في زمن معلوماتي مُسيّس... المصريون يبحثون عن الحقيقة وسط أكوام من الأكاذيب

مواقع التواصل الاجتماعي صارت مسرحاً للخداع والتزييف... والآلات الإعلامية تغني على ليلاها

تلتبس الحقيقة وسط وسائل الإعلام المقروءة والمرئيَّة والعنكبوتيَّة (أ.ف.ب)

أمضى المصريون يوم الجمعة في أوديَّة مختلفة متباينة. وادٍ خصصَ روادُه وقتَهم وجهدَهم للدفاع عن الدولة والذود عن الرئيس والتغني بقيمة الجيش وحب الوطن. ووادٍ غاص سكّانه في أغوار مواقع التواصل الاجتماعي ناسجاً ثورة عبر خيوط العنكبوت ومتخيلاً غضبة عبر ميدان التحرير، وصانعاً واقعاً قوامه تقارير قنوات ومواقع وتغريدات "ثوار" وتدوينات "مناضلين". ووادٍ عاش روادُه في أجواء ملتهبة ومشاعر منتفضة وتوقعات مشتعلة لنتيجة مباراة السوبر بين قطبي الكرة المصريَّة: الأهلي والزمالك.

وظل هناك وادٍ من نوع آخر للباحثين عن الحقيقة وسط خيوط العنكبوت البالغة التشابك وصخب الواقع المشتت بين هتافات الأهلي المنتصر، وجلسات المقاهي العامرة بروادها وخبرائها الاستراتيجيين، ومدوني "الحقيقة" كما تبدو من أقصى اليمين، و"الحقيقة" كما تظهر من أقصى اليسار.

ميدان التحرير
يسار ميدان التحرير بدا كيمينه. ورغم أن الميدان لم يكن مغلقاً، والمرور لم يكن متوقفاً، وحركة السير لم تكن ممنوعة، فإن سرد المواطنين لما يجري بميدان التحرير اختلف باختلاف توجهاتهم. فمنهم من أكد أن الميدان كان خالياً تماماً، ومنهم من جزم بأن متظاهرين كثيرين غزوا الميدان، وفريقٌ ثالث أشار إلى أن جموع محبي النادي الأهلي هم من كانوا في الميدان بغيّة الاحتفال بالفوز في المباراة، ورابع نوّه إلى أن المتظاهرين كانوا قليلين، لكن ذلك يشير إلى احتمال "حدوث ثورة جديدة"، وخامس ألمح إلى أن الفريق الرابع "فَقَدَ عقله أو جنّ جنونه"، إذ إن من يفكّر في ثورة في ظل الظروف الحاليَّة "مختلٌ لا محالة"، وسادس فاتته الإثارة برمتها، وغاص في أغوار الاستعداد لعام دراسي جديد بتفاصيله الثقيلة ومتطلباته الباهظة، وسابع اعتبرها فرصة لتجديد تأييده كنبته، والتمسُّك بها في عصر "الحقيقة" المتناقضة المحتوى والمتباينة التفاصيل.

"لم أكن يوماً من حزب الكنبة أو أتباعه، لكني اليوم الكنبة ذاتها". كلمات قليلة، لكنْ معبرة عن توجه واضح وصريح يجمع بين ملايين المصريين منذ سنوات، لكنه يزداد تمكيناً، ويكتسب مزيداً من الأتباع والمريدين.

الكلمات التي كتبتها "حنان" على "فيسبوك" جاءت في أعقاب محاولات عتيدة منها لتعرف حقيقة ما يجري في ميدان التحرير، مساء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي دعا للثورة فيه على النظام وإزاحة الرئيس "المقاول الفنان" محمد علي المقيم بإسبانيا.

وعلى الرغم من أن "المقاول الفنان" حدد توقيت الثورة بين السابعة والثامنة مساءً، وهو موعد بدء مباراة الأهلي والزمالك التي ارتقبتها الملايين، فإن ترقب الكثيرين من المصريين بدأ قبل "ساعة الثورة". إذ إن الترقب تراوح بين السخريَّة من "المقاول الفنان" ومعه "الناشط المهندس" وائل غنيم وعدد من أصحاب الفيديوهات الداعيّة إلى الثورة الذين شجعهم رواج فيديوهات "علي" و"غنيم"، والتخوّف من أن ينقلب الهزل إلى واقع، لا سيما أن بعض القنوات عاودت تغطياتها المناهضة النظام المصري، والباثة مواد تلفزيونيَّة وصفها البعض بـ"المحرضة"، وصنّفها البعض الآخر بـ"الكاذبة"، إضافة إلى التمني من قبل البعض الكاره النظام سواء من إسلاميين ما زالوا يبكون على لبن الإخوان المسكوب، أو ثوريين ومعارضين ما زالوا يبحثون عن مسار ثالث لا هو بالإسلامي ولا هو برئيس ذي خلفيَّة عسكريَّة، فقد تلوّنت "الحقيقة" بألوان التوجهات وأطياف الأمنيات ودرجات المعرفة ومصادر المعلومات.

