إعادة تفعيل عقوبات "سيزر" الأميركية تثير مخاوف من موجة هجرة جديدة للسوريين

"سيزر" هو القانون الأقسى في ملف العقوبات الأميركية على النظام السوري كما تصفه أوساط المعارضة.

مقعدة سورية من منطقة حماه يدفعها احد اقاربها على كرسي متحرك في وحول مخيم للاجئين قرب منطقة أتميه في إدلب قرب الحدود التركية (أ ف ب)

تجمدت أطرافُ الرجل الخمسيني وهو ينتظر دوره على طابور توزيع إسطوانات الغاز في حي الميدان الدمشقي، فلا خطة مدروسة لتوزيع الغاز الذي سيحميه هو وعائلته المؤلفة من ستة أفرادٍ من الشتاء القارسِ. وهو يستعمل حالياً الغاز المنزلي للتدفئة في ظل أزمة خانقة تمنع توافر هذه السلعة في كل المحافظات السورية.

ويلقي النظام السوري اللوم في شحّ الغاز على عقوبات مفروضة عليها من الخارج، تتضمن حظر وصول السفن المحملة بالغاز إليه.

السوريون يتوجسون اليوم من قرار إعادة تفعيل الكونغرس الأميركي لما سُمي "قانون سيزر" وفرضه على مدى عشر سنوات، إذ إنه يمنح صلاحيات واسعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، تخوّله إدراج أجانب على قائمة العقوبات، إذا رأى أن هؤلاء الأشخاص يقدمون دعماً مالياً أو تقنياً للدولة السورية، إضافة إلى الخدمات في مجال الدفاع أو المعلومات ذات الطابع العسكري. كما يعاقب هذا القانون المتعاملين مع المصرف المركزي السوري.

وفور إقرار العقوبات، أعلن مراقبون أن تأثيرها سيمتد سلباً في الشارع الذي يُوصف بـ "الصامد" خلال سنوات الحرب مع خشيتهم من هجرة جديدة لمَن بقي في الداخل السوري، فالسوريون الذين لم يسافروا بسبب النزاع المسلح الذي خفتت وتيرته أخيراً، ستكون هجرتهم بدافع ضيق المعيشة إذ ستؤثر العقوبات في شكل كبير في الاقتصاد والتعاملات التجارية.

"سيزر" وهو القانون الأقسى في ملف العقوبات الأميركية على النظام السوري كما تصفه أوساط المعارضة، ترك فور إعلانه ندوباً، حملت معها مشاكل جديدة أُضيفت إلى التحديات المتراكمة، ومنها تراجع صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية بعد هبوطها مع بداية الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مغبة العقوبات

وتتصاعد مع تلك المشاكل، تكاليف المعيشة في شكل قاس، سارع إثرها سياسيون واقتصاديون إلى التحذير من مغبة هذه العقوبات وانعكاسها على الواقع المعيشي. وتساءل النائب السوري نبيل الصالح "هل تتكرر مأساة حصار العراق 1990 - 2002 في سورية؟ "، مطالباً بمراجعة دروس العراق لتفادي ما أمكن، ويلات الحصار.

وحذر الصالح الدول الأوروبية من توافد موجات جديدة من المهاجرين السوريين بسبب تضاعف الحصار عليهم، مطالباً في الوقت ذاته الدولة السورية بالعمل على منع تسرّب الخبرات الوطنية عبر تأمين فرص عمل لها، بدلاً من امتصاص حياتها بمزيد من القيود والضرائب. ويُقدَّر عدد النازحين الذين غادروا سوريا إلى دول الجوار، بحوالى 5.5 مليون شخص، توزعوا على البلدان العربية المجاورة وأوروبا، وفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التي أشارت إلى وجود 3.3 مليون منهم في تركيا، في حين أن هذا الرقم مرشح للارتفاع بينما عاد مهاجرون من لبنان مثلاً بسبب استقرار الوضع الأمني في مناطقهم.

ولم تكن تلك العقوبات الأميركية الأولى على مدى خمسة عقود من الزمن، ولن تكون الأخيرة، إذ تريد واشنطن أن تكسر السلطة اقتصادياً وأن تحاصره بشتّى الوسائل، إلا أنه مع كل حصار يزداد دعم حليفاه الروسي والإيراني له.

