بعد العقوبات الاقتصادية الأميركية الأخيرة... هل يصمد اقتصاد إيران؟

حصار غير مسبوق وعزل تام عن السوق الدولية... وتعطيل اتفاقية "انستكس" مع أوروبا

الرئيس الإيراني حسن روحاني مع نائبه إسحاق جاهانجيري (إلى اليمين) ومستشار السياسة الخارجية علي أكبر ولايتي (أ.ف.ب.)

في وصفه للعقوبات الاقتصادية الأخيرة التي فرضتها إدارته على إيران عقب الهجوم الإرهابي على منشآت النفط السعودية، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنها "عقوبات غير مسبوقة"، أي لم يسبق أن وصلت الولايات المتحدة في تاريخها إلى هذا الحد من فرض العقوبات على أي دولة.

ويقترب هذا الوصف من الدقة فعلا، إذ إنه بفرض العقوبات على البنك المركزي الإيراني وصندوق الثروة السيادي تصبح إيران في وضع "خنق اقتصادي كامل وعزلة عن العالم تقريبا". إذ تأتي العقوبات الأخيرة بعدما شدّدت واشنطن العقوبات تدريجيا على إيران منذ انسحابها من الاتفاق النووي بين طهران وست دول كبرى في 2015 للحدّ من النشاط النووي الإيراني مقابل رفع عقوبات دولية وأميركية وأوروبية عليها.

وما بين إعلان ترمب انسحابه من الاتفاق النووي في مايو (أيار) العام الماضي حتى أغسطس (آب) العام الماضي، أعادت الإدارة الأميركية كامل العقوبات السابقة على إيران. ومع استمرار التحدي الإيراني وعدم استجابة طهران لدعوات التفاوض على اتفاق جديد يضمن عدم تهديدها لجيرانها وتوقفها عن دعم الإرهاب والميليشيات في الدول الأخرى والحدّ من برنامجها الصاروخي صعّدت الولايات المتحدة العقوبات.

ووصل التشديد إلى فرض عقوبات على أغلب القطاعات الصناعية الإيرانية، وبالأساس قطاع النفط. وفي مايو (أيار) الماضي ألغت واشنطن الاستثناءات التي كانت منحتها لبعض الدول لاستيراد النفط الإيراني لتمنع إيران من تصدير أي نفط.

وبالفعل تكاد تكون صادرات النفط الإيرانية قد وصلت إلى الصفر (أقل من 200 ألف برميل يوميا، مقابل صادرات بلغت 2.5 مليون برميل يوميا قبل إعادة فرض العقوبات الأميركية العام الماضي).

توقف التعاملات

صحيح أن أميركا فرضت عقوبات على محافظ البنك المركزي الإيراني ومدير إدارة التعاملات الدولية في البنك في مايو (أيار) الماضي بتهمة تمويل الإرهاب لتقديمهما الدعم المالي لحزب الله اللبناني، إلا أن العقوبات الأخيرة تطال البنك نفسه.

ويعني ذلك أن القدر اليسير من تعاملات إيران الخارجية، وتحديدا النذر اليسير من السلع المسموح بها خارج نطاق العقوبات لأسباب إنسانية مثل الغذاء والدواء، سيتوقف مع تخوف أي بلد من انتهاك العقوبات والمغامرة بمنع تعاملها مع الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل هذه العقوبات الأخيرة تؤدي إلى نسف المحاولات الأوروبية للالتفاف على العقوبات الأميركية عبر تلك الآليات التي اتفقت عليها مع إيران من قبل. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي توصّلت الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران إلى اتفاق يهدف إلى تخفيف آثار إعادة فرض العقوبات الأميركية على طهران العام الماضي، مقابل أن تبقى إيران ملتزمة بالاتفاق إلى حين حلّ الأزمة مع الأميركيين.

وفي البداية كان الاتفاق يضمن آلية للتجارة مع إيران في كل شيء شرعي، بما في ذلك مبيعات النفط، وسمي وقتها "آلية بغرض خاص"، لكن في مايو (أيار) الماضي ألغت الولايات المتحدة الاستثناءات التي كانت تمنحها لاستيراد النفط الإيراني في مسعى نحو "تصفير" صادرات النفط الإيرانية، وهو ما حدث تقريبا.

لذا تغير الاتفاق إلى آلية تركز على التجارة في المواد الضرورية لإيران، مثل الأدوية والأجهزة الطبية والأغذية والمنتجات الزراعية، وهي التي كانت خارج نظام العقوبات الأميركي المشدد في ذلك الوقت، وسميت "آلية لدعم التبادل التجاري، وتختصر "انستكس". وقدّر حجم تلك التجارة بنحو 15 مليار دولار، على أن تكون خطوة أولى تتبعها خطوات أخرى طالما ظلت إيران ضمن الاتفاق النووي. لكن إيران اتخذت أكثر من خطوة للتراجع عن التزاماتها ضمن الاتفاق لأنها اعتبرت الآلية الأوروبية غير كافية وأصرّت على أن تقوم دول أوروبا بانتهاك العقوبات الأميركية في التجارة معها.

وبالطبع عارضت الولايات المتحدة آلية "انستكس" واعتبرتها التفافا أوروبيا على العقوبات الأميركية. ورغم أن الآلية الأوروبية تعتمد نظام "المقايضة"، إلا أن عمليات التصدير والاستيراد تحتاج إلى خط اعتماد في حالة إيران يأتي من البنك المركزي. والآن بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البنك لن يكون ممكنا تنفيذ تلك الآلية دون الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية، وهو ما لن تخاطر به الدول الأوروبية، مهما كان حرصها على الاتفاق النووي.

ضغط داخلي

وتهدف العقوبات الأميركية على إيران إلى دفع طهران للتوقف عن أعمالها العدائية وتهديداتها والعودة للمفاوضات حول اتفاق جديد. وحسب تقدير المسؤولين الأميركيين فإن العقوبات بدأت تؤتي أكلها في غضون عام، ومن شأن العقوبات الأخيرة أن تزيد الضغوط الداخلية على الحكومة الإيرانية.

ومع تراجع نمو الاقتصاد الإيراني، الذي كان قد بدأ يتحسن بعد الاتفاق النوي في 2015 ورفع العقوبات، يجد الإيرانيون صعوبة في مواجهة أعباء المعيشة نتيجة غلاء الأسعار وعدم توفّر السلع، وتكاد تخلو أرفف المحلات في طهران من أي منتجات مستوردة، والسلع المحلية البديلة غالية الثمن جدا.

صحيح أن الضغط الاقتصادي لم يؤدِ بعد إلى احتجاجات على الحكومة تدفعها لتغيير سياساتها الخارجية، لكن استمرار العقوبات دون أي انفراج سيؤدي إلى ذلك على الأرجح.

وحسب أرقام مركز الإحصاء الرسمي في إيران، ففي العام المنتهي في مارس (أذار)، تراجع الاقتصاد بنحو 5% (هبوط الناتج المحلي الإجمالي 4.9 في المئة). بالطبع يأتي القدر الأكبر من التراجع من قطاع الطاقة، الذي بلا شك سيدفع بالاقتصاد هبوطا أكثر هذا العام لينكمش بسالب 6 في المئة في الأقل.

وفي العام الأخير، بلغ الهبوط في قطاع النفط بنسبة 14 في المئة، وتراجع قطاع التصنيع بنسبة 6.5 في المئة، وتراجع قطاع الإنشاءات بنسبة 4.5 في المئة. أما قطاع الزراعة التي تشكّل نحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فتراجع بنسبة 1.5 في المئة، فيما لم يتغير معدل النمو في قطاع الخدمات الذي يشكل نحو 55 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي من دون القطاع النفطي.

وارتفع سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية أكثر من ثلاثة أضعاف، ما أدى إلى تدهور قيمة الدخل للأسر الإيرانية وغلاء الأسعار. ويقدر كثيرون أن معدل التضخم الحقيقي أكبر بكثير من النسبة الرسمية المعلنة عند 40 في المئة.

ورغم أن نسبة البطالة عند 10.8 في المئة (التقدير الرسمي)، فإن البعض يقدّر أن البطالة الحقيقية أعلى من ذلك. هذا على الرغم من أن معدل الأجر اليومي للعمالة غير الماهرة لا يزيد على 5 دولارات يوميا (نحو نصف كلفة العمل المماثلة في الصين التي تعد أقل أسواق العمل تكلفة).

ورغم المكابرة الإيرانية، ومحاولة القيادة تعبئة الناس بشعارات المقاومة والصمود، فإنه لن يمر وقت طويل قبل أن يرتدّ ذلك على الحكومة حين تصبح تلك الشعارات بلا معنى للجماهير في مواجهة اقتصاد منهار.

المزيد من رأي اقتصادي