيرة من المقاتلين دون السن القانونية في معارك الخرطوم ودارفور الأخيرة، وهذا أمر يخالف قوانين الحرب، فضلاً عن تسببه في كثير من الجراح لمجتمعات محلية انتهت بهم طموحات قادة المتمردين لهذه المحارق والنهايات الحزينة لأبنائهم.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير