Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سوشيال ميديا" للأطفال... مهمة صعبة وليست مستحيلة

الرقابة الأبوية لم تعد كافية بعد تحذير إيلون ماسك من خطورة مواقع التواصل ومشكلة الربح والأمن السيبراني أبرز تحديات الفكرة

كثير من الدراسات العلمية تحدثت عن التأثير السلبي لوجود الأطفال والمراهقين على مواقع الـ"سوشيال ميديا" المختلفة (أ ف ب)

ملخص

بات النقاش حول أهمية إنشاء منصة تواصل اجتماعي تمثل بيئة آمنة للأطفال ضرورياً للغاية، بعد أن حذر أباطرة التكنولوجيا أنفسهم من خطورة المواقع الحالية على الجيل الصاعد. لكن ما هو البديل الذي يمكن أن يجذب الصغار المتعلقين بتلك المنصات المبهرة بالنسبة إليهم؟

على ما يبدو فإن طباخ السم لا يتذوقه، بعكس ما يخبرنا المثل الشعبي الشهير، فمن ناحية يحرص مارك زوكربيرغ رئيس مجلس إدارة مجموعة "ميتا" على إخفاء وجوه بناته كلما نشر أية صورة أو تحديث يخصهم عبر موقع "فيسبوك"، الذي يتفوق بدوره على بقية المنصات بما يزيد على ثلاثة مليارات مستخدم، بينهم 600 ألف حساب في الأقل لأطفال تحت 13 سنة وفقاً للموظفة السابقة بالمؤسسة فرانسيس هاوجن.

من ناحية أخرى، يحذر إيلون ماسك، المهووس بكل ما هو جديد في عالم التكنولوجيا والاكتشافات ومالك موقع "إكس"، الآباء من إبقاء أبنائهم على مواقع التواصل الاجتماعي ويعتبرها "سيئة للغاية"، كما قال نصاً.

قبل ذلك كانت هناك كثير من الدراسات العلمية التي تحدثت عن التأثير السلبي لوجود الأطفال والمراهقين على مواقع الـ"سوشيال ميديا" المختلفة، بينها التوتر والعصبية والاكتئاب والتشتت وعدم التركيز وقلة جودة النوم، وكذلك تقليد العادات المزعجة والألعاب الخطرة المهددة للحياة والصحة النفسية بل وفقدان الشهية للطعام. مع ذلك يفشل الأهل عادة في إبعاد صغارهم عن هذا العالم الذي يجدونه مبهراً، حيث ينشئون حسابات باستخدام بيانات بعضها مزيف، ومحاولات الأهل في استعمال الأدوات الرقابية المتاحة لا تفلح دائماً، والنتيجة أن الصغار لا يقدرون على الاستغناء عن التعرض لمحتويات تلك المنصات، بكل ما فيها من أخطار تصل لحد الأذى البدني، حيث إنهم غير مؤهلين للتعامل مع تلك التهديدات التي لا يسلم منها الكبار الناضجين أنفسهم.

فلماذا لا تكون هناك "سوشيال ميديا" خاصة بالأطفال، طالما أن إبعادهم عن هذا العالم صعب وبحاجة إلى مهارات وتفرغ، وآليات الرقابة التي تتيحها التكنولوجيا يمكن تجاوزها بسهولة، وكذلك ما هي إمكانية تطبيق ذلك عملياً؟

عائق التمويل

تعتقد الباحثة وأستاذة الإعلام بالجامعة الأميركية بالقاهرة سلمى الغيطاني، أن هناك سمات كثيرة ينبغي أن تتوافر في تطبيق من هذا النوع، ولعل أبرزها أن يراعي سمات المراحل العمرية الصغيرة، ويلتزم بأخلاقيات التعامل مع الأطفال في عدم بث محتوى إعلاني، لأن كود الإعلانات يقتضي عدم عرض المنتجات على فئة لا تجيد التمييز بين الجيد والسيئ، وتنجذب سريعاً لأي عرض مبهر حتى لو كان خادعاً ويشكل مضيعة للموارد، لأن تطورهم العقلي لا يسمح بالانتقائية في هذا الشأن. مشيرة إلى ضرورة عدم تضمين مادة إعلانية أو أي محتوى مدفوع الأجر، بالتالي فالسؤال الذي يمثل تحدياً هو إلى أي مدى سوف يستمر نموذج غير هادف للربح بهذا الشكل، وما هي آلية تمويله ليحقق الانتشار والصمود؟

 

 

حديث قطب المال والأعمال إيلون ماسك (52 سنة) ومؤسس شركة تيسلا، كان أكثر صراحة من أي وقت مضى، حيث ظهر في فيديو مصور وهو يحذر بشكل مباشر من تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي على النشء، وهو أمر بدا في نظر البعض غريباً، نظراً لكونه واحداً من أباطرة التكنولوجيا والمفترض به أن يروج لاستخدامها على أوسع نطاق، إلا أنه أقر بشكل واضح أن هناك منافسة شديدة بين برامج الذكاء الاصطناعي التي تستند إليها وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف إلى زيادة الدوبامين إلى أقصى حد لتجعل أصحاب الحسابات يتعلقون بها.

والدوبامين ينسب له البعض قدرته على بث شعور الفرح، ويبدو كأنه مكافأة تعزز الشعور بالرضا، ولهذا يطلق عليه هرمون السعادة، حيث أن كثرة استهلاكه تؤدي إلى ما يشبه الإدمان الرقمي، وعلى ما يبدو فإن تصريحات إيلون ماسك الذي حرص على توثيقها عبر حسابه بموقع "إكس" الذي يتابعه عليه ما يقرب من 187 مليوناً، جاءت تمهيداً لما أعلنته منصة "إكس" بعدها بأيام، حيث تم تحديث إرشادات استخدام الموقع، والإعلان عن أنه سوف يسمح بنشر المحتوى الإباحي بشكل رسمي. ومن المعروف أنه لم يكن يمنع المحتوى الذي يحمل طابعاً جنسياً، ولكن كانت هناك بعض المحاذير، كذلك أن الأمر لم يكن قد تم التطرق له رسمياً عبر اشتراطات التواجد على الموقع. ووفقاً للتحديث الأخير أصبح بإمكان رواد موقع "إكس" إنشاء وعرض المحتوى الجنسي عبر المنصة، مع التشديد على أن تلك المنتجات لن تظهر أمام الأطفال أو أي شخص لا يرغب في إظهارها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 لكن مهما كانت الرقابة الأبوية صارمة، ففي ظل وجود الهواتف في أيدي الأطفال لا يمكن السيطرة على ما يتصفحونه، بخاصة في ظل تطوير الطرق التي يمكن من خلالها تجاوز كل ما هو محجوب، وأن كثيراً من النشطاء المعلقين أبدوا قلقهم من تحول موقع "إكس" إلى ما يشبه المنصة الرسمية لتبادل واستعراض المحتوى الإباحي الذي كان يتم تداوله سراً أو عبر مواقع الـ"دارك ويب" أو الويب العميق. كذلك من بين التساؤلات ما هو سقف إباحية موقع "إكس"، فهل من الممكن أن تتضمن مستقبلاً عنفاً على سبيل المثال، أو مشاهد صادمة لا تعرض عادة إلا عبر مواقع أخرى غير مفتوحة بعكس موقع التغريدات الشهير الذي يستخدمه أكثر من 300 مليون مستخدم، والبعض كان يعتبره منصة تحمل شيئاً من الأمان والرقابة، وأنه وسيلة أساسية لدى كثيرين لمتابعة الأخبار وتبادل الآراء بشكل أساسي، وبينهم أطفال ومراهقون بطبيعة الحال.

معضلة أخلاقية

كل المؤشرات والملاحظات تؤكد أنه لم يعد متاحاً إبعاد الصغار عن الـ"سوشيال ميديا"، فهناك بعض المدارس تحرص على أن يقدم الأطفال فروضهم المدرسية عن طريق بعض التطبيقات على الهواتف الذكية، بخلاف أنه في المرحلة الثانوية يتسلم التلاميذ في مصر على سبيل المثال جهازاً لوحياً للمساعدة في التحصيل الدراسي، وأن تبادل بعض الدروس وأيضاً التواصل بين الطلبة والمدرسين يتم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. ووفقاً لاستبيان نشر على موقع "مايو كلينك" فإنه في عام 2022 أقر 35 في المئة من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و17 سنة ممن شملهم البحث، بأنهم يستخدمون واحدة في الأقل من وسائل التواصل الاجتماعي مرات عدة يومياً وربما أكثر.

 

 

وفي السياق نفسه، يرتبط الأطفال في هذا العمر بمنصات بعينها مثل "تيك توك" على سبيل المثال، في حين أن تلك المواقع أصبحت ضمن الروتين الطبيعي للبالغين، بالتالي فالتحدى الكبير هنا يتمثل في أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً أساسياً من أسلوب حياة المستخدمين، بحسب ما يعلق فتحي شمس الدين أستاذ الإعلام الرقمي، لافتاً إلى أن تلك المنصات هي في صميم التعاملات اليومية، سواء بسبب اللجوء إليها في تبادل رسائل التواصل ومكالمات الفيديو أو استخدامها في عمليات البيع والشراء، أو تبادل الأفكار والآراء وتشكيل الوعي، بالتالي فهي شيء لا يمكن الاستغناء عنه بخاصة لشريحة الشباب والمراهقين.

وبحسب الأكاديمي المتخصص في الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي، "هناك ضرورة بالفعل لوجود شبكات مخصصة للأطفال للسيطرة على نوعية المحتوى الذي يتعرضون له، لكن إذا كانت تلك الشبكات أيضاً ستأتينا من الغرب فربما يجعلونها منصات لمحتويات لا تتناسب مع ثقافتنا، لأن نسقهم القيمي مختلف تماماً، فمن يضمن ألا تروج للمثلية على سبيل المثال وتدعم توجهاتها؟ لكن إذا كانت هناك شبكات تواصل عربية فستراعي بالطبع العادات الملائمة للمجتمع، وستكون شيئاً إيجابياً للغاية".

وأشار أستاذ الإعلام الذي قدم بحوثاً ودراسات عدة حول تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي، أنه حتى "تيك توك"، الذي هو موقع صيني بالأساس، يتضمن محتويات غير لائقة على رغم أنه الأكثر انتشاراً بين الفئة الأصغر عمراً.

رقابة غير محكمة

انتشار "تيك توك" كمنصة مرغوبة بين الجيل الصاعد، أثبت خطورته بشكل عملي عبر أكثر من قضية في الفترة الأخيرة، حيث انشغل الرأي العام على مدار الأسابيع الماضية بمتابعة تفكيك الشبكة التي تستغل الأطفال وتستدرجهم في أعمال منافية للآداب عن طريق الموقع الذي يحظى بشعبية بين تلك الفئة. مع ذلك لم يعد السؤال هل يجب السماح للأطفال بإنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي أم لا، بل كيف يمكن حمايتهم. وهي الفكرة التي تتفق معها المحاضرة بقسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأميركية بالقاهرة، مؤكدة أنه تم تجاوز فكرة التواجد من عدمه بالطبع بالنسبة إلى الأطفال، ومنوهة في الوقت نفسه إلى أن دائرة الرقابة يجب أن تكون محكمة، فالاشتراطات التي تضعها التطبيقات نفسها ينبغي أن يتابعها الأبوان بطريقة صارمة.

كذلك شككت مع ذلك في تحقيق الجدوى الكاملة لهذا النوع من الرقابة، موضحة أن "أدوات الرقابة على الأطفال يتم التلاعب بها حتماً، ومن السهل على الصغار أن يتحايلوا عليها بابتكار تاريخ ميلاد يسمح لهم بإنشاء حسابات، بالتالي مدى التحكم في المحتوى الذي يتعرضون له يعود لدرجة وعيهم وكذلك درجة وعي عائلاتهم، حيث يجب أن يكونوا متيقيظين تماماً ولديهم القدرة على المتابعة، لتقليل الضرر في الأقل، لأن منعه بشكل كامل صعب للغاية".
 

 

خطورة الارتباط بمواقع التواصل الاجتماعي على من هم تحت سن العشرين أمر أثبتته عديد من الدراسات، من بينها دراسة أجراها باحثون من جامعة "كامبريدج" البريطانية قبل عامين، حيث ركزت على حال عدم الرضا التي تصيب الأطفال والمراهقين جراء استخدام الـ"سوشيال ميديا"، ومن ضمن ما توصلت إليه أن هناك رابطاً سلبياً بين التواجد على مواقع مثل "تويتر" و"إنستغرام" وغيرها، وحال عدم الرضا عن الحياة لدى الفتيات والأولاد من عمر 11 الى 15 سنة، حيث تتأثر صحتهم النفسية بشكل ملحوظ بخاصة في مرحلة البلوغ، بخلاف ذلك فالإثباتات العملية توضح أن من ضمن الآثار الجانبية كذلك التعرض للتنمر، والوقوع فريسة للمترصدين، والتشتيت والإلهاء عن التحصيل الدراسي، وتبني معلومات مضللة.

مع ذلك إذا قام الآباء بمسؤولياتهم ونجحوا في إبقاء أبنائهم آمنين على الـ"سوشيال ميديا" بالتحكم في دائرة أصدقائهم، فإن التجربة قد تصبح إيجابية ومفيدة، فبحسب ما جاء على موقع "مايو كلينك" يمكن من خلال تلك المنصات للمراهقين استعراض مواهبهم وهوياتهم ومشاركة اهتماماتهم مع مجموعات متوافقة معهم، وكذلك الحصول على الدعم في بعض المواقف واكتساب القدرة على التعبير عن النفس وتعزيز الثقة بالذات.

تجارب محدودة

على رغم أنه يمكن استغلال هذه المنصات في تحقيق الفوائد على النشء، لا تزال الأخطار تتفوق، وفي المقابل تبقى محاولات تأسيس مجتمع "سوشيال ميديا" آمن ومراقب للأطفال على نطاق ضيق للغاية. وتقول أستاذة الإعلام سلمى الغيطاني إن تلك التجارب أغلبها اقتصر على مجموعة محددة من المدارس التي استحدثت تطبيقات شبيهة ولكنها محدودة الانتشار وتقتصر على الطلاب المنتسبين إليها فقط، حيث يشاركون فيها أنشطتهم وقراءاتهم وآراءهم حول المنهج والمادة العلمية في بيئة يتم التحكم بها وتدار من قبل القائمين على العملية التعليمية.

 

 

وتعتقد الغيطاني أنه حتى الآن تواجه فكرة إنشاء منصة "سوشيال ميديا" احترافية عامة تصلح للأطفال وتمثل مصدراً آمناً لهم بتحديات كثيرة، مؤكدة أن القائمين على منصات التواصل بشكل عام يهدفون إلى الربح في المقام الأول، بالتالي يحاولون جذب الجمهور بكافة فئاته للمكوث عليها أطول وقت ممكن لاستقطاب المعلنين. كذلك فإن وسائل التواصل الاجتماعي قائمة على تشجيع فكرة المشاركة، فيما الأطفال ليست لديهم القدرة على المشاركة الدائمة لأن اهتماماتهم لا تزال محدودة مقارنة بالبالغين، وأن نطاق الموضوعات التي تهمهم وتجذبهم وتراعي معايير السلامة النفسية والعقلية الخاصة بهم ستكون قليلة جداً.

واختتمت حديثها بالتشديد على أن الخطر الأهم يتعلق بالأمن السيبراني، وكيفية الحفاظ على البيانات الخاصة من التسريب، وضمان عدم وجد مستخدمين عليها مشكوك في أمرهم مثل المرتشين والمجرمين، ومن يرغبون في استغلال هذه الفئة، وهذا بحاجة كبيرة لقدر كبير من التأمين، والدراسة قبل كل شيء.

المزيد من تحقيقات ومطولات