المخرج عروة العربي يدعو الجمهور الى الاختباء في لعبة الغميضة  

مسرحية "طميمة" تقدم صورة متداخلة عن الواقع السوري

من مسرحية "طميمة" السورية (اندبندنت عربية)

ذهب  المخرج السوري عروة العربي  إلى عنونة عرضه الجديد "طمِّيمة" (مسرح القباني)، مستعيراً التسمية الشعبية في سورية للعبة الغُميضة، مُتخذاً من نص "شادي كيوان" مادةً لقصة عن التخفي والاختباء الجماعي من الحرب لشعبٍ بأكمله، وذلك عبر شخصية "سيف" ( يزن خليل) المتواري عن الأنظار مدة سنتين بسبب استدعائه إلى الخدمة الإلزامية، حيث يقع هذا الشاب في غرام "ليلى"(مرح حسن) خطيبة صديقه "طارق" ( كفاح الخوص) الذي لاذ هو الآخر بالفرار من خدمة العَلم مهاجراً إلى ألمانيا؛ تاركاً حبيبته مثار اهتمام كلٍ من صديقيّ العُمر "سيف" و"حسام" ( كرم الشعراني).

نتعرف على القصة أكثر فأكثر مع مجيء "ليلى" إلى الغرفة المتهالكة التي يختبأ "سيف فيها بعد جلسة تصوير جمعتهما تحت زخات المطر، وليعترف هذا الأخير بحبِّه للفتاة الحسناء، مما يدفعها إلى الممانعة والرفض، فهي حبيبة صديقه، وما زالت تعقد الأمل على عودته من بلاد المنفى الأوروبي ليتزوجا ويلتم شملهما بعد غياب، لكن "سيف" يصر على صدق مشاعره نحوها، وأنها الوحيدة في حياته بعد هجران خطيبته "نايا" (مرح حجاز) له لستة أشهر متواصلة، مما يجعل "ليلى" تبوح أخيراً بانجذابها نحوه، وعناقه، والإطراء على لهفته نحوها وإحساسها بوحدته القاتلة!

في هذا المناخ الشاعري الذي يرافقه صوت هزيم الرعد وتساقط مطر غزير في الخارج، يُقرع باب الغرفة، ويظهر أن "حسام" تاجر الحرب حضر فجأةً لقضاء ليلة عند صديقه "سيف" فما يكون من الأخير بعد إلحاح الأول على الدخول والتهديد بكسر باب الغرفة إن لم يمتثل لرغبته، فيفتح "سيف" الباب، بعد أن يقوم بتخبئة "ليلى" في خزانة ملابسه. لكن مهلاً القصة لم تتوقف هنا، إذ يتوضح أن "حسام" ما هو سوى مقدمة لمفاجأة أكبر سوف نعرفها بعد قليل، وذلك بدخول "طارق" ومعه "نايا" خطيبة "سيف" وقد عاد من ألمانيا ويريد الاحتفال بعيد ميلاد خطيبها المختبئ، ومعه قالب من الحلوى، فيما يراقب الجمهور كل ذلك وهو يفكر بـ "ليلى" المختبئة في خزانة ملابس "سيف"!

هذا الأخير نراه يرفض مصالحة خطيبته، ويطردها، وتصل الأمور إلى الغضب والتوتر واعتراف "سيف" بوقوعه في حب فتاةٍ أخرى، مما يضطر الصديقين "طارق" و"حسام" للتدخل بينهما، ومن ثم العودة إلى فكرة قضائهما الليل في غرفة "سيف" ما سيعقّد الأمور أكثر، ويدفع القصة إلى مناحٍ من المفارقة والعنف، بعد حديث يدور بين الشبان الثلاثة عن عامين من افتراقهم عن بعضهم، وكيف أثرى "حسام" من شبكات تديرها مافيات الحرب والفساد، فيما عاد "طارق" إلى الديار بعد مرسوم رئاسي يقضي بإعفاء من هم دون مواليد عام 1981 من الخدمة، فيما نتعرف على ماضي شخصية "سيف" الذي يشعر الآن بالخوف والندم لعدم سفره خارج البلد، وعدم انضمامه إلى الجيش، بعد نزوحه وأهله من مدينة درعا، وذهابهم للسكن في اللاذقية.

