التحوط السعودي ساعد على إعادة الثقة للأسواق

أرامكو أثبتت مرونتها الشديدة لتجاوز الأزمات وتلبية التزاماتها... وسوق النفط تعود إلى التحرك

انخفاض أسعار النفط بعد تمكن أرامكو من استعادة الإنتاج المتوقف (أ.ف.ب)

عادت أسعار النفط إلى قرب مستوياتها السابقة، بعد الارتفاع الكبير أول أيام الأسبوع الاثنين إثر الهجوم التخريبي على منشآت النفط السعودية وتوقف نحو نصف إنتاج السعودية من النفط، في جزء منه كإجراء احترازي عاجل حتى إطفاء الحرائق وبدء إصلاح الأعطاب. وأخذت الأسعار في الهبوط الثلاثاء حتى قبل المؤتمر الصحافي لوزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، بعدما اتضح أن التقارير المتشائمة عن طول مدة توقف الإنتاج ليست صحيحة.

وجاء إعلان وزير الطاقة السعودي، "أن البلاد تمكنت خلال الأيام الثلاثة الماضية من استعادة الإنتاج المتوقف لتنخفض الأسعار مجدداً قبل إقفال تعاملات اليوم". وأكد الوزير "أن إنتاج السعودية سيصل إلى 9.89 مليون برميل بنهاية الشهر (في غضون أقل من أسبوعين) وإلى 11 مليون برميل الشهر المقبل على أن يصل إنتاجها إلى 12 مليون برميل يومياً في نوفمبر (تشرين الثاني) وقبل نهاية العام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يذكر أن إنتاج السعودية في أغسطس (آب) كان عند 9.85 مليون برميل يومياً، ما يعني أنها استعادت الآن كامل الطاقة الإنتاجية السابقة، وستبدأ في استعمال طاقة الإنتاج الاحتياطية، أو جزء منها تحديداً لزيادة الإنتاج.

وأشار الوزير إلى "أن سياسة التحوط التي تتبعها السعودية وشركة أرامكو تحسباً لطوارئ مثل التي حدثت أثبتت جدواها"، من دون أن يفصح عن حجم المخزونات التي تحتفظ بها البلاد، وأرامكو في الداخل والخارج. لكن الأهم في تصريحات وزير الطاقة السعودي هو ما قاله عن أن عمليات إطفاء الحرائق الناجمة عن الهجوم استغرقت أقل من سبع ساعات.

ولعل ذلك دحض تكهنات متشائمة توقعت أن يستغرق الأمر أياماً وأسابيع، بل إن البعض توقع مدة أطول. وفي ذلك استعادة لثقة أسواق الطاقة، والمستهلكين والمنتجين الآخرين في قدرة السعودية على القيام بدورها الرائد في القطاع كأكبر منتج ومصدر للنفط ضمن منظمة أوبك.

أرامكو

إلا أن الرسالة الأهم للأسواق هي مدى المرونة والقدرة على التعامل مع الأزمات لدى عملاق الطاقة السعودي شركة أرامكو. وكان منطقياً أن يؤكد رئيس الشركة في المؤتمر الصحافي مع الوزير على "أن خطط الشركة لن تتأثر بالهجوم وأنها مستمرة في الإعداد لطرح الاكتتاب الأولي العام في غضون عام كما هو مقرر سلفاً".

وكانت الشركة قد سبقت ذلك، ومنذ الساعات الأولى عقب الهجوم، بطمأنة زبائنها، بخاصة في آسيا التي تستورد ثلاثة أرباع الصادرات السعودية من النفط، بأن الإمدادات مستمرة كما هو متفق عليه. وكان هذا العامل الأهم في طمأنة المستهلكين، وسوق الطاقة بشكل عام، على أن الأزمة ليست بالشكل الذي صوره البعض.

ومع أن الأسواق تحسبت بسرعة لعودة تأثير المخاطر الجيوسياسية إلا أن إجراءات أرامكو السريعة أسهمت في امتصاص السوق للصدمة بسرعة واستعادة الثقة في أكبر شركات الطاقة في العالم. وربما بهذا التصرف فوتت أرامكو، والسعودية، على إيران التي تقف وراء العدوان على منشآتها النفطية أحد أهداف الهجوم وهو هز تلك الثقة، خصوصاً في أرامكو.

وكانت بعض وسائل الإعلام وبعض المعلقين بدأوا بالفعل الترويج لمقولات من قبيل تأجيل طرح الاكتتاب العام وتراجع قيمة الشركة ما يؤثر على الطرح الأولي. لكن سرعة استعادة الشركة لطاقتها الإنتاجية، إلى جانب تقليل تأثيره على الدخل وعلى أسواق الطاقة بشكل عام، بدد تلك التكهنات المغرقة في التشاؤم والتي لا يخلو بعضها من غرض.

والآن تعود أسواق النفط إلى التحرك في نطاق سعري يحدده ميزان العرض والطلب، ويتأثر بعوامل تتعلق بمستقبل نمو الطلب العالمي ومنها الحروب التجارية واحتمالات الركود الاقتصادي وغيرها. ويعني ذلك أن اجتماع أوبك في ديسمبر (كانون الأول) سيكون أمامه مجدداً مناقشة خيار سحب مليون برميل يومياً أخرى من فائض العرض مع استمرار ضعف نمو الطلب.

نتائج وتبعات

ومع تلافي الأضرار بسرعة واستعادة السعودية كامل إنتاجها وخططها لزيادته في الأشهر القليلة المقبلة، يمكن إجمال تأثيرات العدوان الإيراني في بعض النتائج الرئيسية التالية:

سلباً:

أدى الهجوم إلى توقف قدر كبير من الإنتاج السعودي لعدة أيام إلى صدمة في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار لفترة قصيرة.

عادت الأسواق تتحسب لمخاطر جيوسياسية كانت غابت لعدة سنوات.

مضاربات في الأسواق أثرت على أسعار العملات والذهب والأسهم وغيرها.

زيادة القلق على وضع الاقتصاد العالمي ككل وحساب خطر التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية في منطقة حساسة وأيضاً على إمدادات النفط العالمي، المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي.

ارتفاع تكلفة التأمين على قطاعات عدة في المنطقة من النقل البحري إلى التأمين على المنشآت.

إيجاباً:

تعزيز ثقة أسواق الطاقة في دور السعودية الريادي في قطاع النفط العالمي.

إثبات شركة أرامكو لقدراتها ومرونتها بما يعزز مكانتها كأكبر شركة طاقة في العالم، بل وربما يزيد من قيمتها عند الطرح الأولي لنسبة منها.

فشل إيران في أحداث أزمة في سوق النفط تعني ارتفاع الأسعار لفترة طويلة بما يضر بالاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً مشكلات عدة.

الدفع باتجاه إجراء عالمي موحد للحد من خطر تهديدات إيران لإمدادات النفط والتجارة البحرية.

نجاح الاختبار العملي لقدرة الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة على مواجهة أزمات طارئة أياً كان حجمها.

أخيراً، لا يمكن التقليل من الآثار بعيدة المدى لذلك الهجوم غير المسبوق على المنشآت النفطية السعودية، خصوصاً أن احتمالات تكراره واردة طالما الخطر الإيراني وخطر الجماعات الإرهابية قائم ولم تكسر شوكته. ويؤدي ذلك إلى حالة من عدم اليقين ليس في قطاع الطاقة وحده، بل بالنسبة إلى وضع الاقتصاد العالمي ككل.

المزيد من اقتصاد