خط التسييس
الغريب أن مصادر المعلومات دخلت على خط التسييس والأهواء، قنوات ومواقع دوليَّة ذات ثقل ومصداقيَّة بثت أخباراً ومقاطع مصورة عن "أعداد محدودة من المصريين تتظاهر، وتردد هتافات غاضبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قنوات ومواقع إقليميَّة وذات تمويلات موجهة ومسيّسة بثت أخباراً ومقاطع مصوَّرة عن "أعداد هائلة من المتظاهرين ومطالبات بإسقاط النظام". قنوات ومواقع مصريَّة محليَّة بثت أخباراً ومقاطع مصورة عن عشرات الأشخاص المأجورين الذين تجمّعوا واندسوا وسط المحتفلين بفوز الأهلي، وهتفوا وصوروا أنفسهم.

الإعلامي المصري عمرو أديب، الذي وصل اسمه إلى قائمة الترند على (تويتر) لأسباب متناقضة، أكد في حلقة تلفزيونية، أن 30 أو 40 شخصاً تجمّعوا في ميدان التحرير بعد مباراة الأهلي والزمالك، وهتفوا هتافين، وصوروا أنفسهم، و"اتلموا في دقيقتين". البعض اعتبر تغطيّة أديب تأكيداً على خلو الميدان من المتظاهرين، وطمأنة بأن محاولات إثارة الفوضى والبلبلة لم تؤتِ ثمارها.

البعض الآخر تعامل مع تغطيّة أديب على أنها دليلٌ قاطعٌ على وجود حالة من الخوف والقلق تجاه دعوات "المقاول المهندس"، وفريق ثالث -وهو الأكثريَّة- اتخذ قرارات فجائيَّة بالابتعاد عن هؤلاء وأولئك، حقناً للأعصاب، وترشيداً للصحة والوقت المهدرَين في محاولات البحث عن الحقيقة.

الإعلام الإخواني
"الحقيقة" تشير إلى أن المواقع التابعة لجماعة الإخوان المسلمين -سواء مباشرة أو بالوكالة- تعمل دون هوادة على نشر أخبار غير موثقة وبث فيديوهات بعضها قديمٌ والبعض الآخر مكررٌ، مفادها أن "إسرائيل خائفة من نجاح الثورة على الرئيس السيسي في مصر"، وأن "القائد الشعبي محمد علي (المقاول الفنان) أعاد الحراك الثوري لدى المصريين"، وأن "على المصريين المسلم والمسيحي والإخواني والليبرالي أن يضعوا أياديهم في أيادي بعضهم بعضا لتنجح الثورة يوم الجمعة. وإن لم تنجح هذه الجمعة، فعليهم بأيام الجمعة المقبلة".

الطريف أن دعوات وضع الأيادي مع بعضها بعضاً مع دسّ اسم "الإخوان" نبه كثيرين إلى التفكُّر والتدبر، لا سيما أن مثل هذه الدعوات صادرة عن مصادر متطابقة من حيث الانتماء، ومتشابهة من حيث الأهداف والأغراض. أحدهم علَّق على الدعوة الأخيرة بقوله "نعم، نضع أيادينا سوياً، ثم نُقصي الليبرالي ونفجّر المسيحي ونكفّر المسلم، ونحكم مصر مجدداً".

التجديد المفاجئ لدعوات الحراك الثوري المقبل عبر الحدود، والفيديوهات المصوّرة التي تتميز بالإثارة وتحوي المواد الخام اللازمة، حيث الخلطة السحريَّة لعمل الترند والبقاء على رأسه أياماً تلفت نظر البعض. لفْت النظر يسفر عن إما مزيد من البحث والتدقيق، وإما ميل للتوقف عن التفنيد.

الكنبة ذاتها
حنان التي قررت أن تكون الكنبة ذاتها لا مجرد عضو في حزبها تمثل الكثيرين ممن أنهكتهم السياسة وأرهقهم الجدال المزمن وأهدرت مواقع التواصل الاجتماعي وقتهم وصحتهم النفسيَّة والبدنيَّة.

وكما أن أثير العنكبوت حافلٌ بالتغريد والتدوين عن "الحقيقة" التي تتلون بألوان المغرد والمدوّن السياسيَّة والدينيَّة والاجتماعيَّة، فإن أثير الواقع لم يعد يختلف كثيراً عنه، وإذا كان عذر معيدي التغريد ومكرري الـ"شير" هو عدم التخصص في أصول البحث عن الحقيقة والتيقن مما يقال، فإن وسائل الإعلام على أنواعها وأطيافها وألوانها وأجنداتها وملكياتها وأغراضها وأهوائها وجنسياتها وقعت بدرجات متفاوتة أسيرة لـ"الحقيقة" المثارة على أثير العنكبوت باختلافها وتناقضها.

هذا الوقوع أسهم في تعميق الاستقطاب وتجذير التسييس وتسهيل الدق على أوتار الجميع بين مؤيد ومعارض، إسلامي وليبرالي، كنبويّ وثائر. فقد وجد كل ممن سبق ما يداعب أهواءه، ويدغدغ أحلامه، ويجامل انتماءاته في وسائل الإعلام التقليديَّة بأجنحتها المقروءة والمرئيَّة والعنكبوتيَّة، وهو ما أدى إلى مزيد من التباس الحقيقة.