Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسماك تونس... فريسة استنزاف الداخل وأطماع الجيران

تشكو البلاد الصيد العشوائي فيما لم تتمكن بعد من تحديد المياه الاقتصادية الخالصة لقربها الشديد من إيطاليا

ملخص

سجل مخزون الثروة السمكية نقصاً يضاهي 60 في المئة مقارنة بعام 2023 مما أدى إلى ارتفاع الأسعار 30 في المئة

أضحت تأثيرات التغيرات المناخية واضحة وملموسة على الثروة السمكية في تونس، وسجل قطاع الصيد البحري تداعيات مباشرة على نسق الإنتاج كماً وكيفاً على نحو خطر، فيما تظل التغييرات الأكثر خطورة متمثلة في درجة حرارة مياه البحر وتوزع الأرصدة السمكية، وظهور أنواع دخيلة من الأسماك بالبحر الأبيض المتوسط تهدد الثروات التقليدية، ناهيك بتكبد خسائر على مستوى الكميات بسبب الاستنزاف جراء التجاوزات المسجلة، إضافة إلى إشكالات حدودية مع دول الجوار، وسط دعوات من متخصصين، للسلطات المعنية بأهمية وضع خطط مواجهة الظواهر الطبيعية المستجدة.

ومن بين الحلول التي انتهجتها تونس لمواجهة استنزاف المخزون السمكي نظام الراحة البيولوجية وهو توقيف نشاط الصيد وجوباً لفترة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، وبمناطق بحرية مهددة بكثافة الاستغلال أو تقلص ثرواتها البحرية، لكنها وجهت على رغم النجاح النسبي بانتقادات بسبب عدم تعميم الراحة على جميع الموانئ التونسية.

وذكر المستثمر في صيد الأعماق أشرف الهمامي أن قطاع الصيد البحري يشكو مشكلات من بينها النقص الحاد في المخزون السمكي، ويعود ذلك إلى التغيرات المناخية التي أثرت في البحر الأبيض المتوسط في العموم وعلى تونس على وجه الخصوص، وعدم احترام مواسم الصيد وفترة الراحة البيولوجية بخليج قابس (الجنوب الشرقي التونسي)، والتي تمتد كل عام من أول يوليو (تموز) إلى نهاية سبتمبر (أيلول) بالنظر إلى أهمية هذا الخليج الذي يمثل الحاضنة الثانية لجميع الأصناف السمكية بالبحر الأبيض المتوسط.

من جهة أخرى، تتعرض السواحل التونسية إلى غزو من قبل أصناف سمكية جديدة بكثافة تتسبب في اضطرابات في الصيد القاعي أو الصيد بالجر أو الصيد الساحلي على حد السواء، علاوة على تكاثر أسراب التونة الحمراء، إذ تعاني 410 مراكب صيد للسمك الأزرق في تونس التكاثر الرهيب لسمك التونة الأحمر المفترس لأسراب السردين بالبحر المتوسط والمستنزف لمخزون السمك الأزرق على امتداد السواحل التونسية.

وأضاف الهمامي، "سجل المخزون في العموم هذه السنة نقصاً يضاهي 60 في المئة مقارنة بعام 2023، وتعمق تراجع الثروة منذ سنوات من جهة الكم وحجم الأسماك أيضاً، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية بنسبة 30 في المئة، علاوة على أن تدني سعر الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية أسهم في نقص الإنتاج في صعود الأسعار بحكم خضوعه لمبدأ العرض والطلب، والتضخم المالي الواضح".

 

وتسجل هذه التطورات في ظل الغياب الكلي للبحث العلمي الخاص بالمخزونات السمكية منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، علماً أن مشاريع مثل تحويل السمك الأزرق أقيمت على خلفية التقييم الذي وفرته البحوث العلمية في الفترة الممتدة ما بين عامي 2007 و2009 خلافاً للفترة الحالية التي يغيب عنها التقييم، وبررت سلطة الإشراف توقف البحث العلمي بالعطل الذي أصاب المركب المعد للبحث (الهبة اليابانية).

راحة بيولوجية لـ160 مركباً

يرى الهمامي القرار الذي اتخذته السلطة عام 2024 بخصوص إعادة توزيع حصص صيد التونة الحمراء "ثورياً" بعد إيقاف إسناد تراخيص التونة الحمراء، ثم إعادة توزيعها بمعايير أكثر شفافية وحيادية وعدالة، بعد أن عجزت جميع الحكومات السابقة عن التطرق إلى هذا الموضوع.

وبخصوص تمويل "صندوق الراحة البيولوجية" (المخصص لصرف التعويضات في فترة الراحة)، قال الهمامي إن الراحة البيولوجية ظلت حبيسة خليج قابس منذ عام 2009 من دون مبرر لعدم تعميمها، إذ ينتفع بها 160 مركباً للصيد بالجر فحسب، ويدافعون بشراسة عن تفردهم بذلك، والحال أن جميع السواحل التونسية وموانئها تحتاج إلى التمتع بالراحة البيولوجية التي يتحتم تعميمها على جميع المناطق من دون استثناء.

الحدود الشائكة

يشترط لنجاح الراحة البيولوجية في تونس وفق أشرف الهمامي، وتحولها إلى حل بناء ومثمر توقيع اتفاق مع مراكب الصيد الإيطالية التي تزاحم المراكب التونسية في مناطق الصيد المشتركة التي تمتد من الحدود الجزائرية إلى الحدود الليبية، إذ يتشارك الطرفان المناطق نفسها في أنواع الصيد الثلاثة الصيد بالجر والصيد بالأضواء والصيد الساحلي، ويشمل ذلك أهم أنواع الأسماك مما يحتم إبرام اتفاق مع الطرف الإيطالي في هذا الشأن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم تتمكن تونس من تحديد المياه الاقتصادية الخالصة لقربها الشديد من إيطاليا، فالحدود التونسية البحرية في أقصى المنطقة الشرقية الشمالية وهي "قليبية" تحديداً تبعد عن جزيرة "بنتا لاريا" الإيطالية 38 ميلاً بحرياً فقط، علماً أن المياه الإقليمية تساوي 12 ميلاً بحرياً لتونس ومثلها للجانب الإيطالي، أما الـ14 ميلاً بحرياً المتبقية فلا تتوفر فيها شروط التحول إلى مياه اقتصادية خالصة سواء لإيطاليا أو تونس، ويتحتم التباحث في هذا الشأن لعقد اتفاق بين الدولتين بخصوص هذا الإشكال، بحسب رأي الهمامي.

من جهة أخرى، يشكو البحارة في تونس من منع الجانب الجزائري عمل المراكب التونسية على امتداد 52 ميلاً بحرياً على حدوده بينما تحدد تونس 12 ميلاً فقط، وتلتزم تطبيق القانون البحري العالمي بحذافيره.

 

وطالب الهمامي بانتهاج مبدأ المعاملة بالمثل قائلاً، "بخصوص الإخوة الجزائريين والليبيين، يشكو بحارة الجنوب التونسي التعسف الليبي في تطبيق ما يعتبره الأشقاء حماية سواحلهم، وفي المقابل تمتد السواحل التونسية على 1350 كيلومتراً يجب حمايتها وتطبيق المعاملة بالمثل مع الجانبين الجزائري والليبي، أو توقيع اتفاق في هذا الإطار يخول للجميع العمل جنباً إلى جنب".

أما الحل وفق الهمامي، فيتمثل في تطبيق الراحة البيولوجية بالاتفاق مع الجانبين الجزائري والليبي، ونقل الخبرات والكفاءات التونسية إلى هذين البلدين مما يخول خلق قطاع موحد حري بمنافسة الجار الأوروبي على مستوى الكميات التي تحتاج إليها بلدان الاتحاد الأوروبي كماً وكيفاً.

150 ألف طن من الإنتاج

ويبلغ إنتاج القطاع 150 ألف طن سنوياً، منها 50 ألف طن من السمك الأزرق عبر 13 ألفاً و500 مركب تمثل مراكب الصيد الساحلي، 90 في المئة منها تنشط في 41 ميناءً تمتد على طول السواحل التونسية المترامية، فيما تبلغ عائدات صادرات منتجات الصيد البحري 870 مليون دينار (280.6 مليون دولار) وفق رئيس مصلحة وحدة الصيد البحري باتحاد الفلاحة (هيئة نقابية)، فؤاد الحشاني، وتراوح الصادرات السنوية ما بين 30 و40 ألف طن وهي ذات قيمة تجارية عالية، ويوفر القطاع 120 ألف موطن شغل لكنه يعاني استشراء ظاهرة الصيد العشوائي والتلوث البحري الذي يهدد الثروة السمكية المتناقصة، وأدى إلى ارتفاع الأسعار ثلاثة أضعافها في السوق المحلية منذ عام 2010، واختارت تونس مواجهة الظاهرة بتنفيذ الراحة البيولوجية وتمويلها بـ"صندوق الراحة البيولوجية" وموارده عبر أداءات تقدر بواحد المئة من نشاط سوق الجملة المحلية، واثنين في المئة من نشاط التصدير، وتراوح ما بين 16 مليون دينار (5.16 مليون دولار) و20 مليون دينار (6.45 مليون دولار) تصرف منها 8 ملايين دينار (2.5 مليون دولار) سنوياً للمتمتعين بالراحة.

وقال الحشاني إنها موارد كافية لتوسيع الراحة لتمتد إلى السواحل الشمالية التي تشكو استنزافاً خطراً للثروة، مشيراً إلى أن بلاده لم تحدد المنطقة الاقتصادية البحرية، منتقداً عدم احترام المراكب الأجنبية القوانين المنصوص عليها، واقترابها من المياه التونسية واستنزاف ثرواتها.

اقرأ المزيد