"حرب عصابات جوية" بالطائرات والميليشيات "المسيرة"

هجوم "أرامكو" ليس سوى نقلة إيرانية بالغة الخطورة في الصراع مع أميركا

صورة التقطت عبر الأقمار الاصطناعية يوم 16 سبتمبر 2019 لهجوم على منشآت السعودية النفطية في مصنع بقيق وحقل خريص (أ.ف.ب)

التكنولوجيا في خدمة الأيديولوجيا... ولا شيء تغيّر سوى الأدوات.

فالسياسات والأفكار القديمة، وبعضها متخلف جداً، تُمارس في الداخل والخارج بوسائل جديدة متطورة. ومن المخيف أن نتصور ما كان يمكن أن يفعله هولاكو وجنكيز خان أو قادة تنظيم "القاعدة" الذين خطّطوا لتفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك بطائرات مدنية، لو كانوا يملكون أسلحة دمار شامل. وليس توجيه عشر طائرات مسيّرة لقصف منشآت نفطية في السعودية لشركة "أرامكو" سوى نقلة إيرانية بالغة الخطورة في الصراع الأميركي – الإيراني، على مسرح المحاور الإقليمية والدولية.

فالصواريخ أحدثت تحوّلاً في الاستراتيجيات العسكرية دفاعاً وهجوماً. والطائرات المسيّرة تضيف إلى كل ما نعرفه ونعانيه من أنواع الحروب "حرب عصابات جوية" بلا حدود ولا ضوابط. وإذا كانت مسارحها مفتوحة في كثير من مناطق العالم، فإن تكثيف العمليات يتركز على مسرح الشرق الأوسط.

في البدء، كانت عمليات القصف بطائرات مسيّرة تقتصر على أميركا وإسرائيل بشكل خاص، وسط اعتراض دول وقوى كثيرة على استخدامها. معظم القصف الأميركي حدث في أفغانستان وعلى حدودها مع الباكستان وفي اليمن وليبيا والعراق وسوريا، لاغتيال قيادات إرهابية من "القاعدة" و"داعش" وبقية التنظيمات الإرهابية. وإسرائيل استهدفت رجال المقاومة في فلسطين ولبنان. أحدث العمليات الأميركية والإسرائيلية التي لم يعترف أحد بمسؤوليته عن معظمها، كانت ضد قوات وصواريخ إيرانية في سوريا والعراق. وأعلى رقم في الغارات الأميركية بالطائرات المسيّرة، جرى تسجيله أيام الرئيس السابق باراك أوباما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اليوم، تكاثرت الدول التي تصنع طائرات مسيّرة. وكثرت الدول التي تشتريها بعدما كانت تهاجمهم أميركا. وتعددت الميليشيات التي يجري تسليحها بها وتسخدمها أو تتحمل المسؤولية عن استخدامها بالوكالة عن الدولة "المشغلة" لها. الصين تشتريها من إسرائيل. قطر تموّل ما ترسله تركيا من طائرات مسيّرة إلى ميليشيات "حكومة الوفاق" في ليبيا لاستخدامها ضد قوات خليفة حفتر. الهند والباكستان تقتربان من استخدام هذه الطائرات. إيران تعتبرها، إلى جانب الصواريخ، أهم ما في ترسانتها العسكرية وتستخدمها بمقدار ما تزوّد بها وكلاءها، خصوصاً ميليشيا الحوثي في اليمن. إسرائيل أرسلت في الفترة الأخيرة طائرتين مسيّرتين فوق الضاحية الجنوبية لبيروت. وفي سماء لبنان يومياً، طائرة "درون" إسرائيلية للمراقبة والتصوير. ويُقال إنّ "حزب الله" استخدم طائرات مسيّرة في حرب سوريا.

وليس معلوماً إن كانت هناك ميليشيات تملك طائرات مسيّرة ولم تستخدمها حتى اليوم. لكن من الصعب تصديق الادعاءات بأن ميليشيات تصنع هذه الطائرات، وليس إعلان ميليشيا الحوثي المسؤولية عن قصف المنشآت النفطية السعودية، سوى غطاء للجهة التي أرسلتها. ولم يتأخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية مايك بومبيو في اتهام إيران بالقصف من موقع خارج جغرافيا اليمن. وفي الأساس، لم يكن توسيع المسرح في حرب اليمن بإرسال الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى مطارات السعودية والإمارات سوى إشارة إلى أن اللعبة أكبر من اليمن. فما حرب اليمن بكل عواملها الداخلية الواقعية سوى جبهة في حرب المشروع الإقليمي الإيراني والحرب عليه من أجل "كبح النفوذ الإيراني" ومنع طهران من الاستمرار في زعزعة الأمن في الشرق الأوسط. ولا أحد يعرف متى وكيف تنتهي هذه الحرب التي بدأت بانقلاب حوثي على تسوية جاءت بسلطة شرعية. فما يراه مسؤول بريطاني خبير بتاريخ اليمن وأفغانستان هو "أن اليمن، أفغانستان مع بحر". وما يعرفه الجميع هو أن الحرب نوع من "مهنة" في اليمن وأفغانستان.

والسؤال المباشر هو: كيف ترد الرياض وواشنطن على أخطر هجوم على السيادة وأمن النفط العالمي؟ والسؤال الأبعد هو: كيف يمكن الحد من مخاطر الطائرات المسيّرة ومعها أخطار الميليشيات "المسيّرة" التي تستخدمها؟ وإلى أي حدود تصل الفوضى المدمرة في المنطقة والعالم عبر "حرب عصابات جوية" بلا ضوابط؟ فكيف إذا كان بإمكان من يرسل "الدرون" أن ينفي علاقته بها ويحاول إبقاء المسؤول مجهولاً؟ موسكو التي تنافس أميركا في سباق التسلح، وتسجل تدمير قواتها لطائرات مسيّرة يرسلها "إرهابيون" إلى قاعدتها العسكرية الجوية في حميميم السورية، تقترح فكرة للحل. فهي تدعو إلى "تدابير مشتركة لمواجهة تزايد خطر الطائرات المسيّرة التي باتت تشكل تهديداً جدياً على المستوى الدولي". وهذا يتطلب سلسلة لقاءات وتفاهمات دولية وإقليمية من دون ضمان بالقضاء الكامل على الخطر. وهناك بالطبع من يقترح معاملة "الدرون" مثل معاملة التسلح النووي. كيف؟ عبر حصر الجهات الصانعة للطائرات المسيّرة على طريقة "النادي النووي" الذي كان مغلقاً على خمسة أعضاء كبار هم الأميركي والبريطاني والفرنسي والروسي والصيني. لكن إسرائيل كانت في النادي من دون إعلان ولا اعتراف. والهند والباكستان انضمتا إلى النادي. كذلك كوريا الشمالية. وإيران كانت على مسافة سنة من أن تمتلك سلاحاً نووياً، فجرى تأخيرها بالاتفاق النووي الذي خرجت منه أميركا.

واللعبة مفتوحة على تعاظم الأخطار في نظام عالمي ما عاد ثنائياً ولا أحادياً ولا صار تعددياً بمقدار ما هو نوع من اللانظام العالمي.

المزيد من آراء