ما بعد الانتخابات الإسرائيلية... أزمات اقتصادية خانقة تلاحق رئيس الوزراء الجديد

تنامي العجز في الميزانية وخفض الضرائب ودعم المعيشة تتصدر التحديات 

ارتفع العجز بالميزانية في إسرائيل خلال العام الأخير (أ.ف.ب)

أياً كان من سيتولى منصب رئيس وزراء إسرائيل بعد الانتخابات التي جرت أخيراً سيضطر للعمل على الحد من عجز متنام في الميزانية بسرعة قبل أن يضر بالنمو الاقتصادي الذي هو متراجع بالفعل منذ العام الماضي وسط توقعات باستمرار هذا التراجع مع استمرار العجز المالي العام في الارتفاع.

فقد تزايد العجز خلال العام الأخير في ظل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية موشي كحلون الذي خفّض الضرائب، وأنفق بسخاء على دعم مستويات المعيشة وزيادات الأجور.

وثبت الاقتصاد الإسرائيلي على وضعه منذ الانتخابات غير الحاسمة التي أُجريت في أبريل (نيسان).

وعجزت حكومة تصريف الأعمال لمحدودية صلاحياتها عن تحجيم العجز المتزايد الذي بلغ ما يقرب من 4% من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الاثني عشر الأخيرة بالمقارنة مع المستوى المستهدف أصلا، وهو 2.9%.

ومن المحتمل أن تتشكل حكومة وحدة وطنية بعد انتخابات يوم الثلاثاء التي لم يفز فيها حزب واحد بالأغلبية. وقال محللون اقتصاديون إن مثل هذه الحكومة سيكون بإمكانها تخفيف الضغوط على مصروفات الدولة.

الميزانية ستكون التحدي الأول
ووفقاً لوكالة "رويترز"، قالت كارنيت فلوج التي شغلت منصب محافظ بنك إسرائيل المركزي حتى أواخر العام الماضي، إن "حكومة عريضة (القاعدة) لا يكون لأي حزب صغير فيها القدرة على انتزاع ما يريد لجماعات المصالح الخاصة تسهّل رسم السياسة للمجتمع بأسره. الميزانية ستكون التحدي الأول".

وستبقى أسئلة اقتصادية صعبة سواء واصل نتنياهو مسيرته التي حطّم بها الرقم القياسي في رئاسة الوزراء أو حل محله قائد الجيش السابق بيني غانتس ألدّ خصومه.

ولم يحقق أي حزب إسرائيلي فوزاً صريحاً في الانتخابات، لذا فإن النتيجة النهائية تعتمد على المفاوضات بشأن الائتلاف، وهي عملية طويلة ومكلفة.

وظهر وزير الدفاع السابق أفيغادور ليبرمان باعتباره صاحب الورقة التي قد ترجح الطرف الفائز، وهو يؤيد حكومة وحدة وطنية مع حزبي غانتس ونتنياهو.

وفي السابق كان نتنياهو يعتمد على الأحزاب الدينية الصغيرة التي كانت تؤيده مقابل الموافقة على طلبات معينة مثل صرف رواتب مكلفة لطلبة المدارس الدينية. وقد عززت تلك الأحزاب الدينية مراكزها في انتخابات الثلاثاء، لكنها قد تبقى خارج حكومة الوحدة الوطنية.

ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3.1% خلال العام الحالي، وما يصل إلى 3.5% في 2020. وإذا ما ترك العجز دون رادع فستزداد وطأته على معدل الدين الإسرائيلي إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي انخفض إلى 61% في 2018 من 74.6% في العام 2009.

هل تلجأ الحكومة المقبلة إلى زيادة الضرائب وخفض الرواتب؟
في وقت سابق من الشهر الحالي، حذّر عامير يارون محافظ بنك إسرائيل المركزي، من أن العجز أعلى من أن يسمح بمزيد من النمو، وأن من الضروري تخفيض الإنفاق وزيادة الضرائب.

وقالت شيرا جرينبرج كبيرة الاقتصاديين بوزارة المالية الأسبوع الماضي، "اقتصادنا لا يزال في وضع طيب لإجراء تغييرات من أجل خفض العجز، وعلينا أن ننفذها الآن".

