Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هدم التراث "الكنز" يبدد دليل وجود "الفلسطيني القديم"

عمليات إزالة المباني القديمة بدل ترميمها تثير سخط المواطنين لما يسببه ذلك من تشويه للصورة الحضارية التاريخية

أحد المباني المرممة في بلدة سبسطية شمال نابلس وفيه مسجد وسجن النبي يحيى ومتحف ويعتبر موقعاً سياحياً (اندبندنت عربية)

على الرغم من أن القانون يمنع عمليات هدم المناطق الأثرية دون موافقة إلاّ أن تجاوزات كثيرة تحصل بهدف الاستثمار الحديث

"كان موجوداً واختفى!"... جملة يستخدمها الكثيرون في سياق الحديث عن المباني القديمة الموجودة هنا وهناك في البلدات والقرى والمدن الفلسطينية، التي تُهدم من قبل أصحابها لأسباب عدة، تتمثل بشكل أساسي برغبتهم في استثمار الأرض وبناء المنشآت الحديثة أو استحداث مواقف للسيارات والمجمعات التجارية أو ربما المساجد والمدارس وغيرها.

كنز معماري

فكرة تدمير المباني لا تروق لكثيرين من الفلسطينيين، فبعد إزالتها يدور حديث على مواقع التواصل الاجتماعي يناقش وجود هذه الأماكن، ويعرض صوراً لها قبل الهدم وبعده، وتعبير محبي هذه المناطق ومالكي الذكريات فيها عن سخطهم، نظراً إلى أنّ هذه الأماكن تشكل كنزاً لهم يعكس طريقة بناء مختلفة في الشكل ونوع الحجارة وجودتها وتقسيمات الغرف الداخلية، وهي أيضاً طرز معماري يروي قصص حضارات وأنظمة، مرّت على فلسطين في السنوات الماضية، كان آخرها الحكم العثماني، لذلك يجب الحفاظ عليها.

سينما جنين

ومن القصص الشهيرة التي تناقلها الناس، سينما مدينة جنين التي رُممت وباتت مكاناً ثقافياً لفئات عدة، لكن مالكها قرر هدمها قبل سنوات قليلة، وأقام مكانها مجمعاً تجارياً ضخماً، وهي لا تزال حتى اليوم أول ما يُذكر لدى الحديث عن تدمير المباني الأثرية.

لكن هناك فريقاً آخر يشدد على ضرورة ترميم ما يجب ترميمه وهدم ما يجب هدمه ولو على حساب جزء من التراث. فبعض هذه المباني آيل للسقوط وقد يشكل مكرهة صحية بسبب إهماله، كما أن لكل فترة زمنية نمطها البنائي المختلف، وقد تصبح المباني الحالية تراثاً يوماً ما.

أحكام عالية حديثة

كانت هناك قوانين قديمة عدّة تحدّد معايير تصنيف المباني التراثية وتلك التي يُمنع هدمها، لكنّها لم تعد صالحة لكونها صادرة منذ الحكم الأردني والبريطاني والمصري. لذلك، أصدر الرئيس محمود عباس العام الماضي قراراً بقانون رقم 11، متعلقاً بالتراث الثقافي المادي، الذي أُلغيت بموجبه كل القوانين السابقة، وأُعيد تعريف المنشآت الأثرية على أنها المبنية قبل عام 1917. أما المقامة بعد ذلك، فتُرك فيها الحكم للهيئات المحلية من بلديات ومجالس قروية، على اعتبار أنها الجهات التي لديها الصلاحية لتحديد أهمية المباني القديمة، ومن ثم رفع هذه القوائم لوزارة السياحة من أجل إقرارها ضمن المناطق التاريخية التي يُمنع هدمها أو البناء عليها، ومن الممكن أيضاً أن تتواصل الهيئة المحلية مع الجهات المختصة بالترميم لإعادة إحيائها.

وبحسب القرار، إذا أراد شخص ما أن يهدم هذه المباني، فعليه الحصول على موافقة رسمية من وزارة السياحة، وإلا ستُفرض عليه مجموعة من العقوبات، كالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات، وغرامة تتراوح ما بين عشرة آلاف و30 ألف دينار أردني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا هدم تراثاً ثابتاً بشكل كلي أو جزئي، وبالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات، ولا تزيد على عشر سنوات، وبغرامة مالية ما بين 20 ألف إلى 50 ألف دينار أردني، إذا أحدث تغييراً أو تخريباُ أو فعلاً من شأنه التأثير في التراث الثابت أو مكوناته، وستتضاعف العقوبة إن كرّر ذلك.

التراث هو بترول الفلسطينيين

وعلى الرغم من العقوبات التي يفرضها القانون، إلاّ أنّ المخططة العمرانية في وزارة الحكم المحلي شروق جابر، توضح أن "هناك عدداً كبيراً من التجاوزات كالهدم في ساعات متأخرة من الليل أو أيام العطل، من دون الحصول على إذن رسمي من الجهات المختصة، وهذا ما يضع الفاعل تحت المساءلة القانونية".

وتؤكد أنه "يجري العمل في وزارة الحكم المحلي بالتعاون مع وزارة السياحة، على وضع خطط لحماية هذه المناطق، إذ صُنّفت المباني إلى قسمين: تلك المنفردة المتناثرة في المدن أو القرى، وأخرى موجودة على شكل تجمعات مشكّلةً جذر المدينة كالبلدات القديمة، التي يجب أن تبقى ظاهرة وغير محاطة بمبان حديثة تخفي وجودها، إضافة إلى تطوير تعليمات لحماية هذه الأماكن ونشر التوعية بأهمية التراث الفلسطيني الذي يُعد كالبترول في قيمته، ودليلاً على الوجود الفلسطيني القديم في ظل الانتهاكات الإسرائيلية الكثيرة".

ورشة ترميم 12 منطقة

صالح طوافشة، مدير عام حماية الآثار في وزارة السياحة، من جانبه قال لـ"اندبندنت عربية" إنّ "حالات وتجاوزات عدّة حُوّلت إلى القضاء لاتخاذ قرار بالعقوبات اللازمة بموجب هذا القرار"، مضيفاً أنه "يجري العمل مع عددٍ من المؤسسات التي تُعنى بالتراث المعماري على ترميم 12 منطقة، لإعادة إحياء المراكز التاريخية في قرى وبلدات فلسطينية عدة، وإضافة مرافق أخرى كمراكز للزوار وغيرها، لبثّ الحياة فيها وتشجيع الناس على زيارتها، عدا عن مشاريع عدة لحصر الأماكن الأثرية ووضعها في سجلات خاصة، يسهُل الرجوع إليها والتعديل عليها".

ومن الأمثلة على بعض الأماكن التي رُمّمت، قصر كايد الذي يعود إلى فترة حكم الكراسي في بلدة سبسطية شمال نابلس، وحُوّل من بيت آيل للسقوط إلى مطبخ يوفر فرص عمل للنساء، ومكان لإعطاء الدورات التعليمية للأطفال والكبار، وساحة لإقامة المعارض والفعاليات التراثية، وبيت ضيافة للزوار.

صراع المال والتراث

"مشاكل كثيرة تواجه قطاع الحفاظ على المباني التراثية، من أبرزها صراع رأس المال مع التراث، فكلها ملكية خاصة ويجب أن تكون هناك حلول وبدائل لإقناع صاحبها على إبقائها، كتعويضه بقطعة أرض أخرى أو تقديم تسهيلات له في البناء مقابل الحفاظ على المكان، أو نقل التراث إلى مكان آخر. ولكن المشكلة الكامنة في الحل الأخير هي حاجته إلى الكثير من الإمكانيات المادية، عدا عن ضرورة رفع وعي الأفراد والهيئات المحلية لوضع خطط صارمة وقوانين مفصلة بشكل كبير، تضع حداً للتجاوزات التي تحدث"، كما أوضحت المعمارية جابر.