الشعبية المستمرة للمسلسل التلفزيوني "أصدقاء" الشهير في تسعينات القرن العشرين، يظهر مدى إحساس الشباب بالوحدة

ما زال يافعو أيامنا هذه يتوقون إلى التواصل الإنساني، لكنهم هذّه المرّة مراقبون بأكثر من كونهم مشاركون

لماذا يحرك مسلسل "فريندز" ميول "الجيل إكس"؟ (موقع بنترست)

بالأمس، تمت تسمية مسلسل "أصدقاء" ("فريندز" Friends) باعتباره برنامج التلفزيون الأكثر شعبية عند الشباب في المملكة المتحدة.

لا، لسنا في عام 1999. لقد أعطانا المسلسل عبارات مأثورة صالحة تبقى مع الزمن مثل "كُنّا في راحة" و"كيف حالك أنت؟"، كما أطلق ما لاحصر له من قصّات الشعر التي تبقى اليوم مرغوبة مثلما كان حالها قبل 20 سنة.

لكن من شملهم مسح مؤسسة "تشايلد وايز" Childwise لصالح تقريرها الأخير عن الشباب الصغار والإعلام العام، لم يكونوا قد وُلِدوا عندما بُثَّ مسلسل "أصدقاء" للمرّة الأولى. في المقابل، تم تجديد ذلك المسلسل الكوميدي ليتوافق مع الزمن الحاضر بعد إضافته إلى المحتوى الذي تبثّه شركة "نتفليكس" Netflix المتخصصة بالبث التدفقي لأشرطة الفيديو Video Streaming على الإنترنت. وأدّى ذلك دوراً محوريّاً في صنع قاعدة جماهيرية جديدة له بين الشباب المعاصر.

يمثّل "فريندز" قصة نجاح غير تقليدي في خدمة البث التدفقي. إذ رافق إطلاقه على منصة البث التدفقي، موجة من الانتقاد من جمهور مشجعيه السابقين الذين أدانوه بالذكوريّة، وكراهية التواصل الإنساني، ونكاته التي تضرب على وتر الكراهيّات المختلفة، إضافة إلى افتقاده للتنوّع وهو أمرٌ صار نادراً في التلفزة حاضراً.

بديهي أن تلك العناصر المراوغة، كانت موجودة عندما شاهده الجمهور للمرّة الأولى. وآنذاك، قوبِلَت المثليّة بضحكات تفوق بكثير ما يحصل حاضراً، وصُنّفت صفات كثيرة عند الشخصيات الأنثوية فيه كوقاحة، فيما نالت تلك الصفات ذاتها تقديراً عالياً لدى وجودها عند نظرائهم الذكور، وسيطر على المسلسل طابع يذكر بسيطرة نموذج الرجل الأبيض في حي "مانهاتن" النيويوركي. ولكن، في تسعينات القرن العشرين، نُظِرَ إلى من وَجَّهوا تلك الانتقادات ذاتها باعتبارهم متجهمي الوجه ومفتقدي روح المرح. ولحسن الحظ، لم يعد الأمر كذلك الآن.

والحقيقة أنّ المسلسل بأكمله، يدور حول المزاح المكشوف المتصل باحتمال أن تكون شخصية ما مثليّة، هو أمر غير مضحك، بل كسول وعدواني وغبي. بتنا نرى حاضراً إمكان صنع مسلسلات مضحكة ومفيدة مثل "برود سيتي" Broad City (بمعنى "المدينة الواسعة")، تكون فيه الشخصيات النسوية متملّكة ومستمتعة بنوعيّة ميولها جنسيّاً. وينطبق وصف مماثل على مسلسلات مثل "بروكلين 99" Brooklyn 99 الذي تؤدي أدوار البطولة فيه شخصيات مرحة ومثيرة للاهتمام ويحدث أن تكون مثليّة، من دون أن توضع ميولهم الجنسيّة في بؤرة التدقيق في كل حلقة من المسلسل.

على الرغم من ذلك، تبيّن أن مسلسل "فريندز" هو مادة المشاهدة المفضلة لدى الجيل الشاب الذي يشار إليه بمصطلحات مثل "جيل إكس" و"ووك"، وهو أمر غير مفهوم، إلا إذا تبيّن أن الأصغر سناً حاضراً ليسوا متمسكين بقوّة بمبادئهم، وهو الأمر الذي تم توخيه في تنشئتهم (وأنا لديّ شكوك في ذلك).

