السباق الرئاسي التونسي... هل تواجه البلاد مأزقا دستوريا حقيقيا؟

تساؤلات قانونية ودستورية حول إمكانية إرباك العملية الانتخابية برمتها

قد تحمل الأيام المقبلة قراراً قضائياً بإطلاق المترشح نبيل القروي صوناً للمسار الانتخابي (رويترز)

هي سابقة في تاريخ تونس وفي التّجارب المقارنة أن يُنتخب رئيس الجمهورية وهو رهن الاعتقال في السّجن ويُحرم من القيام بحملته الانتخابية والتعريف ببرنامجه الانتخابي، بينما ينظّم منافسه حملته في ظروف عادية.

هذه السّابقة أثارت تساؤلات قانونية ودستورية عدة حول إمكانية إرباك العملية الانتخابية برمتها باعتبار المترشح المارّ إلى الدور الثاني نبيل القروي ما زال يقبع في السجن.

فهل تواجه تونس مأزقاً قانونياً فعلياً في حال فاز أي من المرشّحَيْن إلى الدور الثاني قيس سعيد أو نبيل القروي؟

فوز قيس سعيد سيفتح باب الطعون

في حال فوز قيس سعيد المتحصّل على حوالى 19 في المئة من الأصوات بمنصب رئيس الجمهورية، فإنه يمكن قانونياً لمنافسه في الدور الثاني نبيل القروي المتحصّل على حوالى 16 في المئة من أصوات الناخبين أن يطعن في نتائج الانتخابات، نظراً إلى عدم تكافؤ الفرص أثناء الحملة الانتخابية بين كل المترشحين والذي ينصّ عليه القانون الانتخابي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيناريو اعتبره عضو هيئة الانتخابات عادل برينصي الأسوأ في حال تقدّم المترشّح القروي بطعن في نتيجة الانتخابات وقرّرت المحكمة الإدارية إلغاء النتيجة وإعادة الانتخابات. والمحكمة الإدارية هي محكمة دستورية قضائية أُنشئت سنة 1972، ومخوّلة قانوناً بالنظر في مسائل الطعون بشأن نتائج الانتخابات.

أستاذة القانون الدستوري سلسبيل القليبي أكدت لـ "اندبندنت عربية" أنه من حقّ أي مترشح للانتخابات الرئاسية أن يطعن في نتائجها، وبالتالي من حق المترشح القروي الطعن نظراً إلى كونه لم يقم بالحملة الانتخابية بشكل عادي مع منافسه في الدور الثاني قيس سعيد، وللمحكمة الإدارية الكلمة الفصل في هذا الشأن.

فوز القروي ومأزق الحصانة 

وفي حال انتُخِب القروي رئيساً للجمهورية، وهو قابع في السّجن، نفت القليبي أن يكون هناك مأزق قانوني في هذه الحالة، لأنه منذ لحظة الإعلان عن النتائج النهائية (بعد استكمال آجال الطعون) يصبح القروي رئيساً للجمهورية وتُعلَّق في حقه الملاحقات القضائية إلى حين انتهاء مدته الرئاسية ويؤدي اليمين الدستورية بشكل عادي في البرلمان، حسب ما ينصّ عليه الدستور.

وكان أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور صرّح في لقاء صحافي أن وجود المرشح القروي في السجن يطرح مأزقاً قانونياً حقيقياً، مشيراً إلى أن هذه الوضعية ليست لها سابقة في التاريخ ولم يتعرّض لها القانون بمختلف أشكاله. وينصّ الفصل 87 من الدستور على ما يلي: "يتمتع رئيس الجمهورية بالحصانة طيلة توليه الرئاسة وتُعلَّق في حقه كل آجال التقادم والسقوط ويمكن استئناف الإجراءات بعد انتهاء مهامه ولا يُسأل رئيس الجمهورية عن الأعمال التي قام بها في إطار أدائه مهامه".

وهناك من يقرأ هذا النصّ على أنّ رئيس الجمهورية يتمتع بالحصانة على إثر أدائه اليمين وليس على إثر الإعلان النهائي عن نتائج الانتخابات، الأمر الذي نفته القليبي، مؤكدة أنّ الإعلان النهائي عن النتائج بمثابة لحظة إعلان رسمي عن اسم رئيس الجمهورية الذي يتمتع من وقتها بالحصانة. وفي هذه الحالة، يغادر القروي الفائز بمنصب رئيس الجمهورية السجن، بعد معاينة قضائية تفيد بأنه انتُخب رسمياً رئيساً للجمهورية ويتمتع بالحصانة، عندها تُعلّق في حقه جميع الملاحقات القضائية.

الحلّ هو إطلاق سراح القروي

وجزمت القليبي أن لا مجال للحديث عن فراغ قانوني باعتبار أنّ كل الأسئلة يجيب عنها الدستور بشكل واضح، داعيةً إلى عدم إرباك المسار الانتخابي بمواصلة اعتقال المترشح القروي صوناً لصورة تونس وحفاظاً على هدوء العملية الانتخابية، ومشيرةً إلى أن الإيقاف يحصل في حالات معلومة وهي إذا كان المتهم (مع ضرورة احترام قرينة البراءة) يمثل خطراً على المجتمع أو خوفاً من مغادرته أرض الوطن، علماً أنّ حكماً بتحجير السفر صادر بحق القروي وبالتالي، يمكن إطلاق سراحه لتنظيم حملته الانتخابية، مثله مثل منافسه حتى لا يستثمر المظلومية.

من جهتها، أكدت أستاذة القانون العام حفيظة شقير لــ "اندبندنت عربية" أنه لا وجود لمأزق قانوني إزاء النتيجة المفترضة للانتخابات الرئاسية حتى الآن باعتبار أن الدستور واضح ويجيب عن كل الأسئلة، إلاّ أنّ بعض القراءات الضيقة للنص القانوني تتحدّث عن مأزق. ودعت إلى ضرورة إطلاق القروي قبل البدء بالحملة الانتخابية الرئاسية للدور الثاني، ضماناً لشفافية الانتخابات وتفادياً لأي إرباك.

الهيئة العليا المستقلة للانتخابات

وكان رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل ليفون وجّه طلباً إلى قاضي التحقيق للسماح للقروي بالقيام بحملته الانتخابية، تفادياً لمأزق عدم تكافؤ الفرص مع المرشح المنافس في الدور الثاني، إلاّ أنّ قاضي التحقيق المولج بالقضية رفض طلب الإفراج عن القروي.

وصرّح رئيس الهيئة في وقت سابق أن المجلّة الانتخابية لم تؤطر مسألة وجود مترشح في السجن وتطرقت فقط إلى حالات الانسحاب والوفاة، كما راسلت الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري قاضي التحقيق من أجل تمكين المترشح القروي من التغطية الإعلامية على حد سواء مع منافسه قيس سعيد، ضماناً لتكافؤ الفرص.

مهما اختلفت القراءات لنصّ الدستور في باب السلطة التنفيذية، إلاّ أنّ المتابعين للمسار الانتخابي في تونس يُجمعون على أنها تفتقر إلى الشروط الموضوعية، نظراً إلى الإرباك والتشنج في أوساط المترشحين سواء في الدّور الأول أو في الدّور الثاني، طالما هناك مترشح إلى الدور الثاني في السّجن. ولتفادي هذه الحالة، قد تحمل الأيام المقبلة قراراً قضائياً بإطلاق المترشح القروي صوناً للمسار الانتخابي.