هكذا حتى نصل إلى حديث "طارق" عن "ليلى" وأنه تزوج تحت ضغط الغربة والفاقة من فتاة ألمانية، وهي الآن حامل في الشهر السادس. خبر سوف يحرّك نقاشاً حاداً بين الأصدقاء الثلاثة، فـ "حسام" يقول لـ "طارق" بأنه تصرف ما يجب أن يقوم أي رجل في مكانه، وأن "ليلى" أيضاً تعيش حياتها من دونه، وهي تسهر وتخرج مع شبان في قصف ولهو ليليّ، مما يجعل "سيف" يتدخل وبقوة لإنكار كل ما يقوله "حسام" عن "ليلى" وأنه كاذب يحاول تشويه سمعتها، بعد أن قام بمغازلتها على الهاتف، من دون أن تكترث هذه الأخيرة لأمره.

صراع وتشابك

هنا يتفجر الصراع بين الأصدقاء، ويشتبكون بالأيدي، فيقوم "طارق" بطرد "حسام" من الغرفة، ويقوم بالاتصال هاتفياً بـ "ليلى" لتكون الطامة الكبرى حين يرن هاتف "ليلى" في المكان، فقد نسيته قبل أن تختبئ في الخزانة، فيجن جنون "طارق" ويطلب توضيحاً من "سيف" أيضاً، لكن هذا الأخير يقول له إن "ليلى" نسيت هاتفها عنده، عندما جاءت مؤخراً لتلقي دروس في التصوير، لكن "طارق" يفتح الهاتف الجوال لخطيبته، ويقوم بتصفح المحادثات على خدمة "الواتس آب" ليكتشف أن العلاقة أيضاً بينها وبين "سيف" قد تطورت إلى إرسال صور له في المنامة، وإلى محادثات حميمة بينهما، تجعل من "سيف" ثوراً هائجاً وجريحاً بخيانة حبيبته وأصدقائه له في آنٍ معاً، ليغادر المكان متعثراً بدموعه على صداقات واهية، وخيانات أصابته بالجملة من أقرب الناس إليه.

في هذه الأثناء يقوم "سيف" بفتح باب الخزانة ليفاجأ مع الجمهور بأن "ليلى" لم تعد موجودة داخل الخزانة التي تخفي خلفها مشهداً ساحراً على جبل قاسيون؛ الإطلالة التي قام بإلغائها من الغرفة، بعد أن سدَّ النافذة بالخزانة. كل هذا يحدث في جملة من المصادفات التي يلقي كل من الكاتب "كيوان" والمخرج "العربي" بها دفعةً واحدةً ومن دون تعقيد لمصادفات متتالية، ربما تكون مقبولة في الواقع، لكنها فنياً تبقى تحتمل أسئلة كثيرة عبر الواقع الفني، وخصوصاً أن منظر الغرفة التي صممها "محمد كامل" أخذت هي الأخرى حذافير الواقع، من جدران متهرئة، ومغسلة وصنبور انقطعت مياهه، إضافةً لهذا التكديس الذي وصل إلى "عفش مسرحي" كان السقف الواطئ، والباب المتهالك، والطاولة، والكرسيان، والسرير، والخزانة، وصناديق الكرتون؛ مضافاً لكل هذا إلغاء جزء كبير من إضاءة المسرح لصالح الديكور، والإبقاء تقريباً على إضاءة "مصباح اللمبة الصفراء" مما جعل المهمة صعبة على مصمم الإضاءة الفنان أدهم سفر، والذي التزم الشرط الواقعي هو الآخر، منحازاً لتعليمات مخرج "طمِّيمة" بحلول أبقت المتفرج منشداً إلى كل تفصيل من العرض على مدى ساعة وربع الساعة من الزمن.

يبقى الديكور المغرق في واقعيته على مسرح علبة إيطالية، يحتمل أن يكون في مكان بديل للعرض، أو المكان الأصلي لغرفة مُطلة على مدينة دمشق وجبلها الشهير، أو في قبو، أو على هامش حي عشوائي، وبالمقابل يمكن التعامل مع حجم المصاقبات الموجودة في النص بمعالجة أكثر دقةً، فمن غير المعقول التعويل على عنصر المباغتة الدائم لحضور الشخصيات وغيابها في العرض، من دون التعويل على تمهيدات مناسبة للمتفرج، أو محاولة تفسير وصول "طارق" في الليلة التي يعترف فيها "سيف" بحبه لـ "ليلى"، أو ليلة عيد ميلاد هذا الأول، وقرار خطيبته "نايا" بالعودة إليه في اليوم ذاته!

قراءة الحرب

ربما لم يلتفت الجمهور إلى كل هذا، لكنها قراءة تبقى في حساب مخرج مخضرم مثل عروة العربي، والذي لطالما قدم عروضاً مختلفة وضرورية في قراءة الحرب السورية، فلا ننسى عرضه "مدينة في ثلاثة فصول- 2016" عن نص "احتفال خاص لدريزدن" للراحل مصطفى الحلاج، ولا "هاملت- 2012" عن نص من إعداد رياض عصمت، وتجارب كثيرة أخرى، أثبت "العربي" انتصاره فيها لفن الخشبة.

اللافت في هذا العرض هو قدرة "العربي" على تمويه العملية الإخراجية برمتها داخل ممثليه الخمسة، والتركيز أكثر على طاقة هؤلاء، وثراء عوالمهم الداخلية في نقل القصة من مستواها المكتوب الأخرس على الورق، إلى مستوى سمعي بصري، استطاع فعلاً خطف الأنظار عن ثغرات تقنية في السيناريو، أو عن خيار فني لطبيعة الديكور، بل واللعب قدماً على لحظات صمت مُشبعة ومدروسة من جسم هذه "الطمِّيمة"؛ مرةً عبر تناولها من خلال شخصيات العرض، ومرات عبر إسقاطها بمهارة على الزلزال السوري المتفاقم، وما لحق بالإنسان في بلاده من تغذية مستمرة للرعب والخوف والذل والموت اليومي.

معادلة ليست باليسيرة اليوم على أحد لالتقاط شراذمها، وتوليفها بهذا الشكل اللافت من المعايشة المضنية من الممثل لشخصيته، والمقاربة الحارّة لواقع جزء كبير من الشباب السوري، وما جنته عليهم الكارثة من بطش وتهميش وهدر من أعمارهم، وصولاً إلى جعلهم طعاماً لأسماك المحيطات، أو أرقاماً في فاتورة لطاولة حرب لا تزال مفتوحة، وغير معنية بطرفي اللعبة الجهنمية، حيث تجسد "طمِّيمة" حالات من "الانتحار المقنّع" كما يطلق عليه علم النفس، فالغميضة هي أصلاً في أحد تفاسيرها "لعبة الحرب" للصغار، حيث تتراجع الطفولة عنها، لتبقى في العرض كنهاية رمزية، يختفي معها كل من حاول الاختباء، وليبقى من كان يعُدُّ لرفاقه وحبيبته وحيداً متروكاً لعزلة تنهشه، وتسلبه ما تبقى من شركاء تجاوزوا شروط اللعبة، مثلما تجاوز هو العدّ حتى السنة التاسعة من عمر الكارثة، ومن دون أملٍ يرجى باكتشاف مخابئ مئات الآلاف من السوريين؛ والذين آثروا هذا الاختباء المزمن عن الحياة قبل أن يكون عن الحرب وكائناتها الدموية المتوحشة!

سامر محمد إسماعيل

المزيد من ثقافة