هتلر شخصية كوميدية في "جوجو أرنب" مع سؤال عن علاقة صورته الإنسانية مع جرائمة البربرية

تكرار ظهوره في أفلام لا تدينه، ترافقه خشية من محو حروبه ومجازره من ذاكرة الشّعوب

يقفز في الهواء ضاحكاً (في إداء للمخرج تايكا وايتيتي) على شاشة السينما. ألا يخفّف ذلك من وطأة صورته الراسخة كديكتاتور قاد العالم إلى حروب ومجازر؟ (عن تونتي سنتشري فوكس )

هتلر يعود إلى الشّاشة... من جديد. وهذه المرة في الكوميديا السّاخرة "جوجو أرنب" (Jojo Rabbit) للممثّل والمخرج النّيوزيلندي تايكا وايتيتي والتي اعتُبرت أحد أكثر الأعمال إثارةً للجدل وأثارت ضجةً كبيرة في "مهرجان تورنتو السّينمائي الدّولي" (TIFF) الأسبوع الماضي. تدور أحداث الفيلم الجديد في ألمانيا أواخر الحرب حول فتىً عصبيّ في منظمة "شباب هتلر" يسعى لشقّ طريقه في الحياة بمساعدة صديقٍ خيالي؛ وهذا الصّديق ليس سوى الفوهرر نفسه (الذي يؤدّي دوره وايتيتي). وإذ يسترجع "جوجو أرنب" زمن الرايخ الثالث في قصة بلوغ سن الرشد، يُمكن القول إنّه فيلم نازيّ بنكهة "المذكّرات السرية لأدريان مول البالغ من العمر 13¾ عاماً".

وتُجسّد سكارليت جوهانسون في الفيلم دور والدة الفتى التي تُحاول إخفاء فتاة يهودية وإبقائها بعيداً عن قبضة النازيين في الوقت الذي يُدافع فيه هتلر بشراسة عن الإبادات الجماعية التي يُمارسها بحقّ اليهود.

وممّا لا شك فيه أنّ الآراء تنقسم بشكلٍ كبير حول الفيلم (الذي سيُعرض في المملكة المتحدة لأول مرة خلال "مهرجان لندن للأفلام" (BFI) الشّهر المقبل). ففي مؤتمرٍ صحفي يسبق الحفل، وصفته المخرجة المبدعة تريشا توتل بالـ"مضحك جداً والمؤثر... الذي يتحدّى مشاعر الحقد والكراهية في أسلوبٍ ساخر"، منوهّةً بـ"تصويره السّينمائي الأكثر من رائع". أما المخرج النّجم وايتيتي، فقد اعتبره "رسالة حب إلى الأمهات". وفي مؤتمرٍ خاص له في تورنتو، برّر قراره بإعداد فيلم كوميدي عائلي آسر للقلوب في زمن هتلر ومعاداة السّامية والهولوكوست، قائلاً: "علينا أن نتذكّر دائماً ونسعى من دون كلل أو ملل للعثور على طرقٍ مبتكرة وجديدة لسرد القصة نفسها على مسامع الأطفال، فيتعلّمون منها ويمضون قدماً في حياتهم موحّدين ومحبّين لبعضهم البعض وللمستقبل."

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عارض بعض النّقاد الفيلم باستثناءٍ نادر ووصلوا إلى حدّ وصف مقاربة المخرج بـ"غير المسؤولة" و"الخاطئة".

لكن وبصرف النّظر عن مواطن القوة أو الضّعف في رواية "جوجو الأرنب"، لا نكران على أنّ الفيلم ككلّ يُسلّط بقعة ضوء على التغيير الغريب في الثقافة الشعبية عن هتلر لاسيّما في السينما، حيث تحوّل من قائد نازي إلى رمزٍ عالمي من رموز الشرّ الهزليّ والخيال والغرابة حتى (أقلّه في "جوجو أرنب"). وها نحن نشاهده الآن في شتى أنواع الأفلام، من كوميدية وعلميّة خيالية وموسيقية ودراما تاريخية جديّة ورعب. وكلّما فار فائره على الشاشة، ترسّخت صورته كشخصية كاريكاتورية شابلينية وزادت صعوبة صنّاع الأفلام أخذ صاحب القامة القصيرة والشاربين الصغيرين على محمل الجد.

ولعلّ أبرز من تألّق في تجسيد شخصية هتلر في الآونة الأخيرة وأكثرهم دقّةً هو الممثل برونو غانز في فيلم "السّقوط" (Downfall) لأوليفر هيرشبيغل عام 2004، الذي تدور أحداثه في برلين أواخر الحرب العالمية الثانية. وعلى حد تعبير مجلّة "النيويوركر"، تقمُّص غانز لشخصية هتلر حوّله إلى "إنسان منطقي ومقبول". إبان صدوره، حصد الفيلم نجاحاً هائلاً ترشّح على أثره لجائزة أوسكار. ومع ذلك، لا تزال شعبيّته مرتفعة إلى اليوم على أساس أنه محاكاة ساخرة لشخصية الديكتاتور وممارساته، ولا  تزال الفيديوهات التهكميّة والإنتقادية على يوتيوب تستشهد بمقاطع لغانز في أدائه الشهير. وما "هتلر يُحاور جاستن بيبر" و"هتلر يكتشف رحيل آرسين فينغر عن أرسنال" و"هتلر يتّصل بمركز خدمة هندي" سوى عيّنة صغيرة عن الفيديوهات التي تستعين بنوبات غضب غانز على الشّاشة على سبيل الفكاهة. وبالنّسبة إلى شخصية هتلر التي أدّاها الممثل مارتن تكي في فيلم "أوغاد منكرون" (Inglorious Bastards) لكوينتن تارانتينو عام 2009، فلا تختلف كثيراً عن سابقتها، إذ تُجسّد بدورها الرّجل المستشيط غيظاً والمندمل حقداً الذي يبدو وكأنه يتعرّض لأزمة قلبية مع كلّ نوبة غضب. "أوغاد منكرون" هو استعراض مسرحي هزليّ لا يُقيم وزناً لدوافع هتلر الذي يقتصر وجوده على التنفيس قدر الإمكان عن نيران المشاعر القوية التي يتّقد بها.

وفي غضون السنوات الأخيرة، أظهر صنّاع الأفلام هوساً مرضيّاَ بتخيّل الحياة البديلة التي كان من الممكن لهتلر أن يعيشها لو أنّه نجا من الحرب وما زال بيننا إلى اليوم. وأبرز مثل على ذلك، فيلم "أنظر من عاد" (Look Who’s Back) من إخراج ديفيد فنيندت الذي حقق نجاحاً كبيراً في شباك التذاكر الألماني عام 2015. ففي إطار هذا الفيلم، يظهر هتلر نائماً على مقعد في أحد منتزهات وسط برلين ليصحو عام 2014 والأوساخ تعلو جسده. وفيما يخرج شيئاً فشيئاً من غفوته، لا يأخذه الناس على محمل الجد. وبدل أن يُعاملوه معاملة الديكتاتور العظيم والقائد المبجّل، يُعاملونه على أنّه ممثل كوميدي محبوب – مجرد شخص آخر غريب الأطوار في مجتمعٍ لا يخلو من غريبي الأطوار. ومع محاولة الجميع التقاط صور السّيلفي معه، يترسّخ اعتقاد هتلر بأنّ العالم من حوله فقد صوابه، هو الذي تهوله رؤية أنجيلا ميركيل - تقود الشّعب الألماني - مع أنها "امرأة خرقاء وغير بارعة"، على حدّ وصفه.

وقد صدر فيلم "أنظر من عاد" بعد مرور سنوات على الفيلم الكوميدي الألماني "الفوهرر من وجهة نظري: الحقيقة المطلقة عن أدولف هتلر"  (Mein Führer: The Truly Truest Truth About Adolf Hitler)   (2007) للمخرج داني ليفاي. ويروي الفيلم قصة الزعيم الألماني الذي أُصيب باكتئابٍ حاد بعد إنتهاء الحرب، فيستدعي مدرب تمثيل يهودي مسنّ من أحد معسكرات الاعتقال لمساعدته على إلقاء خطاب غاية في الأهمية. لم يلقَ الفيلم آنذاك إعجاب المراجعين الذين لم يتوانوا عن الثورة ضدّه لخلوّه من الدّعابات اللائقة وتجسيده "المتعاطف" مع هتلر.

"لم يُرفع المحظور بعد. لا يزال هناك الكثير من الحقد والخوف في ذاكرة الشعوب. ومَن يضحك على مثل هذه الأوقات المدمرة، لا بدّ أن يظهر بمظهر السّاخر من الضحايا"، اعترف ليفاي في مقابلةٍ أُجريت معه ترويجاً للفيلم. يا لها من ملاحظة ذكية لتفسير العدائية التي واجه بها النقّاد الألمان فيلم"الفوهر من وجهة نظري"، ولو جزئياً.

وبالنّسبة إلى المخرجين ليفاي وفنيندت، فقد وُلد كلاهما بعد إنتهاء الحرب بفترةٍ طويلة، كما عانى كلاهما من القيود المفروضة من جيل ذويهما. ومع ذلك، لم يخلُ فيلماهما من السطحية. والأمر نفسه ينسحب على فيلم "ماكس" (Max) لمنو ميس (2002) الذي لعب فيه نواه تايلور دور طاغية المستقبل على أنه فنان فقير ومتشرّد في أحياء مدينة ميونيخ في مرحلة ما بعد الحرب. "عندما يقول الناس إنني أمنح هتلر صفات إنسانية، لا أعتقد أنهم يظنون ذلك فعلاً. هم يعرفون تماماً أنه لم يولد في غيمةٍ من الكبريت... وأنه كان مجرّد رجل محبط. جلّ ما فعله (الفيلم) هو تبديد الغموض الذي يُغلّف شخصيّته؛ فبعد الأساطير المتعنتة التي نُسجت حولها، كان من المهم جداً أن نُسجّل اختراقاً من أيّ نوع"، قال ميس فيما كان يُحاول تبرير المقاربة التي اعتمدها لتلاوة قصة هتلر في مرحلة الشباب.

ولمّا أقدم ميس وسواه من صنّاع الأفلام على هذه الخطوة، جازفوا بالتقليل من أهمية المعاناة الكارثية التي تسببت بها شخصيّتهم الرئيسية. فحقيقة هتلر كـ"مجرد إنسان عادي" لم تكن أبداً مهمة، لكنّها أضحت كذلك في أفلامهم التي كانت تدعو الجمهور إلى التعاطف معه وحتى الشعور بالأسف حياله. ومن خلال تعزيز الجانب الإنساني لديه، كانوا يُدمّرون صورته التقليدية، لكأنّهم يُحاولون بطريقةٍ غير مباشرة شرح سلوكيّاته وتبريرها. ولمّا قرّبوا شخصيّته من شخصية جواكيم فينيكس الشريرة في فيلم "الجوكر" (The Joker) الجديد، كانوا يُلمّحون إلى أنه ليس الملام الوحيد على أفعاله، وأنّ بيئته وتجاربه في الحياة هي التي حوّلته إلى الوحش الذي كان عليه.

وفي بعض الأفلام التي قدّمت شخصيّة هتلر في السينما، ثمة درجات متفاوتة من السخرية وهذه الدرجات هي التي مكنّت الكتاب السينمائيين من الإفلات بأفكار كانت لتبدو تافهة لولاها، كما في فيلم "السيدة ميتليماير" (Mrs Meitlemeihr) القصير للمخرج غراهام روز عام 2002. ففي إطار هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في لندن ما بعد الحرب، يُحاول هتلر (يودو كيير) المتخفّي بلباس ربة منزل الإفلات من اهتمام جارٍ يهودي يكنّ "له" المشاعر. يُمكنكم رؤية كيير مجدداً في دور هتلر، الرّجل المجنون الذي يمتطي صهوة تيرانوصور على سطح القمر في فيلم الخيال العلمي الكوميدي "السّماء الحديدية: "السّباق الوشيك" (Iron Sky: The Coming Race) لتيمو فورينسولا عام 2019.

برأي العديد من المؤرخين، تجمع قصة حياة هتلر بين الكوميديا المعاكسة والشفقة؛ وهذا أمر مفروغ منه. فهتلر كان يُشبه فعلاً شارلي شابلن – المولود في الأسبوع نفسه من ربيع العام 1889. وكان أباه قد وُلد  وكبر على أنه ألويس شيكلغروبر، لكنّه غيّر اسمه العائلي في منتصف العقد الثالث من عمره. ربما لو أورثه هذا الاسم لما كُتب لطموحاته السياسية أن ترى النور. "لقد سمعتُ بعض الألمان يتكهنون ما إذا كان من الممكن لهتلر أن يُصبح سيّد ألمانيا لو كان اسمه العائلي شيكلغروبر. هل تتخيّلون الحشود الألمانية المحمومة تهتف بصوتها الصداح: شيكلغروبر؟ يسأل الصحافي الأميركي وليام ل. شيرر في دراسة بعنوان "نهوض الرايخ الثالث وسقوطه"(The Rise and Fall of the Third Reich).

في أوائل أربعينيات القرن الماضي، سلّط صنّاع الأفلام، أمثال شابلن وإرنست لوبيتش، الضّوء على مؤهلات هتلر/ صفات شيكلغروبر وسخروا منها. لكن لمّا كان شابلن يُعدّ فيلم "الديكتاتور العظيم" (The Great Dictator) عام 1940، لم يكن على اطلاعٍ كامل بالفظائع التي اقترفها الرايخ الثالث. وكما كتب في سيرته الذاتية في وقتٍ لاحق: "لو كنتُ أعلم بالفظائع الفعلية التي ارتُكبت في معسكرات الاعتقال الألمانية، لما بادرتُ إلى صناعة فيلم "الديكتاتور العظيم" ولما كنتُ سخرتُ من الجنون الإجرامي للنازيين". أما فيلم لوبيتش الكوميدي الظريف بعنوان "أكون أو لا أكون" (To Be or Not To Be) – الذي يبدأ بمشهد نرى فيه هتلر يتسوّق مأكولات لذيذة في متاجر الأطعمة الجاهزة اليهودية في قلب مدينة وارسو عام 1939 – فقد أُنتج عام 1942، أي قبل أن تُعرف كذلك التفاصيل الكاملة للإبادات النازية.

وإن كان هتلر قادراً اليوم على الظّهور في أفلامٍ مشابهة لفيلم تايكا وايتيتي الجديد، بدور الصّديق الخيالي للبطل الصّغير، فهذا يعني بصريح العبارة أنّ حماقاته الإجرامية بدأت تُمحى من ذاكرة الشّعوب.

كثيراً ما يُقال إنّ السخرية والاستهزاء هما الطريق المثالي لتقويض نفوذ الطّغاة؛ إذ ما إن يتحوّلوا إلى محط سخرية واستخفاف من قبل شعوبهم حتى تبدأ سلطتهم بالتسرّب بعيداً عنهم. ومن هذا المنطلق، كانت ردود فعل كبار النازيين عنيفة جداً إزاء السخرية منهم. وكما يروي رودولف هيرزوغ في كتابه "مضحك جداً: الفكاهة في ألمانيا هتلر" (Humour in Hitler’s Germany) الصادر عام 2011، كان الناس في عهد الرايخ الثالث يُواجهون عقوبة الإعدام لمجرد روايتهم نكتة بريئة عن هتلر. وبالتالي فإنّ وجود الفكاهة في أفلام اليوم عن حقبة هتلر يكاد أن يُشتت انتباه الجمهور عن العنف المنهجي ومعاداة السامية اللذين مارسهما هتلر وأتباعه. فلو أراد صنّاع الأفلام منح شخصياتهم الفتية أصدقاء خياليين، لربما من الأفضل لهم أن يكتفوا بالأرانب العملاقة كذاك الذي اعتنى جيداً بجيمس ستيوارت في فيلم "هارفي" (Harvey) عام 1950 ويتركوا محبّي الصلبان المعقوفة وشأنهم.

يُذكر أنّ فيلم "جوجو أرنب" سيُعرض في "مهرجان لندن للأفلام" في الخامس من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

© The Independent

المزيد من سينما