ورقة ضغط

في المقابل، وجدت المعارضة السورية في تفعيل قانون "سيزر" ورقة ضغط سياسية على النظام السوري، وطالبت قوى الائتلاف الوطني المعارض في نهاية العام الماضي، بتفعيله لأنه يصب في مصلحة "حماية المدنيين" ويضمن معاقبة حكومة السلطة وداعميها.

 وكان عضو الهيئة السياسية للائتلاف ياسر الفرحان، أشار إلى "أهمية صدور هذا القرار من الإدارة الأميركية، لمحاسبة المسؤولين على الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب السوري، وفرض هذه العقوبات يسعى إلى وقف المذابح التي تطاول الشعب السوري".

وسُمي قانون "سيزر" بهذا الاسم، نسبة إلى مصوّر عسكري سوري انشق عن السلطة عام 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قُتِلوا تحت التعذيب. واستُخدم اسم "سيزر" لإخفاء هويته الحقيقية، وعُرضت تلك الصور في الكونغرس الأميركي، ما أثارت ردود فعل عالمية، الأمر الذي شكك فيه الخبير السوري في الشؤون الاقتصادية عوني الحمصي، معتبراً في حديث إلى "وكالة سبوتنيك" الروسية أن "الموضوع مفبرك". وقال "لم نقرأ عنه في أي مكان، ولم تظهر أي معلومات توضح الشخصية الوهمية لهذا الرجل، الذي لا أحد يعلم كيف التقط كل هذه الصور وهو قيد الاعتقال".

ويترقب السوريون بحذر هذه التطورات الخطيرة، التي في حال تفعيلها ستؤثر في واقعهم المعيشي، وستحاصرهم بلقمة عيشهم، بعدما ارتفعت أسعار السلع، وشحّت الموارد، بخاصة أن العقوبات تشمل قطاعات حيوية لمعيشة السوريين، من بينها قطاع الطاقة.

باب الهجرة مفتوح

وسيترك ذلك الباب مفتوحاً أمام طرق الهجرة الشرعية وغير الشرعية، لمَن بقي في سورية ويفكر بالهجرة للوصول إلى دول عربية وأوروبية، بعدما شهد عاما 2014 و2015 موجة هجرة كبيرة جداً إلى أوروبا متخذين من الأراضي التركية نقطة انطلاق، مستخدمين قوارب مطاط يُطلق عليها تسمية "بلم" تتسع لـ 20 أو 25 شخصاً، لكنها كانت تحمل غالباً أكثر من 40 لتوصلهم إلى اليونان، حيث يتابع معظمهم رحلتهم براً عبر دول في أوروبا الشرقية ليصلوا إلى ألمانيا، بعد ترحيب المستشارة الألمانية أنغيلا مركل بهم، والتي أطلقواعليها تحبباً اسم "ماما مركل".

وستشكل هذه الهجرة إلى دول مجاورة مثل تركيا، تحدياً لها، بخاصة أنها تجهد للتخلص من السوريين اللاجئين أصلاً لديها عبر إعادتهم. ويعيش هؤلاء ضمن 21 مخيماً تنتشر في ولايات هاتاي، غازي عنتاب، كليس وشانلي أورفا التركية.

وأعلنت دمشق استنفاراً وسلسلة إجراءات، استعداداً لتشديد الحصار الاقتصادي من قبل الولايات المتحدة، إذ تنتج سوريا حالياً من آبار النفط الخاضعة لسيطرتها، وبحسب وزارة النفط، نحو 16 ألف برميل يومياً مقارنةً بنحو 10 آلاف برميل قبل الحرب. هذا الرقم اللافت الذي يعني ان الإنتاج ازداد ولم ينقص برغم الحرب، لا يشكّل أكثر من 15 في المئة من حجم الاحتياجات الحالية وفق مصادر رسمية، وتؤمَّن البقية عن طريق الاستيراد، الذي تصل فاتورته الشهرية إلى أكثر من 200 مليون دولار. كما يعمل النظام السوري على إعادة تفعيل منابع الطاقة من الغاز والنفط وإعادة تأهيلها وإنتاجها لسد احتياجات السوق الداخلي.

المزيد من دوليات