رواية "الوصايا" لمارغريت أتوود تلخص وضع الحركة النسوية المعاصرة

خسرت لقب القيادية المخضرمة للحركة النسوية لكنها تظل ممثلة للتعددية فيها

في تطوّر الحركة النسوية، ظهرت تيارات كثيرة وعبّرت الكندية مارغريت أتوود عن صوت متمرد ومتفرد فيها (موقع بابليك بورد كاستينغ.نت)

تحتاج كل حركة إلى شخصيات بارزة تمثل أيقونتها الخاصة. وبالنسبة للحركة النسوية في عصر المسيرات النسائية، لكن حفنة من تلك الرموز قد يكون ملفتاً أكثر من تلك الشخصية التي ارتسمت في رواية "الخادمة". تلك المرأة المكتسية بثوب أحمر اللون، وتغطي شعرها قلنسوة بيضاء، تمثّل الرمز الرائع والمثير الذي تقدمه مارغريت أتوود عن القمع الجنسي، ما يجعل ذلك الزي الاحتجاجي يقضي على كل أزياء الاحتجاج الاخرى.

وتذكيراً، نزلت النساء إلى الشوارع مرتديات زي الخادمات في إيرلندا الشمالية لمناصرة حقوق الإجهاض، وخرجن في مسيرة ضد دونالد ترمب في لندن، واعتصمن في بوينس آيرس مرتديات الزي نفسه. وقد جسّدت تلك الأمور تأثير رواية  "حكاية الخادمة" الصادرة في 1985 التي بلغت أوجها في الثقافة الشعبية في أيامنا تلك، بسبب تآزر قوتا شبكة "هولو" التلفزيونية التي حولتها إلى مسلسل درامي، وتجدد انبعاث تيار كراهية النساء، حتى أن كلبك يستطيع الاحتفال بـ"عيد الهالوين" مرتدياً زي الخادمة! نعم، الآن وقد شارف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين على نهايته، دخلنا في عصر كئيب وغريب يضع فيه الناس ملابس على حيواناتهم الأليفة بأزياء ترمز إلى ضحايا الاغتصاب الذي مارسته السلطات الدينيّة.

إذاً، لا عجب أن صدور كتاب "الوصايا" الأسبوع الماضي، ويعتبر الجزء المتمم لرواية أتوود ("حكاية الخادمة")، جعل إطلاق آخر عمل من سلسلة هاري بوتر يبدو كأنه يوم خريفي ممطر وكئيب في القرية التي تحوي أكبر عدد من المكتبات في ويلز. وعِبْرَ غلافها الأخضر المشع، يمكنك من الفضاء رؤية الرواية متربعة على واجهات المكتبات. وتتطرق رواية "الوصايا" مرّة اخرى إلى الطبقة الدينية الحاكمة المخيفة في جمهورية "جلعاد" (الاسم الذي تتخذه الولايات المتحدة في "حكاية الخادمة") بعد 15 عاماً من ختام الكتاب الأصلي. وتعتبر الرواية التي وُضِعَتْ على القائمة القصيرة لـ"جوائز بوكر" إنجازاً أدبياً مذهلاً (فلتتارك تلك الثمرة) يرقى تماماً إلى مستوى التطلعات والتهليلات. ويجسد العمل شيئاً آخر أيضاً، ذلك أنّه كتاب خفي وغامض يبرز السبب الذي جعل أتوود تواجه وقتاً عصيباً عندما لعبت دور الأم الرئيسة الحقيقيّة والمتخلية للحركة النسوية في أوقاتنا المتميّزة بصحوة حيال الأشكال المختلفة للتمييز. قد تكون أزياء عالمها الخيالي نماذج للبساطة المبالغ فيها، لكن سياستها المتعلقة بنوع الجنس أبعد ما تكون عن ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اشتهرت المؤلفة الكندية بإثارتها ردة فعل عنيفة من البعض داخل حركة #مي تو #MeToo عندما وقعت خطاباً مفتوحاً تنتقد فيه معاملة "جامعة بريتيش كولومبيا" للبروفسور والروائي ستيفن غالواي، الرئيس السابق لقسم الكتابة الإبداعية والمتهم بالاعتداء الجنسي. وفي تلك الرسالة التي نُشرت 2016، أرادت أتوود مساءلة الجامعة بسبب نشرها تلك الاتهامات أمام الجمهور قبل أن يجري التحقيق فيها. يشار إلى أن تحقيقاً لاحقاً خلص إلى عدم وجود اعتداء. وقد تبدو رسالة تدعم الإجراءات القانونية الواجبة باهتة جداً في مناسبات اخرى، لكنها ليست كذلك في خضم حركة #MeToo التي تمثل موجة غضب عميقة ومبررة ضد ثقافة عملت لفترة طويلة على تمكين التحرش والاعتداء الجنسي.

كان رد أتوود على منتقديها نموذجاً للفكاهة والذكاء الإنسانيين اللذان جعلا روايتيها حول "جلعاد" تعجان بالحياة، وكانتا ستتحولان إلى حكايتين خشبيتين عن الأخلاق لو كتبتهما يد أقل إبداعاً. إذ أوضحت موقفها في مقالة افتتاحية نشرتها في 2018 بعنوان "هل أنا نسوية سيئة؟"، موضحة فيها إنّ "موقفي الأساسي يتمثّل في أن النساء كائنات بشرية، ويتمتعن بكل أشكال السلوكيات القديسة والشيطانية التي تستلزمها بشريتهن، بما في ذلك السلوكيات الإجرامية. إنهن لسن ملائكة أو غير قادرات على ارتكاب أي أخطاء. لو إنّهن كُنّ كذلك، لما كنا بحاجة إلى نظام قانوني".

واستطردت لتعتبر أن حركة #مي تو "عَرَضٌ من أعراض نظام قانوني معطل"، وربطت بين دور المعتدلين السياسيين والروائيين. ووفق كلماتها "يعتبر كتاب الأدب المتخيل مشكوكاً في أمرهم بشكل خاص لأنهم يكتبون عن البشر، والبشر بطبيعتهم غامضون أخلاقياً. الهدف من الإيديولوجيا يتمثّل في القضاء على الغموض".

على ذلك النحو، يعد كتاب "الوصايا" البوتقة المثالية لاستكشاف تلك الأفكار. وبينما تتعمق أتوود في بدايات ونهايات جمهورية "جلعاد" على حد سواء، فإنّها لا تصوّر الرجال على أنهم العدو بحد ذاتهم. بدلاً من ذلك، يتمثّل العدو في أيديولوجيا متطرفة تمنح القوة للرجال بينما تقدّم إلى النساء سلسلة من الخيارات الرهيبة.

انتابتني رعشة شبيهة بصعقة كهربائية عندما أدركت أن العمة ليديا كانت إحدى الرواة الثلاثة في كتاب "الوصايا". إنّها تلك الشخصية الأكثر جبناً بين الطاغيات المسؤولات عن "إعادة تثقيف" النساء المفكرات وتحويلهن إلى خادمات ضعيفات في الرواية الأصلية (= "حكاية الخادمة"). إذا كانت العمة ليديا أقرب شخصيات "حكاية الخادمة" إلى كونها الشريرة الكلاسيكية، فإن لها وجهاً آخر مختلفاً في كتاب "الوصايا"، ولا أريد أن أفصح عن تفاصيل كثيرة. إذ تكشف الرواية عن خلفية قصتها. ونعرف أنّها إبنة عائلة كانت تعيش في مقطورة متنقلة في المنتزهات، وتمكنت من الهرب من والدها المُسيء، ثم حصلت على تعليم جامعي، وأصبحت قاضية. بعد الانقلاب في "جلعاد"، اختارت البقاء وأصبحت أقوى امرأة في النظام. وتعبيراً عن وجهة نظر تلك الشخصية، كتبت أتوود إنّه "كان هناك طريقان منفصلان في غابة مصفرّة، وقد اتخذتُ السبيل المطروق أكثر. كان مليئاً بالجثث، وتلك عادة مثل تلك الطرق. ولكن كما لاحظتم، فإن جثتي ليست واحدة منها".

واستطراداً، تظهر العمة ليديا الذكية والحاسمة والمساومة على هيئة راوية ساحرة بطريقة مزعجة. ويتوافق ذلك الغموض الأخلاقي مع روح الرواية الأصلية. وفي المقابل، لو كانت هناك شخصية قد نضجت جداً وحان قطافها، فستكون شخصية القائد المتحكم بأوفريد. إذ يمثّل ذلك القائد رجلاً سلطوياً أبوياً قوياً يملك كل شيء: العمل والزوجة والخادمة الشابة التي يجب أن يحاول جعلها حبلى. ولكن عندما استدعى أوفريد المفزوع إلى مكتبه، كان ذلك من أجل لعبة الـ"سكرابل" وليس لأهداف السادية.

باستثناء شخصية جوود القائد المعتدي على الأطفال في كتاب "الوصايا"، تختزن أتوود عموماً ذلك الشعور بالرعب والغضب الأخلاقي حيال ذلك النظام الفكري الذي يستند إليه النظام الحاكم في "جلعاد"، ما يعتبر صدى لعالمنا. وأوضحت المؤلفة إنّها تشعر بأن الولايات المتحدة تتحرك باتجاه جلعاد، وليس بعيداً عنها.

في سياق مماثل، تتمتع رواية "الوصايا" بأهمية خاصة لأنها تستكشف الطرق الخبيثة التي يسيطر بها المجتمع على أجساد النساء، ويُشوّه الطريقة التي تفهم بها البنات هويتهن الجنسية. لقد جرى تلقين تلميذات المدارس أنهن "زهرات ثمينات" ويحتجن إلى الحماية، وأن الفساتين البيضاء ترمز إلى الطهارة. وكذلك تعَلَّمْنَ الخوف من عار الفسق، وأن الضحية مُلامَةْ، وكذلك تُجبَرْ المراهقات على الزواج برجال كبار في السن، وتُسلَبْ النساء حق الاختيار بشأن إنجاب الأطفال أو تحديد الوقت الذي يناسبهن لذلك، كما تتعرض النساء إلى التهميش بسبب فشلهن في الإنجاب.

ويجدر التذكير بأن لا شيء من بين تلك الأمور خيالي. وعلى الصعيد العالمي، تتزوج 12 مليون فتاة دون سن الثامنة عشرة كل سنة، بينما تفتقر ملايين أخريات للوصول إلى وسائل منع الحمل أو الإجهاض. وتتمثّل عبقرية أتوود الخاصة في مواصلة الدفع من دون كلل، بتلك الصور عن التحيز الجنسي حتى توصلها إلى مصيرها المقيت ولكنه في نهاية المطاف منطقي أيضاً.

في وقت تتراجع فيه حقوق المرأة في بعض الأماكن وتنعدم بشكل عنيد في أماكن اخرى، من غير المفاجئ أن "حكاية الخادمة" انتشرت مثل النار في الهشيم كنوع من أنواع الاحتجاجات. وإذا كان الصوت الحماسي الذي ينطلق من خلف الرمزية الأيقونية للرداء الأحمر والقلنسوة البيضاء، يدل على أن الحركة النسائية ليست دائماً متشحة بالأبيض والأسود، فسيكون ذلك أفضل كثيراً.

© The Independent

المزيد من ثقافة