خفض الفائدة الأميركية للمرة الثانية وسط ضبابية اقتصادية

ترمب يتهم "الاحتياطي الاتحادي" بالفشل... والبورصات تواصل ارتفاعاتها

متداولون في بورصة نيويورك للأوراق المالية يتابعون مؤتمرا صحافيا لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول (أ.ف.ب.)

للمرة الثانية في غضون شهرين، يخفّض مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة، حيث قرر أمس أن يخفضها بمقدار ربع نقطة مئوية أو 0.25% إلى نطاق من 1.75 بالمئة إلى 2.00 بالمئة، ليؤكد أن الوضع الاقتصادي في أكبر اقتصاد في العالم يحتاج إلى محفزات إضافية لمواصلة النمو.

وكان "الاحتياطي الفيدرالي" خفّض نسبة الفائدة في نهاية يوليو (تموز) الماضي للمرة الأولى منذ 2008 بربع نقطة، لتصبح بين 2% و2.25%.

وترك "الاحتياطي" الأسواق في حيرة أمس من خطواته المقبلة، حيث قال في بيانه إنه على الرغم من أن الاقتصاد الأميركي يواصل النمو بوتيرة "معتدلة" وأن سوق العمالة "ما زالت قوية" فإن تخفيض أسعار الفائدة "في ضوء آثار التطورات العالمية على التوقعات الاقتصادية وأيضا ضعف ضغوط التضخم"، كما نقلت "رويترز" أمس.

الحرب التجارية أساس التقييم

ويركز "المركزي" في سياسته النقدية وقراراته بخصوص تحديد أسعار الفائدة على الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، ومن خلفها حروب تجارية تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة ودول أوروبية وآسيوية، حيث يتخوف "المركزي"، بحسب تصريحات سابقة لرئيسه جيروم باول، من اتساع تأثير هذه الحرب على الاقتصاد الأميركي وعلى الاقتصاد العالمي.

وكان النمو الاقتصادي الأميركي تباطأ في الربع الثاني من هذه السنة، بعد أن هبطت الصادرات نتيجة الحرب الدائرة، كما انكمشت الاستثمارات للمرة الأولى منذ مطلع عام 2016. ونما الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة سنوية 2.1 بالمئة في الربع الثاني.

الأغلبية مع خفض الفائدة

وصوّت أغلبية سبعة أعضاء ضد ثلاثة في اللجنة صانعة السياسة النقدية في المجلس الاحتياطي على قرار مواصلة تخفيض أسعار فائدة الإقراض، ما يُظهر عدم وجود اتفاق جماعي على هذه الخطوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى عكس ما جرى بعد تخفيض الفائدة في نهاية يوليو (تموز)، لم تتأثر البورصات الأميركية بالقرار الجديد، حيث أغلق مؤشرا "ستاندرد آند بورز 500"، الذي يقيس أكبر 500 شركة أميركية، و"داو جونز الصناعي"، على ارتفاع طفيف، بينما انخفض مؤشر "ناسداك"، الذي يقيس الأسهم التكنولوجية، على تراجع طفيف عند 0.11%.

وكانت البورصات الأميركية هوت بشكل عنيف عقب قرار "المركزي" في نهاية يوليو، حيث اعتبر ذلك بمثابة إنذار لحملة الأسهم من أن الأوضاع الاقتصادية متجهة إلى الأسوأ، وأن دورة رفع الفائدة قد انتهت بعد أن استمرت نحو عشر سنوات من تحسن الأوضاع المالية بعد أزمة مالية عنيفة في العام 2007.

ترمب يعترض على القرار

وعلى الرغم من أنه التخفيض الثاني على التوالي للفائدة، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يحاول منذ نحو عامين الضغط على البنك المركزي الأميركي لخفض الفائدة لمنع تباطؤ الاقتصاد الأميركي، اعترض أمس على نسبة الخفض "القليلة"، قائلا إن البنك المركزي الأميركي ورئيسه جيروم باول ليس لديهما "شجاعة أو إدراك أو رؤية".

وفي تغريدة على حسابه على "تويتر"، قال ترمب بعد أقل من نصف ساعة على إعلان مجلس الاحتياطي قراره إن "جاي باول ومجلس الاحتياطي يفشلان مجددا".

الفائدة المنخفضة محفزة للاقتصاد

ويريد الرئيس الأميركي خفض الفائدة لتوازي الانخفاضات في أسواق أوروبية وللضغط على الدولار القوي، حيث يعتقد ترمب أن الفائدة المرتفعة تقلّص حظوظ الشركات الأميركية في الاقتراض وتطوير أعمالها وتوسعاتها، في وقت يمنع الدولار القوي من منافسة البضائع والسلع الأميركية في الأسواق العالمية، خصوصا في التجارة مع الصين، حيث تعمل بكين على تخفيض عملتها (اليوان)، ما يعطي أفضلية للصادرات الصينية على حساب الصادرات الأميركية.

ويأمل ترمب في أن يؤدي خفض الفائدة إلى مواصلة "رالي" الأسهم الأميركية، الذي بدأ في العام 2018 عندما خفّضت إدارة ترمب الفائدة وأعطت زخما قويا للبورصات الأميركية. لكن هذا الزخم أخذ في التراجع والتذبذب العنيف منذ مايو (أيار) الماضي عندما قررت الإدارة الأميركية خوض حرب تجارية مفتوحة مع الصين برفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بنسبة تصل إلى 25%.  

حلحلة الأزمة مع الصين

وفي الأسبوع الماضي ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية على إمكانية توصل الطرفين الأميركي والصيني إلى اتفاق بخصوص الحرب التجارية، حيث أرجأت إدارة ترمب رسوماً كان من المقرر فرضها ابتداءً من أول أكتوبر (تشرين الأول) على واردات صينية بنسبة تصل إلى 30 في المئة، وفعلت بكين الأمر نفسه بتأجيل رسوم على منتجات وسلع أميركية.

ومن المرتقب أن يجتمع اليوم الخميس نواب مفاوضي التجارة الأميركيين مع الصينيين في واشنطن في أول لقاءات تجرى وجهاً لوجه منذ نحو شهرين. لكن يبدو أن "المركزي" الأميركي تجاهل هذه المؤشرات، حيث تبين من المفاوضات بين الطرفين في الأشهر الأخيرة أنها مليئة بالتحديات، وتتعثر في كل جولة، ما يترك الاقتصاد أمام حالة عدم يقين إذا تطورت الحرب التجارية، واقتضى ذلك خفضا جديدا للفائدة.

إيجابيات وسلبيات الفائدة المنخفضة

وتحمل الفائدة المنخفضة إيجابيات وسلبيات، ففي وقت يؤدي تخفيض الفائدة إلى تحفيز الشركات على الاقتراض بأسعار أقل، ما يساعد القطاع الخاص على إطلاق مشاريعه.  كما أن تكاليف ديون الشركات الحالية ستصبح أقل، ما يعني أن أرباحها سترتفع تلقائيا، وهي إشارات إيجابية لحملة الأسهم والمستثمرين في البورصات.

لكن من ناحية أخرى، فإن تخفيض الفائدة يحمل إشارة سلبية بأن الاقتصاد ضعيف أو أن مستقبل الاقتصاد ليس ورديا، وهي إشارة عكسية قد تدفع المستثمرين إلى عدم المغامرة في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي.