سياسة أميركا تجاه إيران بعد الهجمات على السعودية... هذا ما تقوله مراكز الأبحاث

التدابير الدفاعية وبناء التحالفات والتنسيق الدبلوماسي أمور حيوية للتغلب على طهران

منذ الهجمات التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية في 14 سبتمبر (أيلول)، سارعت مراكز أبحاث عدة في واشنطن إلى تقديم المشورة والنصائح إلى الحكومة الأميركية. واعتبرت هذه المراكز المؤثرة في مراكز صُنع القرار، أن الهجوم على أهداف سعودية في بقيق وخريص- اللتين تُعدا من أكبر مجمعات مصافي النفط في العالم- يمثل اختباراً حاسماً، ليس لمدى الالتزام الأميركي والدولي بأمن إمدادات الطاقة العالمية فحسب، بل لقوة العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط وعلى رأسهم السعودية أيضاً. وشددت هذه المراكز والمؤسسات على أن الأمر يتطلب تعاوناً على محاور عدة من خلال ردع إيران ووكلائها في المنطقة، وتحسين التدابير الدفاعية وبناء تحالفات دولية، وتأمين إمدادات الطاقة في الخليج.

يُعَد مجلس السياسات الخارجية الأميركية أحد أهم مراكز البحث والتفكير السياسية والإستراتيجية في الولايات المتحدة، لكونه يقدم استشارات لوكالة الاستخبارات المركزية ووزارتي الدفاع والخارجية. وفي ظل الهجمات الأخيرة على السعودية، اعتبر إيان بيرمان، نائب رئيس المجلس والذي يعد أحد أبرز خبراء أمن الشرق الأوسط أن كيفية رد واشنطن على الهجمات ستكون لها انعكاسات كبيرة ومؤثرة في ما يتعلق بصدقية الرئيس دونالد ترمب والولايات المتحدة في المنطقة. وكذلك بالنسبة إلى مستقبل السياسة الأميركية تجاه طهران.

ردع إيران

وأوضح بيرمان أنه مع الهجمات الأخيرة على السعودية، بدا أن إيران استهدفت تحسين وضعها التفاوضي الذي شجعته ربما تصريحات ترمب بإمكان ترتيب لقاء مع نظيره الإيراني حسن روحاني في نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وكذلك الكشف عن خطة فرنسية بمنح إيران حداً ائتمانياً بقيمة 15 مليار دولار.

ولأن عقد هذا اللقاء أصبح مستبعداً إن لم يكن مستحيلاً، طالب نائب رئيس مجلس السياسات الخارجية، إدارة ترمب باتخاذ تغيير كبير عبر خطوات صلبة وقوية تعمل على تقويض أنشطة القوات التي تدعمها إيران في المنطقة مثل الميليشيات الحوثية في اليمن، بهدف ردع التدخلات الإقليمية للنظام الإيراني بدءاً من شن هجمات منسقة ومحددة تستهدف انهيار وتفتيت شبكة التنظيمات الوكيلة لإيران، وانتهاءً بدعم وحشد مزيد من القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

ومن شأن هذا الرد القوي- بحسب قوله- طمأنة شركاء الولايات المتحدة في المنطقة بأن واشنطن ما زالت ملتزمة بالرد على العدوان الإيراني وتأمين حلفائها.

أما الرد الباهت فسيلحق خسارة هائلة للولايات المتحدة ويُفقد الثقة في إدارة ترمب. وهو ما ينذر باتساع رقعة الصراع في المنطقة بعدما تلتقط إيران الإشارة بأن الولايات المتحدة تخشى رد فعلها.

بالتوازي مع ذلك، حذر مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى من أن عدم الرد على طهران قد يجعلها تجبر الولايات المتحدة والغرب على تخفيف العقوبات عليها في مقابل الحد من هذه الهجمات وتجميد أنشطتها النووية التي تسارعت وتيرتها في الآونة الأخيرة، لأن إيران ستعتبر أن حادثة بقيق لن تقوم سوى بتعزيز نفوذها بدلاً من قلب موازين اللعبة برمّتها. ولهذا، واشنطن مُطالبة بأن تنظر إلى الأمر على أنه فرصة لتحسين النظرة المتداولة حول سياستها تجاه إيران.

هجمات سيبرانية

بالإضافة إلى ذلك ذهب آخرون إلى المطالبة باتخاذ إجراءات تحمي مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها، حيث تملك إيران ووكلاؤها العديد من المرافق في المنطقة التي تشكل تهديداً للمصالح الأميركية ولأمن شركاء الولايات المتحدة. وقد يكون الآن هو الوقت المناسب لاتخاذ خطوات أكثر صرامةً ضد تلك الإمكانات ليدرك المتشددون الإيرانيون أن استفزازاتهم في الخليج ستُواجه بنتائج سلبية مباشرة. ويمكن أن يشمل هذا الرد برنامج عمل سري يتضمن ردوداً انتقامية سيبرانية سريعة وعمليات استخبارية مالية وأعمال تخريب وأنشطة أخرى.

تدابير دفاعية جماعية

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من إشادة خبراء الدفاع الأميركيين بقدرة السعودية على مواجهة العديد من الصواريخ، إلا أن هناك حاجة لتحسين التدابير الدفاعية، خصوصاً ما يتعلق بالمكونات اللازمة لرصد وإسقاط هجوم كثيف لصواريخ كروز من رادارات وبطاريات صواريخ ومدافع مضادة للطائرات.

وأشار تقرير لمركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى ضرورة قيام الولايات المتحدة والشركاء الآخرين بتزويد الرياض بمشورة عملية طارئة في مجال الدفاع الجوي، مع التركيز على التدابير العملية والقريبة المدى التي يمكن أن تعزز من قدرة المملكة على مقاومة هجمات صواريخ كروز الجوالة.

وتشمل هذه الإجراءات إدارة التشغيل السريع للأنظمة الدفاعية المعنية، وزيادة تبادل المعلومات الاستخبارية، وبذل جهود لبناء الثقة التي تركز على التشغيل الآمن لمعدات الدفاع الجوي شبه الآلية بالقرب من البنى التحتية والمدن الرئيسة.

وعلى إدارة الرئيس ترمب والكونغرس الأميركي التعجيل بإجراء التحديثات اللازمة لجعل أنظمة "باتريوت" السعودية متماشيةً مع معيار باك 3، وعرض تسريع بيع بطاريات دفاعية للسعودية مُصممة لمواجهة الذخائر الدقيقة التوجيه على غرار أنظمة أسلحة القتال القريب من نوع "أفنجر" و"فلانكس/ سنتوريون".

بناء التحالفات السياسية

تؤكد غالبية مراكز البحث والتفكير الأميركية الأكثر تأثيراً في العاصمة الأميركية أن لدى واشنطن كل الأسباب- إستراتيجياً ومعنوياً- للعمل مع شركائها الآخرين لإظهار وحدة الصف لمواجهة هذا الهجوم العسكري الذي تعرضت له دولة عضو في الأمم المتحدة ومُنتج رئيس للطاقة في العالم. ودعت الرياض إلى ممارسة نفوذها في العالم العربي والإسلامي، وفي العالم ككل، عبر مطالبة الدول المختلفة بردّ الجميل عبر توجيه الإدانة لإيران من خلال البيانات الدبلوماسية الثنائية، فضلاً عن دعم إجراءات الأمم المتحدة، خصوصاً أن الجلسات المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة تشكّل خير مكان لبذل مثل هذه الجهود.

وأضافت أنه إذا تمكّنت السعودية من جذب الصين وضمّها إلى صفّها، فستجد روسيا نفسها معزولة عن القضايا المتعلقة بإيران.

وطالبت هذه المراكز الإدارة الأميركية بالتعاون مع السعودية في إقناع كل من روسيا والصين لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، ولضمان أن يُصدر مجلس الأمن قراراً لا يدين سلوك إيران فحسب، بل يتخذ مزيداً من الإجراءات لتعزيز التدابير الدولية المتعلقة بتنفيذ العقوبات على طهران أيضاً، بحيث تستهدف هذه الإجراءات أنشطة تهريب الأسلحة وبرامج تطوير الصواريخ التي يقوم بها النظام الإيراني، وأن تتضمن آلية متابعة لحظر مبيعات الأسلحة الإيرانية بمجرد انتهاء صلاحية قرار مجلس الأمن رقم 2231 عام 2021.

استمرار سياسة الضغوط القصوى

على الرغم من أن ترمب وبّخ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام لأنه طالب برد عسكري لردع إيران، فضلاً عن تأكيد السيناتور الجمهوري جيمس ريتش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أن ترمب لا يريد الدخول في حرب ضد أي طرف، فإن مركز الدفاع عن الديمقراطيات، وهو أحد مراكز التفكير في واشنطن، حذر من أن إيران تريد إحراج الولايات المتحدة وإيذاءها من خلال مهاجمة المنشآت النفطية وممارسة مزيد من الابتزاز في الملف النووي عبر المضي قدماً في تخصيب اليورانيوم بوتيرة أسرع. ولهذا طالب المركز الإدارة الأميركية بعدم تخفيف سياسة الضغوط القصوى في الوقت الذي يواصل الإيرانيون تهديداتهم واستفزازاتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدلاً من ذلك، على الولايات المتحدة أن تعلن مطالب واضحة من النظام الإيراني، مع حث الوكالة الدولية للطاقة الذرية على بحث كل القضايا المتعلقة بأنشطة إيران النووية.

وإذا كانت إيران غير مهتمة بإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي، فإنها ستسعى قريباً من أجل تخفيف العقوبات عليها والحصول على تسهيلات ائتمانية على المدى القريب. ولذلك، قد تكون قابلة للتأثر بحملة ضغط دبلوماسي حاد.

تأمين إمدادات الطاقة

يشير مجلس السياسات الخارجية الأميركية إلى أهمية سعي الولايات المتحدة إلى تأسيس نظام أمن إقليمي يهدف إلى تأمين امدادات البترول العالمية، خصوصاً بعدما أدت تصرفات إيران الاستفزازية في مضيق هرمز إلى احتجاز سفن تجارية، وأنه على الإدارة الأميركية انتهاز الفرصة لطرح فكرة إنشاء آلية أمن إقليمية لتقليص قدرة إيران على التلاعب في تدفقات النفط والغاز من الشرق الأوسط، وخصوصاً بعد الخطوة الجيدة من السعودية والإمارات بالانضمام إلى هذه الجهود.

وطالب المجلس الولايات المتحدة باتخاذ تدابير لتحقيق استقرار في أسواق البترول العالمية، على الرغم من تأكيد المملكة العربية السعودية قدرتها على استعادة الإنتاج النفطي إلى مستوياته السابقة قريباً جداً.

مخاطر التخاذل

وتحذر مراكز الدراسات والتفكير الأميركية من أن تجنب إيران العواقب بعدما تجاوزت حدود استفزازاتها السابقة، قد يدفعها لاحقاً إلى الاعتقاد أنها تملك الحرية المطلقة للذهاب في تحركاتها إلى أبعد من ذلك ضد شركاء واشنطن في الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد الجيوسياسي الأوسع، ستراقب دول أخرى في العالم، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية، ردّ واشنطن، فإذا لم تكن العواقب وخيمة على إيران، سيشجع ذلك تلك الدول للتمادي وتجاوز السقف الذي تعتقد الولايات المتحدة أنه لا يمكن تجاوزه.

المزيد من دوليات