البعد الاستراتيجي للطاقة الإنتاجية الفائضة في الهجوم على بقيق وخريص

"ليست السعودية أكبر منتج للنفط إلا أنها أهم دولة نفطية في العالم"

قطعة من خزان متضرر في منشأة بقيق النفطية (رويترز)

تقوم السياسة النفطية السعودية على ركيزتين، الأولى هي أن المملكة مصدر آمن وموثوق لإمدادات النفط لكل أنحاء العالم، والثانية كونها منتجاً متأرجحاً يغيّر إنتاجه وفق وضع السوق لمنع التذبذبات الشديدة في الأسعار، لأن من شأنها أن تؤثر سلباً في الاقتصاد العالمي، بالتالي في الطلب على النفط في المدى الطويل. وجود هاتين الركيزتين يتطلب طاقة إنتاجية فائضة، وبذلك تصبح هذه الطاقة الإنتاجية الفائضة هدفاً استراتيجياً للسعودية.
من ناحية أخرى، ليست السعودية أكبر منتج للنفط، فهي ثالث أكبر منتج للنفط عالمياً بعد الولايات المتحدة وروسيا، إلا أنها "أهم" دولة نفطية في العالم بسبب وجود الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تمكنها من تغيير الإنتاج بحسب حاجة السوق.
سلوك المنتج المتأرجح ووجود طاقة إنتاجية فائضة مكّن المملكة من تعزيز مواقفها الدولية سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، الأمر الذي جعل الطاقة الإنتاجية الفائضة مصدراً من مصادر القوة السعودية. وليس من باب المبالغة أو من باب المدح، إذا قلنا إن الرياض وحدها قادرة على تركيع صناعة النفط العالمية إذا قررت زيادة الإنتاج وخفض الأسعار. وليس من باب المبالغة أيضاً القول إن السعودية أنقذت الاقتصاد العالمي من كوارث اقتصادية مرات عدة عندما زادت إنتاجها حين انقطعت إمدادات النفط بسبب الثورة الإيرانية، وإبان غزو العراق للكويت والحرب التي تلتها، وإثر الغزو الأميركي للعراق، ومع بدء موجة الربيع العربي. بناءً على ذلك يعتقد البعض أن الطاقة الإنتاجية الفائضة للسعودية هي "قنبلتها النووية" التي تُستخدم في "الردع" و"التفاوض" في كثير من الأحيان.

مكانة المملكة

خلاصة الأمر، أن هذه الطاقة الفائضة دعمت أهمية المملكة في العالم، وأعطتها مكانة وقوة سياسية واستراتيجية واقتصادية، بخاصة أنها الوحيدة التي تستطيع أن تحمي الاقتصاد العالمي من الذبذبات الشديدة في أسعار النفط. 
لا شك في أن دور السعودية في أسواق النفط تحكمه عوامل اقتصادية عدة، الأمر الذي يحد من دورها فيه، إذ إن حصتها السوقية ليست كبيرة كما كانت عليه "الأخوات السبع" مثلاً، (وهي شركات النفط العالمية الأميركية والأوروبية التي سيطرت على صناعة النفط قبل سيطرة الحكومات على احتياطيات النفط عن طريق التأميم أو الشراء المباشر)، وبذلك فهي لا تستطيع تثبيت الأسعار ومنع تذبذبها، إلا أنها تستطيع، وحدها، منع الذبذبات الشديدة في الأسعار أو التخفيف من حدتها إذا حدثت. 
بناءً على ما سبق، يتبيّن أن هناك هدفاً استراتيجياً للهجوم على منشأتَي "بقيق" و"خريص" النفطيتين، حيث أن الهدف ليس فقط تدمير بعض المنشآت النفطية، إنما هو إلغاء الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تدعم المركز العالمي للمملكة، بالتالي فإن هدف الهجوم على معامل "بقيق" و"خريص" تحجيم دور المملكة العالمي والتقليل من أهميتها عن طريق إلغاء الطاقة الإنتاجية الفائضة.
ما ذُكر سابقاً يفسر سبب تركيز شركة أرامكو، ليس على عودة الإمدادات فحسب، وإنما على عودة الطاقة الإنتاجية أيضاً، بالتالي الطاقة الإنتاجية الفائضة، قبل نهاية العام الحالي. فللأمر أبعاد استراتيجية عدة، تتعدى موضوع استرجاع مستويات الإنتاج السابقة.
 

رؤية مستقبلية
 

ليس مهماً أن تسترجع أرامكو إنتاجها أو طاقتها الإنتاجية وفق المخطط الذي أُعلن عنه الأسبوع الماضي لطمأنة الأسواق النفطية العالمية، والحفاظ على صدقيتها، المهم أن يكونا قريبين مما تم الإعلان عنه، فالكل يعرف أن العملية التخريبية كانت كبيرة، بالتالي لن ينتقد "أرامكو" إذا اختلفت الأرقام قليلاً أو تخطت الموعد بأيام إلا مغرض. ويدرك صناع القرار أهمية الصدقية في أسواق النفط، لذلك فإنه من المنطقي أن تكون الأرقام والفترات الزمنية التي ذكروها قريبةً من الواقع.
والحقيقة أن أسعار النفط كانت مهيأة للصعود من دون الهجوم على بقيق وخريص بسبب خفض إنتاج بعض دول "أوبك" من جهة، وانخفاض المخزون بخاصة في الولايات المتحدة من جهة أخرى. ويُتوقَع أن تستمر هذه الأمور في دعم أسعار النفط، إلا أن عوامل أخرى ترتبط بما حصل، ستدعم أسعار النفط.
المشكلة أنه خلال الأسابيع المقبلة، وحتى تعود طاقة أرامكو الإنتاجية إلى ما كانت عليه، ليس هناك أي صمام أمان في العالم إذا حصل انقطاع في إمدادات بعض الدول المنتجة، بخاصة في ليبيا ونيجيريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن الآن وحتى تعود المياه إلى مجاريها، هناك مشكلة في نوعية النفط لأن جزءاً كبيراً من النفط الخفيف والخفيف جداً تم التعويض عنه بأنواع أحمض وأثقل. وعلى الرغم من أنه يمكن حل مشكلة نقص الكميات بسرعة، إلا أن أحد تأثيرات الهجوم على بقيق وخريص، هو إحداث خلل في توازن نوعية النفط مقارنةً بما تتطلبه المصافي، والذي قد يستغرق تلافيه أشهراً عدة. وبما أن جزءاً كبيراً مما تمّت خسارته في بقيق هو من النوع الخفيف والخفيف جداً، فإن أي انقطاع في الإمدادات في ليبيا أو نيجيريا، لن يخفض الإمدادات العالمية وحسب، بل سيخلق فروقات في الأسعار لم نشهدها منذ فترة طويلة لأن غالبية الإنتاج الليبي والنيجيري من النوعية ذاتها للنفط في "بقيق" تقريباً.
كما أن انخفاض إمدادات المنتجات النفطية داخل المملكة، وقيام أرامكو بشراء منتجات من الأسواق العالمية يؤدي إلى انخفاض مخزونات هذه المنتجات، الأمر الذي يدعم أسعار النفط أيضاً.
ونظراً إلى أن أرامكو استخدمت المخزون لتأمين طلب عملائها، وقيام آخرين بالسحب من المخزون بسبب عوامل مرتبطة بالخوف أو بنوعية النفط، فإن هذا يدعم الأسعار الآن وفي الربع الأول من العام المقبل عندما ينخفض الطلب على النفط موسمياً، وتنخفض بالتالي الأسعار.

حركة الأسعار

كما يُتوقَع أن ترتفع صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام إلى أعلى مستوى لها في تاريخ الصناعة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما سيؤدي إلى انخفاض المخزون الأميركي، بمعدلات قد تكون أكبر من ذي قبل، ما من شأنه أن يدعم الأسعار أيضاً. وتعود هذه الزيادة إلى سببين، الأول هو الانتهاء من بناء أنبوبين ينقلان النفط من حقل "برميان" في غرب تكساس إلى خليج المكسيك، والثاني بسبب ما حصل في السعودية.
ويُفترض أن يكون لخفض الفائدة الأخير في الولايات المتحدة أثر إيجابي في أسعار النفط، إضافة إلى السياسات الاقتصادية التحفيزية في الصين. ولكن علينا ألا ننسى الآثار السلبية لحروب ترمب التجارية وما صاحبها من ارتفاع للدولار وانخفاض للنمو الاقتصادي العالمي، إلا أن ما يدعم ارتفاع أسعار النفط هو أن هذه العوامل محسوبة في أسعار النفط الحالية، ولكن عوامل داعمة عدة ذُكِرت أعلاه، غير محسوبة في أسعار النفط.
خلاصة الأمر أن الأهداف الاستراتيجية من الهجوم على معامل بقيق وخريص لم تتحقق، وأن أسعار النفط ستبدأ بالتعافي التدريجي بسبب آثار الهجمات من جهة، وأسباب أخرى ذُكرت أعلاه.

المزيد من آراء