Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المهق... عذابات التمييز أقوى من ألم المرض

أفريقيا الأكثر فتكاً بالألبينو وخرافات الشعوذة تعرضهم للتعذيب والعرب يحاربون التضليل المعلوماتي على استحياء

التركيز الإعلامي على معاناة المصابين بالمهق وتعرضهم إلى النبذ يبدو ضعيفاً للغاية (أ ف ب)

ملخص

رغم محاولات المنظمات الدولية التعريف بحقوق المهق وبطبيعة مرضهم فإن حالات الاعتداء عليهم لم تتوقف، بخاصة في بعض دول أفريقيا السمراء... فما قصة هذا المرض؟ وما معاناة أصحابه؟

10 أعوام فقط هي عمر الاحتفال باليوم العالمي للمهق (الألبينو)، لكن يقابلها عقود طويلة من التمييز والتنمر والإقصاء والعنف ضد المصابين بالمرض الذي يظهر على واحد من بين 17 ألف شخص حول العالم وفقاً للإحصاءات، إذ يولد أصحاب هذا المرض الجلدي الذي يؤثر في أعضاء أخرى بالجسد بعيب جيني يمنع بشرتهم من التلون، بسبب عدم وجود صبغة الميلانين بها مما يمنحهم مظهراً مختلفاً يجعلهم بارزين في محيطهم.

وتبدو وجوههم شاحبة، فبشرتهم بيضاء بشدة بلا شائبة وشعورهم شقراء وكأن الشيب غزاهم وهم لا يزالون في المهد، مع كثير من وهن العينين اللتين تجاهدان لتبقيا مفتوحتين في الضوء، وإذا كانت بعض الثقافات تفضل البشرة الفاتحة عوضاً عن الداكنة فإنهم يتوجسون خيفة من "المهق"، ليس لأنهم على دراية بالتحديات التي تقابل أصحاب تلك الحالات وبخاصة في بيئة غير مؤهلة، لكن بسبب انتشار الخرافات السائدة حولهم إذ يعدهم البعض أشباحاً وآخرون يتعاملون معهم على أنهم ملعونون وفأل سيئ، وهذه الدعاية السلبية كانت سبباً في فقدان كثير منهم حياتهم سنوياً بسبب المطاردات والكراهية.

وعلى رغم مجهودات الأمم المتحدة ومحاولات مساعدة تلك الفئة، لا سيما في بعض الدول الأفريقية التي تنتشر فيها الحملات التحريضية ضد المهق، فإن التركيز الإعلامي على معاناتهم وتعرضهم إلى النبذ يبدو ضعيفاً للغاية، مقارنة بفئات أخرى تحظى بدعم إعلامي كبير مما يسهم في تحسين أوضاعها بصورة ملحوظة، بينما يتذيل مرض المهق قائمة التوعية وتبدو مناشدات تصحيح المفاهيم حوله عابرة بلا إلحاح وكأنها رفاهية، وهو ما يزيد من هدر حقوق تلك الفئة التي تعاني في صمت على أكثر من مستوى، بسبب رعب البعض من مظهرهم لمجرد أنهم مختلفون، وبسبب تفشي المعلومات المضللة حول طبيعتهم وسماتهم.

أخطار صحية ومعلوماتية

وما يجعل الوضع أكثر تعقيداً هو أن أحد الوالدين يكون حاملاً للمرض من دون أن يدري، فلا يجب أن يكون مصاباً به من الأساس حتى يظهر على الابن أو الابنة.

ووفقاً لما جاء على الموقع الرسمي للأمم المتحدة في إطار التوعية بهذا المرض، الذي دشنت المنظمة موقعاً إلكترونياً مستقلاً به لمساعدة المرضى على تخطي الصعاب، فإن "المهق حالة نادرة الحدوث يولد بها الإنسان وهي غير معدية وإنما وراثية. وفي جميع أشكال المهق تقريباً لا بد أن يكون كلا الوالدين حاملاً للجين، لكي ينتقل إلى الأبناء، حتى وإن لم تظهر علامات المهق على الوالدين".

