وسط أزمة اقتصادية خانقة... سوريا تسعى لإنقاذ الليرة بملاحقة المضاربين

حزمة إجراءات تشدّد الرقابة على الأسعار لضبط الأسواق المحلية

الليرة السورية هبطت إلى مستوى قياسي في السوق السوداء متأثرة بعدم تدخل البنك المركزي (أ.ف.ب.)

وسط أزمة اقتصادية مستمرة، أعلن مجلس الوزراء السوري حزمة إجراءات للمساعدة في تخفيف أزمة العملة، وذلك بتشديد الرقابة على الأسعار وشنّ حملة على المتربحين.

وقال وزير المالية السوري، مأمون حمدان، إن "الحكومة وافقت على الإجراءات اللازمة والاحترازية لتخفيف تأثير التقلبات الحادة للعملة المحلية التي دفعتها إلى مستوى قياسي منخفض قبل نحو أسبوعين".

وبحسب "رويترز"، فقد أعلن الوزير السوري للصحافيين أن "الحكومة ستعمل على ضبط الأسواق والتشدد في الإجراءات الرقابية وضرب المحتكرين والمهربين بيد من حديد".

وقال تجار عملة ورجال أعمال إن الليرة السورية هبطت إلى مستوى قياسي في السوق السوداء قبل أسبوعين متأثرة بعدم تدخل البنك المركزي وتضرّر الاقتصاد الذي مزقته الحرب بسبب تشديد العقوبات الغربية في العام الماضي.

انخفاض القوة الشرائية

وقال تجار إن الليرة بعد أن ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 690 مقابل الدولار، تحسنت منذ ذلك الحين وتذبذبت حول 620 مقابل الدولار في الأسبوع الماضي. وكانت الليرة تتداول عند مستوى 47 مقابل الدولار قبل اندلاع الاحتجاجات ضد الرئيس بشار الأسد في مارس (أذار) 2011. ويشير مصرفيون وخبراء اقتصاديون إلى أن انخفاض القوة الشرائية لليرة أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع في سوريا.

وقال حمدان إن الحكومة ستخصص مزيدا من الأموال لسلسلة من مئات المتاجر الكبرى التي تديرها الحكومة والتي تبيع السلع الاستهلاكية بأسعار أقل من السوق، في محاولة لخفض أسعار المستهلكين. وأضاف أن البنك المركزي سيقدم أيضا الدولار بسعر تفضيلي للمتداولين الذين يستوردون السلع الأساسية الضرورية. وتشمل الخطوات الأخرى منح القروض الحكومية دون فوائد لموظفي الدولة.
وتسبب تداعي العملة في ارتفاع التضخم، كما زاد الأوضاع شدة، حيث يواجه الكثير من السوريين العاديين صعوبة في تحمل تكاليف الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والكهرباء. ومع تنامي الغضب العام من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ألقت الحكومة السورية باللوم على المضاربين و"الأيدي الأجنبية" في التلاعب بأسواق العملات. واشتكى البعض من أن المتسوقين خزّنوا بعض المنتجات خوفا من تأثير ارتفاع الدولار على أسعار البضائع في الأيام المقبلة.

وقال رئيس الوزراء، عماد خميس، للبرلمان إن "البلاد تعاني من تأثير العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة التي تفرض حصارا على الاقتصاد وتضرّ بمعيشة السوريين".

وقال خميس إن الحكومة لم تتدخل مباشرة لدعم العملة المحلية منذ عام 2016 للمساعدة في الحفاظ على ما تبقى من الاحتياطيات المستنزفة، والتي قدرها خبراء اقتصاد ومصرفيون بنحو 17 مليار دولار قبل بدء الاحتجاجات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف خميس "وقف سياسة التدخل المباشر في سوق القطع الأجنبي، وهي السياسة التي تسببت سابقا باستنزاف جزء ليس بالقليل من احتياطي القطع الأجنبي وتشجيع المضاربين على مزيد من المضاربة على سعر صرف الليرة".
واستقرت الليرة نسبيا على مدى قرابة عامين بعدما حولت موسكو والفصائل المسلحة المدعومة من إيران دفة الصراع لصالح الأسد بطردها المعارضة المسلحة من مساحات كبيرة من الأراضي في سوريا.
وقال مصرفيون إن استقرار العملة أصبح مؤشر ثقة الاقتصاد السوري وعلامة على قدرة الحكومة على تخفيف آثار الحرب والعقوبات المالية الغربية.

ومع ذلك، تضرّرت سوريا بفعل تشديد العقوبات الأميركية والأوروبية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) ضد رجال الأعمال السوريين المقربين من الأسد، الأمر الذي أثار قلق السوريين الأثرياء في الخارج الذين كانوا يدرسون الفرص في الاقتصاد الذي مزقته الحرب.

وتسبب الصراع المستمر منذ ما يربو على ثماني سنوات في أضرار تقدّر بمليارات الدولارات، فضلا عن تعطيل الزراعة وتدمير الصناعة ومحو الإيرادات بالعملات الأجنبية من السياحة وصادرات النفط.

التراجع الحاد لليرة السورية ينهك التجار

وفي تقرير لـ"أ.ف.ب."، نقلت الوكالة عن بائع الزهور، محمد زرقاوي، في محله التجاري الصغير في وسط دمشق، قوله عن تراجع سعر العملة السورية "لا أحد يعلم كيف يبيع ويشتري، ننام على سعر ونصحو على سعر آخر، وعندما تريد الشراء تجد تفاوتاً كبيراً في الأسعار". ويقول التجار إن هذا التدهور أدى إلى تراجع إقبال الزبائن على الشراء.

ويوضح محمد أثناء تفقده عبر هاتفه المحمول سعر الصرف، محاطاً بأكياس مختومة من الزهور واليانسون والقصعين وعبوات البهارات "كان الارتفاع جنونياً، وكذلك الانخفاض".

ويروي محمد أنه اضطر إلى دفع مبالغ إضافية جرّاء تأخره في شراء بعض البضائع، موضحاً أن سوق البزورية القديمة، حيث محله المتواضع، كان شبه خالٍ من الزبائن في الأيام القليلة الماضية.

وبات كثيرون "يترددون قبل شراء أي بضاعة"، وفق محمد، الذي يلفت إلى أن "الإقبال خفيف رغم أننا في مثل هذا الوقت من السنة نشهد إقبالاً شديداً"، مع بدء الاستعداد لعودة الطلاب إلى مدارسهم وموسم الشتاء.

في دمشق القديمة، يشكو هيثم غنمة (58 عاماً)، وهو يجلس على كرسيّ معدني أمام محله لبيع مساحيق التجميل، من الوضع نفسه.

ويتروى الرجل ذو الشارب الأبيض في شراء أي بضاعة جديدة بانتظار "ثبات سعر الصرف" لئلا يخسر الزبائن، إذ إن "ارتفاع سعر الدولار يدفع الأسعار إلى الارتفاع أيضاً، ومعظم موادنا استيراد أجنبي".

ويشكّل انخفاض قيمة العملة السورية دليلاً ملموساً على الاقتصاد المنهك جرّاء ثماني سنوات من الحرب، في ظل تقلّص المداخيل والإيرادات وانخفاض احتياطي القطع الأجنبي. وتخضع سوريا لعقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية تسبّبت بالمزيد من الخسائر.

ويأتي التراجع الأخير بعد أزمة وقود حادة شهدتها مناطق سيطرة القوات الحكومية خلال الصيف، وفاقمتها العقوبات الأميركية على إيران بعدما توقف لأشهر عدة خط ائتماني يربط سوريا بإيران لتأمين النفط بشكل رئيس.

وبحسب نشرة "سيريا ريبورت" الاقتصادية الإلكترونية، فإن الميزان التجاري في حالة سيئة كون "قدرة الإنتاج المحلي مدمرة بشكل كبير، وهناك حاجة للواردات لملاقاة الطلب المحلي على السلع".
على بعد نحو 600 كيلومتر من دمشق، تتكرر المعاناة ذاتها في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية.

ويتحسّر فايز أحمد (39 سنة)، وهو تاجر مستحضرات تجميل أيضاً، على كون "الحركة الشرائية شبه متوقفة"، مشيرا إلى أن تراجع سعر صرف الليرة "ترك أثره على كل الشعب السوري". ويطال تأثير تدهور سعر الليرة المواد الأساسية والكماليات.

ويقول فايز "نشتري جميع البضائع بالدولار وأسعار مستحضرات التجميل ارتفعت ورواتب الشابات (اللواتي يستهلكن مستحضرات التجميل) لم تعد تكفيهن لشراء أي شيء".
وتسيطر قوات سوريا الديموقراطية التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري، على القامشلي ومناطق واسعة في شمال شرق سوريا، وتترك تقلبات سعر صرف الليرة آثارها على كل الحركة الاقتصادية في البلاد.

ويشكو حسين حمو (24 عاماً)، وهو تاجر مواد غذائية في سوق القامشلي، من تراجع حركة الزبائن. ويقول بينما يجلس في محله محاطاً بالمعلبات وأكياس الأرز "باتت حركة الأسواق ضعيفة والزبون يشكّ بالأسعار". ويضيف "نشتري البضائع بالدولار من المراكز الرئيسة ويتفاجأ الزبون بأن الأسعار تختلف بين ساعة وأخرى".

وأدى انحفاض سعر الصرف القياسي ثم ارتفاعه، وفق حسين، إلى "كساد البضائع بينما يتوجّب علينا سداد دفعات للتجار، بالتالي نحن مجبرون على بيع البضاعة للوفاء بديوننا".

وعلى غرار كثيرين، يشتري حسين البضائع من الموردين بالدولار ويبيعها للزبائن بالليرة. ويقول "عند كل مساء، نتوجه لتحويل المبالغ بالليرة السورية إلى الدولار ونخسر الكثير جراء الفرق في سعر الصرف".

وتستعيض عائلات كثيرة، وفق قوله، عن التزوّد لشهر كامل بشراء كميات قليلة "لتعويض ارتفاع الأسعار لأن الوضع كارثي".

وتقول الموظفة لدى الإدارة الذاتية، روناهي حسن (33 عاماً)، خلال تجولها في سوق القامشلي "لم نعد نستطيع العيش مع الارتفاع الجنوني للأسعار. في كل يوم يرتفع الدولار، تزداد الأعباء علينا".
وتضيف أثناء شرائها لوازم مدرسية لأطفالها "كيف يمكننا العيش، ورواتبنا لم تعد تكفينا إلا لبضعة أيام؟".