ونصحت الحكومة الإسرائيلية بأن لا تبالغ في تدابير تقليص العجز، لأن قدرة بنك إسرائيل المركزي محدودة على المناورة في السعي إلى درء أي تباطؤ اقتصادي محتمل. ويبلغ سعر الفائدة القياسي 0.25%.

وقالت فلوج، التي تعمل الآن نائباً للرئيس بمعهد الديموقراطية في إسرائيل، "من المتوقع أن يواصل الاقتصاد النمو بما يقرب من قدراته الممكنة، وإنه يجب أن لا يزيد العجز على 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، بما يعكس تعديلات لا تقل قيمتها عن 20 مليار شيكل (5.7 مليار دولار)".

وربما يكون هذا المعدل مفرطاً في التفاؤل بالنسبة إلى وزارة المالية التي يقدر مسؤولوها العجز المستهدف في حدود 2.9% العام المقبل.

وسيكون أمام الطرف المكلف بتشكيل الحكومة فترة تصل إلى 42 يوماً لاستكمال المشاورات.

وقال اقتصاديون إن "أي عروض سخيّة خلال المفاوضات قد تنتهي بخفض عام يشمل كل القطاعات".

ما علاقة أميركا بالأزمات الاقتصادية التي تواجهها إسرائيل؟
عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، وبسبب ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي باقتصادات الدول الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، فقد تأثر اقتصاد الاحتلال بشكل كبير، إذ انسحبت تداعيات الأزمة على التجارة والصناعة والزراعة والأمن وسائر مناحي الواقع السياسي والاجتماعي، وانخفض إجمالي الصادرات الإسرائيلية بنسبة 13.4% بسبب الركود في الولايات المتحدة وأوروبا، وانخفضت صادرات الصناعة بنسبة 57.5%، والخدمات السياحية بنسبة 45.5%، وهبطت أيضاً الاستثمارات في مجمل فروع الاقتصاد بنسبة 17.8%.

وعلى الرغم من أن دراسات كثيرة حذّرت من أن تقليص موازنات وزارات مختلفة يمكن أن يؤدي إلى أضرار كثيرة في حجم الخدمات المقدمة، ويمكن أن يؤثر سلباً في جهود مكافحة هجرة الأدمغة، والترويج السياحي، ومعظم الضرر سيطال الفئات الاجتماعية الأضعف، خصوصاً أنها ترافقت مع زيادة حجم الضرائب، فإن الحكومة أقرّت التقليص، وفي الوقت نفسه زادت من ميزانية المستوطنات.

وربما تحرص الحكومة الإسرائيلية على أن تتناول وسائل الإعلام المؤشرات والقطاعات الاقتصادية بشكل إيجابي بعيداً عن الواقع الفعلي، إذ تشير بيانات مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل إلى أن متوسط الراتب الإجمالي للعاملين في إسرائيل في مارس (آذار) الماضي هو 11.140 شيكل إسرائيلي (3.100 دولار) شهرياً، أي أعلى بنسبة 3% عما كان عليه في مارس (آذار) من العام الماضي.

لكن الواقع الفعلي يؤكد أن الأرقام التي تعلنها الحكومة الإسرائيلية لا تضمن حماية للاقتصاد الإسرائيلي من الصدمات، فعلى مستوى النمو، رغم أن اقتصاد إسرائيل نما بنسبة 3.2% في 2018، لكن هذا المعدل دون المتوقع، وهو الأبطأ منذ 2015، بينما جاء هذا النمو مدفوعاً بالزيادة في الإنفاق الخاص والحكومي، وفي استثمارات الأصول الثابتة، كما أنه جاء أقل من توقعات بنك إسرائيل المركزي، التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 3.7% خلال العام 2018.

ماذا يتوقع صندوق النقد لميزانية تل أبيب؟
صندوق النقد الدولي، وفي تقرير حديث، توقع أن يصل العجز في الميزانية إلى 3.5% على الأقل هذا العام، ارتفاعاً من 3% في 2018. وطلب الصندوق من الحكومة الإسرائيلية أن تسعى وبشكل جاد إلى تقليص العجز في ميزانيتها بدءاً من عام 2020 من خلال خفض إعفاءات ضريبية وإجراءات أخرى.

وأكد الصندوق أن السياسات الحالية تشير إلى مزيدٍ من الزيادات في العجز بالأعوام المقبلة، وهو ما أكدته وكالة "فيتش سوليوشنز" للتصنيفات الائتمانية أيضاً.

وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" فقد سجَّل العجز المالي في يونيو (حزيران) الماضي 3.9% من الناتج القومي الإجمالي، بينما من المتوقع أن يرتفع هذا العجز بعد الانتخابات المقبلة المقررة في الفترات المقبلة، ما يلزم أي حكومة قادمة بإقرار تقليص حاد في موازنة الدولة، وتوصية محافظ "بنك إسرائيل" برفع الضرائب وإلغاء الإعفاءات التي أقرت سابقاً.

وربما يرتبط ارتفاع العجز المالي في الموازنة الإسرائيلية وبشكل مباشر بارتفاع المصروفات الحكومية وتراجع مداخيل الحكومة من الضرائب، وهذا يعني أن الحكومة المقبلة التي سيتم تشكيلها حتماً على أساس اتفاقيات ائتلاف مكلفة، ستضطر إلى خفض النفقات أو رفع الضرائب أو كليهما، وهو ما يعني أن الوضع الوردي الحالي للاقتصاد الإسرائيلي ربما لن يشبه مستقبله القريب.

محاولات مستمرة لتشجيع المبادرات الاقتصادية
وتحاول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تشجيع المبادرات الاقتصادية، ونجحت سياستها منذ تسعينيات القرن الماضي في تقليص تدخلها المباشر بالاقتصاد، وعليه أطلقت الدولة حملة خصخصة كبرى تمثلت ببيع المئات من الشركات الحكومية، فضلاً عن إلغائها شبه المطلق لدعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، وتحديد أحقية المقصود من تشجيعهم للاستثمارات والصادرات الخارجية.

وخلال العقد الأول من تطبيق هذه السياسة خصخص العديد من مجمعات الشركات الصغرى، واكتسبت هذه العملية زخماً في العامين الماضيين ما عاد بدخل مقداره ثلاثة مليارات دولار إثر بيع مشاريع كبرى مثل بعض المصارف وشركات "آل عال" (الخطوط الجوية الصهيونية)، و"تسيم" للإبحار و"بيزك" للاتصالات وصناعة الزيوت مطروحة على الأجندة.

كما تعتزم الحكومة الإسرائيلية تحويل بعض الخدمات التي تقدمها إلى القطاع الخاص، وفي مقابل ذلك من الصعوبة بمكان أن تصل المؤسسات الصهيونية إلى درجة خصخصة بعض فروع قطاعاتها الاقتصادية الإسرائيلية الاستراتيجية، خصوصاً تلك المرتبطة بالصناعات الحربية وصادراتها على سبيل المثال لا الحصر.

النظام المالي لإسرائيل عرضة لمخاطر كبيرة
وفي تقرير حديث، حذّر "بنك إسرائيل المركزي" من أن النظام المالي لإسرائيل عرضة لمخاطر كبيرة بسبب انخفاض عائدات السندات في الولايات المتحدة وزيادة مستويات الديون العالمية، كما توقع البنك وفقاً لتقرير الاستقرار المالي، تشديداً عاماً للبيئة المالية العالمية بسبب التخفيضات في تصنيفات جودة الائتمان، إلى جانب تحقيق المخاطر، ما سيؤدي إلى انخفاض أسعار الأصول المالية العالمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى أن إسرائيل ستتأثر بهذا الركود بسبب الارتباط الكبير بين أسواق رأس المال في إسرائيل والعالم الخارجي، الأمر الذي سينتج عنه تداعيات خطيرة على كل من أسعار الأصول المالية في إسرائيل، وكذلك الرغبة في المخاطرة المالية.

وكنتيجة للأوضاع العالمية، فقد ارتفعت مخاطر السيولة في إسرائيل بسبب المستويات المرتفعة لسندات الشركات المحتفظ بها في صناديق الاستثمار المشترك والاستثمارات السلبية، في ظل انقلاب منحنى عائد سندات الخزانة لمدة 10 سنوات في الولايات المتحدة -هذا المنحنى الذي يقيس العلاقة بين مستويات أسعار الفائدة ووقت استحقاق السندات- واستشهد به البنك أيضاً باعتباره جهةً فاعلةً رئيسةً في احتمال جلب الاضطرابات إلى النظام المالي بإسرائيل.

المزيد من اقتصاد