 

ولأن الفحوص الجينية قبل الزواج ليست منتشرة على نطاق كبير نظراً إلى كلفتها العالية وبخاصة في الدول النامية، فإن هناك تحديات كثيرة أمام كسر دائرة المعاناة. تحكي رضوى وهي أم ثلاثينية مصرية لطفل يبلغ من العمر تسعة أعوام اكتشفت حالته فور ولادته، أنها "لم تكن تدري" أبداً أنها حاملة للمرض، وبالتالي لم تكن تتوقع أن ترزق بطفل ألبينو لتواجه صعوبات مستمرة في أن تشرح حالته للمقربين قبل الأغراب "بين بنود الشرح أن المرض ليس معدياً وأن طفلي لا يختلف عن أقرانه إلا في بعض الأمور التي يمكن التغلب عليها بأدوات المساعدة، وأنه ليس مجنوناً أو غبياً أو مدللاً يدعي عدم القدرة على المكوث في الشمس".

لكن المشكلة في رأي رضوى أن طفلها كاد يفقد حقاً أصيلاً من حقوقه في الحياة وهو التعليم، "تعرض للرفض من أكثر من مدرسة قبل أن تقبل به إحداها أخيراً. كما أن بعض المدرسين يرتبكون ولا يعرفون كيف يتصرفون معه، فهم إما يشفقون عليه بصورة مبالغ فيها مما يعرضه للحرج أمام زملائه أو يتجاهلونه تماماً، وبخاصة حينما يواجه صعوبة في الرؤية حتى إذا جلس في الصف الأول".

أعباء مالية

واكتسبت رضوى تدريجاً بمساعدة الأطباء ثقافة التعامل مع وضع نجلها سريعاً، بل باتت نموذجاً لأمهات مثيلاتها وتقول "اكتشفت أن الأمر يمكن أن يكون بسيطاً ويمر بصورة شبه طبيعية إذا ما تعلمنا بعض الأمور الأساس، ومن بينها أن العلاجات الواقية من تأثيرات أشعة الشمس لا غنى عنها لحماية كل ما يظهر من جلد طفل الألبينو، وأن بعض الجهات الرسمية توفر المعينات التي تساعد أصحاب الحالة على الرؤية، وهي عدسات تفيدهم في القراءة والتحصيل العلمي، لكن في المقابل هناك عائلات لا تملك الوعي الكافي ولا حتى المال لاستخدام الواقيات الشمسية الباهظة الثمن، إذ إن كل حالة تستهلك كميات كبيرة جداً إضافة إلى بطء إجراءات الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية، مما يجعل الأسر تحجم عن الانخراط في العملية بأكملها ليدفع الأبناء الثمن".

وتعد ثقافة استعمال مساحيق الواقي الشمسي أحد أبرز الأمور التي ينبغي على مريض الألبينو أن يتمسك بها وفقاً للمراجع الطبية الموثوق بها، إذ إن تجاهلها يفاقم المعاناة نظراً إلى الحساسية المفرطة لبشرة الألبينو ناحية أشعة الشمس، وبحسب ما يؤكد الموقع الرسمي للأمم المتحدة أيضاً فإن أصحاب مرض المهق الذي يصيب الجنسين على السواء وينتشر في جميع بقاع العالم، ينجم عن "غياب صبغة الميلانين في الشعر والجلد والعينين مما يجعل الشخص المصاب به شديد التأثر بالشمس والضوء الساطع. ويؤدي ذلك إلى معاناة كل المصابين بالمهق تقريباً من ضعف البصر، ويكونون عرضة للإصابة بسرطان الجلد ولا يوجد أي علاج لغياب الميلانين الذي هو السبب الأساس للمهق".

 

إن المساعدة على التغلب على مضاعفات المهق أمر متاح لكنه في حاجة إلى مزيد من التركيز عليه في خطط التوعية العامة التي تطلق رسمياً وأهلياً، وبخاصة أن تلك المساعدات تعد منقذة للحياة ومنها النظارات الشمسية الداكنة والملابس التي تقي من نفاذ أشعة الشمس إلى الجلد، والفحوص الدورية وبخاصة للعيون، إذ إن ضعف الإبصار الحاد من أبرز أعراض المهق التي تؤثر في سير الحياة بصورة طبيعية، ويراوح ما بين ضعف الإبصار الشديد والعمى الجزئي أو الكامل إذا ما جرى إهمال الحالة.

ويبدو الألبينو وكأنه يعيش على الحافة بين العمى والإبصار إذا لم يكن حريصاً على الحصول على المساعدة أولاً بأول، ووفقاً لما جاء على الموقع الرسمي لوزارة الصحة السعودية فإن من بين مشكلات العيون المنتشرة بين الألبينو أيضاً الحول وسرعة وعدم طواعية حركة العين، وعدم القدرة على تحريك كلتا العينين بانسجام وحساسية الضوء والنمو غير الطبيعي للشبكية، وبخاصة أن هناك نوعاً نادراً من هذا المرض يصيب العين بصورة محددة فيما النوع الأكثر شيوعاً يؤثر في الجلد والعيون معاً.

تضامن إعلامي وفني ولكن

كل تلك الأمور تجعل ممارسة الحياة بصورة طبيعية للمهق في حاجة إلى دعم طبي ونفسي كبير، سواء فيما يتعلق ببيئة العمل أو التحرك بالشوارع والمواصلات العامة، أو الحق في الحصول على معاملة عادلة في مختلف المؤسسات على المستوى الفردي أيضاً.

واللافت أن مشكلة الألبينو أخذت حيزاً من التغطية الإعلامية قبل عامين بعد حديث مؤثر لإحدى الفتيات المصريات المصابات بالمرض، عبرت فيه عن حزنها الشديد بسبب تعرضها لكلمات قاسية من المتنمرين على وضعها، وذلك بعد أن بثت مداخلتها أمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على الهواء مباشرة ضمن فعاليات منتدى شباب العالم، لكن فيما بعد اختفى الاهتمام تدريجاً على رغم أن هناك حملات توعية شبه دائمة حول أوضاع كثير من الحالات الخاصة بصورة عامة.

 

وسينمائياً تبدو أزمات هذه الفئة شبه غائبة عربياً على عكس الاهتمام بها على مستوى الأفلام العالمية، إذ إن محاولات صنع عمل كبير يناقش المشكلة مستمرة إلا أن القليل منها فقط الذي خرج إلى النور في القطر العربي، فعلى سبيل المثال يحضر الفنان المصري أحمد الفيشاوي منذ أعوام طويلة لفيلم إنساني عن حياة شاب أمهق، قرر تنفيذه بعد أن شاهد بعض الساخرين من حالات الألبينو، لكن المشروع تعثر فيما جرى الإعلان عن عدة مشاريع أخرى مشابهة، ولم تخرج إلى النور كذلك.

وعلى جانب آخر نجح المخرج المغربي عز العرب العلوي في إنجاز فيلم يسرد تلك المعاناة بعنوان "أفريكا بلانكا"، وعرض قبل أسابيع في إطار سوق مهرجان كان السينمائي وهو العمل الذي دخل عقر دار المعاناة، إذ إن أكثر الحكايات ألماً حول المهق جاء من القارة السمراء، لأن الألبينو بشرته مناقضة تماماً للون جلد باقي أبناء البلد مما يجعله محط رفض ومطاردة.

ويلقي "أفريكا بلانكا" الضوء على قصة أم وابنها الألبينو من أفريقيا السمراء يحاولان الهجرة إلى أوروبا، هرباً من الاضطهاد الذي يعانيه الطفل كونه "أمهق"، فمن في مثل حالته يواجهون صعوبات في التأقلم نظراً إلى أنه يجري التعامل معهم بدونية اعتقاداً ممن حولهم أنهم مصدر للشر، إضافة إلى أن البعض يحاول قتلهما أو الاستفادة من أعضائهما والاتجار بها، إذ تتحمل الأسرة الصغيرة أخطار رحلة الهجرة فراراً من هذا التمييز، وجعل المخرج الهجرة وطلب اللجوء مدخلاً لإلقاء الضوء على الحقوق المهدرة لتلك الفئة.

من يحمي المستهدفين؟

اختيار المخرج لهذه البقعة له ما يبرره إذ إن الدول الأفريقية من أكثر البلدان تمييزاً ضد المهق، وبحسب عديد من المنظمات غير الحكومية بينها جمعية المهق التنزانية فقد شهد مطلع الألفية الثالثة هجمات متعددة ضد الألبينو في تنزانيا، وعمد المهاجمون إلى إلحاق الأذى بهم اعتقاداً منهم أن بشرتهم غير الملونة تتيح لهم التمتع بقوى سرية غامضة، وراح ضحية تلك الهجمات العنيفة عشرات القتلى إضافة إلى أعداد كبيرة من المصابين، وكانت منظمات مختلفة قد نشطت لمحاولة حماية المستهدفين والمناشدة بضرورة حصولهم على حقوقهم في الحياة الآمنة، وتوفير الرعاية.

 

وسبقت تنزانيا الأمم المتحدة بمجهودات جذب الأنظار ناحية معاناة المهق، من خلال اعتماد الرابع من مايو (أيار) من كل عام يوماً وطنياً للمهق وذلك بدءاً من عام 2009، بينما اليوم الدولي للمرض وفقاً للمنظمة الدولية قد بدأ الاحتفال به منذ عام 2015، فيما تحاول دول أفريقية عدة محاربة هذا التمييز نظراً إلى انتشار كثير من الخرافات المتعلقة بالقدرات السحرية للألبينو بين شعوب القارة، وبينها كينيا وكذلك الصومال التي قام سفراؤها لدى الأمم المتحدة بالتعريف بما يقاسيه الألبينو في المنطقة.

وعالمياً تعد الجمعية الكندية "تحت نفس الشمس" من أكثر المؤسسات نشاطاً في التعريف بحقوق أصحاب تلك الحالة، وعربياً تبدو المؤسسات المنخرطة في التوعية بضرورة إدماج الألبينو والتعريف بحالتهم وأيضاً المطالبة بحقوقهم نادرة للغاية وأنشطتها محدودة نظراً لضعف التمويل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عقاب مجتمعي وحقوق مهدرة

وعلى رغم أننا نحيا عصراً يسهل فيه نقل المعلومات الصحيحة حول الأمراض والحالات الخاصة فإن الاعتداءات على الأشخاص الألبينو مستمرة، وفق ما قالت الخبيرة المستقلة المعنية بالمهق مولوكا - آن ميتي – دروموند بالأمم المتحدة، فإنه قبل عامين ألقيت جثة طفلة ألبينو في النهر بعد إزالة عينيها وبتر أعضائها بإحدى الدول الأفريقية لأغراض طقسية، ولاعتقاد مرتكبيها أن من يمتلك أعضاء الألبينو سيصبح محظوظاً طوال حياته، إضافة إلى وقوع ما يزيد على 600 حالة اعتداء متفاوتة الشدة على حالات من المهق خلال الفترة من 2010 إلى 2020 لأسباب مشابهة.ولا توجد إحصاءات دقيقة حول أعداد أعداء الشمس وأحباء القمر (الألبينو) في مختلف أنحاء العالم.

لكن المؤكد وفقاً للشهادات الموثقة أن التحديات الصحية الجمة التي تواجههم يمكن التغلب على كثير منها بالحصول على الرعاية الصحية الملائمة، والاعتراف بحقوقهم في نيل مزيد من التسهيلات في المؤسسات المختلفة والحق في التوظيف بأعمال تلائم وتراعي وضعهم، لكن المعلومات المشوهة المنتشرة حولهم على ما يبدو أنها أكثر إيلاماً بكثير وأشد تأثيراً، مما يعرضهم لفقدان حياتهم بسبب التحريض عليهم للاعتقاد بأنهم يملكون قوى شريرة تمكنهم من ممارسة أعمال الشعوذة أو أنهم يسببون العدوى، إذ يعاقبون مجتمعياً على خلل في لون بشرتهم ليس لهم يد فيه.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات