Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العلاقات الأميركية - الإسرائيلية... أي طرف يتحكم في الآخر؟

متحكم الفعلي هو تل أبيب وليس واشنطن ويدعمها مواقف دولية ضعيفة أمام قوة عظمى

بعد تبوؤ واشنطن قمة العالم الغربي رمت إسرائيل بثقلها تدريجاً خلف هذه القوة (أ ف ب)

ملخص

يظل الوضع الراهن أن إسرائيل هي من تسيطر على خيوط العلاقة وليس العكس، من ثم فإن البحث عن خيارات أخرى في تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يقتضي تحدي الدور الأميركي ذاته

ربما لا يختلف أحد في أن حال العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تشكل نموذجاً فريداً في الشراكة الاستراتيجية والترابط الذي يبدو أحياناً مخالفاً للحسابات الرشيدة من الجانب الأميركي، وفي بدايات نشأة إسرائيل وخلال العقود الأولى سادت سرديات في العالم العربي قوامها أن هذه النشأة مرتبطة بحماية المصالح الغربية بالأساس، وأن الطرف الغربي الأقوى، الولايات المتحدة، قادر على التحكم في مسارات وقرارات الدولة الوليدة الجديدة.

وتعززت هذه السردية في ضوء بعض المحطات التاريخية خلال حرب العدوان الثلاثي (الإسرائيلي - البريطاني – الفرنسي)، ضد مصر عام 1956، عندما ارتدعت الدول الثلاث للإنذار الأميركي والروسي أيضاً للانسحاب من الأراضي المصرية، وشهدت العقود التالية أزمات أو مواقف تعزز هذه السردية بصورة أو بأخرى، ولكن في الحقيقة أن هذه العلاقات تتسم بطبيعتها، ومع تطور الدولة العبرية وفي ظل تطورات في الساحة الأميركية فإنها أصبحت حالة خاصة يصعب معها افتراض دقة هذه السردية، بل تطورت سردية معقدة في شأن طبيعة العلاقات بين الجانبين.

ملامح تفاعلات تاريخية ملتبسة

ربما يكون علينا أن نتذكر أن إسرائيل التي نشأت بقرار بريطاني تمثل في وعد بلفور، كانت علاقتها مع الانتداب البريطاني ذاته ملتبسة ومعقدة، وشهدت سنوات الهجرات اليهودية الأولى قبل إعلان الدولة تفاهمات وصدامات أيضاً، ولم تتورع العصابات الإرهابية الصهيونية عن الإقدام على عمليات ترهيب واغتيالات ضد الانتداب البريطاني ذاته الذي رعاها ولم يردعها، ولولاه ما قامت إسرائيل، وأن وتيرة تفاعلات معقدة شهدتها فلسطين بسبب هذه المواجهات المزدوجة بين الاحتلال والطرفين الفلسطيني واليهودي، وعلى رغم أن هذه التفاعلات المعقدة حملت تحديات لبريطانيا فإنه في النهاية جرى المشروع الاستيطاني تحت حمايتها وبرعايتها على رغم هذه الصدامات.

وبعد تبوؤ واشنطن قمة العالم الغربي رمت إسرائيل بثقلها تدريجاً خلف هذه القوة، مستندة إلى اعتبارات محددة داخل المجتمع الأميركي، وهي اعتبارات معروفة يتقدمها أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر جالية يهودية في العالم، كانت تفوق إسرائيل ذاتها عدداً، قبل سنوات قليلة، وأهم من هذا لوجود تيار مسيحي إنجيلي لعب تاريخياً دوراً بارزاً في تأسيس المجتمع الأميركي ويؤمن بمقولات وسرديات توراتية حول تمكين اليهود من الأراضي المقدسة كنبوءة توراتية، ولكن كل هذا لم يمنع من حدوث تفاعلات ملتبسة بين البلدين، ومن ذلك إغراق إسرائيل سفينة التجسس الأميركية "لبرتي" خلال حرب 1967، ومحاولة إعطاء البعض هذا الأمر تقديرات مبالغاً فيها، وهي قصة قديمة تفاصيلها كثيرة ليس موضعها هنا.

لكن، ربما تكون قصة الجاسوس الإسرائيلي بولارد وما سببته هذه المسألة من ضجة في الداخل الأميركي إحدى أبرز محطات توتر العلاقات بين الجانبين في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، وقد استغرقت هذه المسألة وقتاً ليس قصيراً ونالت غضباً سياسياً وإعلامياً كبيراً خلال هذه المرحلة، ثم كانت أبرز محطات المواجهة بين الجانبين خلال إدارتي الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب، ثم خلال عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، عندما سمعنا تعبير مراجعة السياسة الأميركية تجاه إسرائيل بسبب عدم تجاوب الأخيرة مع ضغوط أميركية في شأن عملية السلام، ولكن تلاشت هذه التعبيرات في السنوات الأخيرة وبدت ملامح سردية أخرى.

كيف تمكنت إسرائيل من الساحة الأميركية؟

في الحقيقة، مجرد القول إن نفوذ إسرائيل يعود إلى مكانة اللوبي اليهودي وطبيعة توجهات التيار المسيحي الإنجيلي الأميركي لا يكفي في ذاته، فلنتذكر مراحل تاريخية كانت تصدر فيها أصوات انتقادات داخل الساحة الأميركية ضد إسرائيل، وربما علينا العودة لما كتبه هنري كيسنجر عن خلفيات المداولات الأميركية الداخلية خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول)، ومحاولة بعض الأصوات في وزارات الخارجية والدفاع والاستخبارات الأميركية عمل نوع من التوازن في العلاقات بين الجانبين، العربي والإسرائيلي، وكيف نجح كيسنجر في إجهاض هذه المحاولات، خصوصاً بعد استغلال أزمة "ووترغيت" وارتباك إدارة نيكسون ومن ثم نجاح كيسنجر في السيطرة على عملية صنع القرار الأميركي في شأن الصراع العربي - الإسرائيلي.

إن ما أنتجه كيسنجر ليس ترسيخ الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل وإنقاذها من الهزيمة في هذه الحرب فحسب، بل ترسيخ فكرة سيطرة واشنطن على عملية التسوية وإدارة الصراع العربي - الإسرائيلي الذي يمثل بعدين، الأول هو ترسيخ مصالح إسرائيل، والثاني هو ترسيخ مفهوم أن واشنطن وحدها هي من يملك التأثير في إسرائيل وعدم جدوى أي جهود دولية أخرى، وعلى رأسها الأمم المتحدة بهذا الصدد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال السنوات التالية نجح اللوبي اليهودي الأميركي عبر آليات النظام السياسي الأميركي الذي يعطي السيطرة السياسية لمن يملك التمويل السياسي والسيطرة الإعلامية في إطاحة كل من يجرؤ على انتقاد إسرائيل، وكان من أشهرهم السيناتور ويليام بيرس الذي عبر عن هذه التجربة في كتابه الشهير "لقد تجرأوا على الحديث"، وكان من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ نفوذاً ومكانة، وأطيح من منصبه البرلماني، وقرابة المرحلة الزمنية نفسها دشن وزير الخارجية شولتز (عهد ريجان)، شهادته أمام مؤتمر لـ"الأيباك" بأنه نجح في ما سماه تطهير الخارجية الأميركية ممن سماهم المستعربين المؤيدين للمواقف العربية.

في الواقع، إن محطتي كيسنجر وشولتز تحديداً، يرجع إليهما كثير من التطورات اللاحقة في بنية عملية صنع القرار الأميركي، وأيضاً التحكم في بنية اللوبي اليهودي ذاته.

كي نقدر بدقة ما يحدث علينا مراجعة ما حدث خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ففي الثمانينيات كانت قيادة المجلس اليهودي العالمي الأميركي قد مالت لعملية السلام وتأييد مبادرة السادات والتوصل إلى تسوية شاملة للصراع العربي - الإسرائيلي، كما عبر كثير من القيادات اليهودية عن استيائها من السلوك الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حتى وصل الأمر إلى تعبير كثير من رموز المجتمع اليهودي الأميركي عن اعتراضهم الصريح ضد سياسات العنف الإسرائيلية، وهو ما تكرر أيضاً خلال الانتفاضة الثانية في التسعينيات.

وقد تزامن هذا مع تراجع اليسار الإسرائيلي تدريجاً وصعود اليمين القادم من هجرات روسية وأوروبية شرقية، ومن ثم أصبح من الواضح أن هذه التيارات المتطرفة في حاجة أيضاً إلى التخلص من كل الأصوات الليبرالية واليسارية والشريفة في الساحة اليهودية الأميركية ذاتها بصورة عامة، التي لا تريد ربط اليهودية بهذه العنصرية المتطرفة، ومن ثم عملت إسرائيل واليمين الأميركي على استبعاد وتهميش هذه التيارات الأميركية اليهودية المتحفظة ضد السياسات الإسرائيلية لتمهد الطريق أمام المشهد الراهن.

ترسيخ علاقة مختلة

أسفرت هذه التطورات السابقة عن ترسيخ العلاقة المختلة التي نراها، ففي الحزب الديمقراطي يميل غالب الأصوات اليهودية إلى ترسيخ نفوذ الدعم لإسرائيل قبل أي اعتبار آخر مع وجود مساحة داخل الحزب لمحاولة التأثير العكسي مثلما نراه في حالة حرب غزة الراهنة، ولكنها لا تقوى على مواجهة النفوذ المالي والسياسي للجماعة اليهودية المتطرفة.

أما رهان إسرائيل على الحزب الجمهوري فمن نوع آخر، فلا المال السياسي والإعلامي اليهودي ولا حتى الصوت اليهودي هو أهم الاعتبارات، وإنما التيار المسيحي الإنجيلي الذي لا يزال أهم قاعدة انتخابية للحزب، والذي يقود مواقف الحزب في اتجاه اليمين الإسرائيلي المتطرف ولا يقبل أي مراجعة أو ضغوط حقيقية على الطفل المدلل الإسرائيلي.

المشهد في النهاية إذاً أن المتحكم الفعلي في العلاقة هو إسرائيل وليس واشنطن، ودعم هذا أيضاً موقف عربي ودولي ضعيف أمام قوة عظمى تتراجع مكانتها، ولكن لا يستطيع أحد أن يحل محلها بعد.

مع ذلك، فإن هذا الواقع الراهن يشهد تحولات ستعتمد على عوامل عديدة أبرزها الموقف والصمود الفلسطيني ذاته وكيف سيؤثر هذا عربياً وتحولات الرأي العام الدولي وتحولات التوازنات الدولية بأكملها، وبوادر تحولات المجتمع الأميركي ذاته في ضوء احتجاجات الجامعات وما يمكن أن يؤدي إليه هذا، ومدى نجاح الحملة الإسرائيلية المتوقعة عكسياً لاحتواء تصاعد الانتقادات ضدها.

على أنه إلى أن تكتمل الصورة يظل الوضع الراهن أن إسرائيل هي من يسيطر على خيوط العلاقة، وليس العكس، ومن ثم فإن البحث عن خيارات أخرى في تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يقتضي تحدي الدور الأميركي ذاته.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل