القراء يمارسون الرقابة في معرض دمشق الدولي للكتاب... وإقبال ضئيل على الشراء

حضور إيراني لافت... والأنشطة الأدبية لا تلقى إقبالا

الدكتورة نجاح العطار في المعرض (سانا)

فوجئ الروائي والشاعر باسم سليمان أثناء توقيع روايته الجديدة "نوكيا" (دار دلمون) بلجنة تنظيم معرض دمشق الدولي للكتاب، وهي تبادر إلى سحب روايته من المعرض بحجة أنها "تخدش الحياء العام"! هذا الإجراء تفاقم في ظل ابتكار رقابة جديدة على عناوين الكتب من قِبل إدارة المعرض الذي حمل هذا العام شعار "الكتاب بناء للعقل"، لا سيما بعد التصريح الذي أطلقه مديره إياد مرشد: "انطلقنا هذا العام من فكرة أن يكون أي زائر للمعرض بمثابة شريك فيه، فدور القارئ في المعرض مراجعة الإدارة في حال لاحظ مضموناً سلبياً في أي كتاب موجود على الرفوف، فيُصار إلى سحبه ومنعه من التداول".

رواية سليمان الحائزة على موافقتي نشر وتداول رسميتين، لم تردعا إدارة المعرض عن سحبها مع مجموعة قصصية له بعنوان "تماماً قُبلة" تطبيقاً لرقابة القارئ، التي علّق عليها الروائي خليل صويلح بالكتابة على صفحته الشخصية في فيسبوك: "مرحباً بالقارئ الرقيب المتطوع الركن".

المعرض الذي شاركت في دورته الحالية 273 دار نشر من كل من إيران (23 داراً) ولبنان والعراق ومصر وتونس والسودان وإندونيسيا، كان قد انطلق للمرة الأولى عام 1985، ليبلغ عدد الدور المشاركة قبل الحرب الدائرة منذ أكثر من ثماني سنوات قرابة 400 دار من دول عربية وأجنبية، مما يعني أنه تراجع هذا العام إلى النصف بعد إعادة إطلاقه قبل ثلاث سنوات في ظل تدهور الوضع المعيشي وهجرة كثيرين من أصحاب دور النشر إلى خارج البلاد، إضافةً إلى ضعف القوة الشرائية في الحرب، التي علّق عليها رضا عوض، مدير "دار رؤية المصرية" بالقول: "معرض دمشق يأتي متزامناً مع افتتاح موسم المدارس في سوريا، وهذا يرتب أعباءً إضافية على عشاق الكتاب، بخاصة أن متوسط دخل المواطن السوري اليوم لا يتجاوز ستين دولاراً أميركياً، أي ما يعادل ثمن ستة كتب لدينا. شخصياً، أنحني بإجلال لمن اشترى كتباً في هذا المعرض، وهو يعلم أنه بذلك يقتطع من قوت أطفاله ليقرأ".

هيمنة اتحاد الكتّاب العرب، وتوقيع الكتب السياسية على برنامج الأنشطة الثقافية الموازية للمعرض، طغيا على مشاركة بعض الضيوف، إذ خلت قاعة المحاضرات الرئيسة في الندوة التي أقامتها إدارة المعرض للمخرج العراقي جواد الأسدي بعنوان: "جماليات السردي والبصري" إلاّ من بعض الإعلاميين والمسرحيين أصدقاء المسرحي العراقي المعروف، فيما اكتظت القاعة ذاتها في ندوة الإعلامي التونسي غسان بن جدو، رئيس مجلس إدارة قناة "الميادين". حفلات تواقيع الكتب والأمسيات الشعرية جاءت هي الأُخرى لتعبّر عن ذائقة واحدة حرصت إدارة المعرض على تكريسها في سنوات الحرب، لتقتصر في غالبيتها على أمسيات شعراء الاتحاد وكتّابه، وبمشاركة كل من محمد علي شمس الدين وغسان مطر (لبنان) و فاضل الرُبيعي (العراق)، فيما تصدّر "أبو العلاء المعري شاعراً وفيلسوفاً" شخصية المعرض الذي تراجعت نوادي القراءة عن المساهمة فيه، ليقتصر ذلك على إتاحة المشاركة لدور نشر تمارس قرصنة الكتب (دار التنوع الثقافي)، في ما يبدو أنها محاولة استيعاب لقراصنة السوق، وبأسعار شبه رمزية للزوار. وطبعاً مع الإطاحة بحقوق عشرات الناشرين والمترجمين والمؤلفين الساقطة من حسابات هؤلاء، خصوصاً ضمن دفتر الشروط للمشاركة في المعرض، بألاّ تقل نسبة الحسومات على العناوين المشاركة عن 25 في المئة، فيما بلغت حسومات الهيئة العامة السورية للكتاب حوالى 60 في المئة، واكتفى جناح اتحاد الناشرين السوريين بمبادرات خجولة، بمقايضة بعض الكتب القديمة مقابل إصدارات جديدة لاتحاد الكتّاب العرب!

ندوة حول الكتب النادرة في المعرض والمشاكل التي تعترض المخطوطات وتاريخ الطباعة العربية، كانت في جدول أنشطة المعرض الذي ضمّ جناحاً خاصاً بالمخطوطات العربية والإسلامية النادرة، والتي يبلغ إجمالي عددها في المستودعات حوالى 19 ألف مخطوطة و45 ألف عنوان، يعود جلها إلى كنوز المكتبات التراثية الكبرى في دمشق، وعلى رأسها مخطوطات المكتبة الظاهرية ومتحف الخط العربي.

اختفاء لصوص الكتب

اللافت كما يقول سعيد البرغوثي مدير "دار كنعان"، إنّ لصوص الكتب ظاهرة اختفت من معرض دمشق إلى غير رجعة في ظل قراء نسخ (البي دي أف) الإلكترونية، إذ عانى الناشر الفلسطيني من هذه الظاهرة منذ إطلاقه دار النشر في الثمانينيات من القرن الفائت، خصوصاً من جمهور المثقفين والشعراء: "اليوم صدقني إن تركنا الكتب في العراء، فلا أظن أن أحداً سيكترث لأمرها". حنين البرغوثي إلى زمن لصوص الكتب يأتي في ظل فرض الجهات الرسمية على الناشرين تقديم إحدى عشرة نسخة مجانية من أي عنوان جديد، ومن دون أي مقابل، لقاء الحصول على موافقة تداول، كان هذا العام شرطاً رئيساً لضمّ أي عنوان جديد إلى المعرض. شرطٌ أخرج عشرات العناوين من المشاركة في ما عُرف بـ "عرس الكتاب السوري"، بخاصة في سنوات الحرب، إذ طبع كثيرون من أصحاب دور النشر السورية عشرات الأعمال الأدبية والدراسات والأبحاث من دون الحصول على موافقة التداول، لكن الرقابة عادت لتشدد قبضتها مجدداً على حركة النشر السورية، ولتفتح باب المساءلة عريضاً، حاذفةً كل ما من شأنه تعكير صفو القارئ الرقيب، الابتكار الأبرز للرقابة، والسيف المسلط على أنشطة الناشر السوري، الذي ينوء اليوم تحت أعباء غلاء الورق وأجور شركات الشحن، ومن دون أي دعم يُذكر وأدى إلى انقراض الكتلة الأكبر من دور النشر الحلبية وانقراض أبرز المكتبات من أحياء المدن الكبرى، لتحلّ محلها شركات مضاربة الدولار والصرافة الدولية!

 

المزيد من ثقافة