يتمثّل أحد عناصر ردّ الفعل هذه، في أن مسلسل "أصدقاء" بثّ مراراً وتكراراً في شكل مميت، خلال السنوات التي تلت زمن بثّه تلفزيونيّاً. ولوهلة ما، بدا ممكناً أن تشاهد حلقات "فريندز" في أي وقت، حتى لو يرفق لك ضمن حزمات شراء الكتب، بأثر تكرار بثّه على قنوات عدّة. وعندما باعت "القناة 4" حلقات المسلسل، بعد 16 سنة من حضورها للمرّة الأولى على شاشاتنا، تمثّل رد الفعل في مزيج متساوٍ من الارتياح واليأس.

أدّى تكرار مشاهدة مسلسل "أصدقاء" خلال سنوات طويلة، إلى تخفيف تأثيره الكوميدي، لأنه كان مسلسلاً مضحكاً في البداية. ويصعب تجاهل نجاحه في سنواته الأولى. في حقبة ما، قبل حركة "أنا أيضاً" النسويّة المناهضة للتحرش الجنسي، كان مقبولاً اجتماعيّاً (على الرغم من كونه غير صحيح أخلاقيّاً)، صنع نكات هجوميّة، وبالتالي كان ممكناً تجاوزها والاستمتاع ببقية العرض.

لذا، ربما ليس مفهوماً أنه عندما يلتقي جيل اليوم بشخصيّات مسلسل "فريندز" مثل راشيل، وجوي، وشاندلر، ومونيكا وفيوبه، للمرّة الأولى، فإنه يختار التركيز على الجانب المضحك على الرغم من أن المجتمع تخطّى مرحلة الاعتماد على النكات ضد المثليّة كذخيرة للضحك. والواقع أنه، ولو عبّر كثيرون من صغار المشاهدين عن صدمتهم لبعض ما يقال في المسلسل، إلاّ أنّ الأرقام لا تكذب: إنهم ما زالوا يشاهدونه.

كذلك أظهر تقرير "تشايلد وايز"، حقيقة صادمة أخرى في شأن شعبية مسلسل "أصدقاء" بين الأجيال الشابة: إنّه يشاهد بصورة رئيسة على شاشات الهواتف الخليوية، وفي الغالب يشاهده كلٌّ على حِدَة.

وبات معروفاً، أن الوحدة تمثّل مشكلة متصاعدة لدى الشباب، وتعطي الأرقام المتصلة بمشاهدة التلفزة دليلاً نموذجيّاً ومحزناً على تلك القضية ذاتها.

وتظهر خيارات محتوى المُشاهدَة أن الشباب ما زالوا يتوقون إلى التواصل الإنساني، لكن هذه المرّة يبدون كمشاهدين أكثر من كونهم مشاركين. لا تتغير الطبيعة الإنسانيّة، ولا زلنا جميعاً أصدقاء، لكننا بتنا أقل تأهيلاً من أي وقت مضى لتدبّر أمرنا بأنفسنا.

وبكلام عملي، لم يعد ضروريّاً الحديث مع الشخص وجهاً لوجه، بوصفه شرطاً للتواصل مع الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل وحتى للعمل، لكنه ما فتئ ضروريّاً جداً لكائنات اجتماعية مثلنا. ولن تتوقف تلك الضرورة بمجرد مشاهدة أناس على الشاشات في غمار سعيهم إلى نسج علاقات، سواء كان ذلك مع نكات سمجة وحبكات فيها كراهية البشر، أو من دونه.

ليس الأمر دعوة إلى فرض حظر على مشاهدة الشباب مسلسل "فريندز"، سواء باختيارهم أو بغير ذلك. في المقابل، يجدر بتلك الأرقام أن تعطي إشارة تنبيه مفادها أن الصغار يتوقون إلى العلاقات الاجتماعيّة، ويحتاجون إلى مساعدة في ذلك الشأن. يجدر أن يكون ذلك أولويّة للسياسيّين والأساتذة والأهل.

وإذا رغب الناس في قضاء بعض الوقت مع مسلسلات مضحكة، من الممكن لهم دوماً أن يختاروا مسلسل "يو إس أوفيس".

© The Independent

المزيد من تلفزيون وإذاعة