خلاف بين أربيل وبغداد بشأن قانون النفط والغاز… ما هي شروط الأكراد؟

قانون النفط والغاز المركزي كان من المفترض أن يقر منذ السنة الأولى لإقرار الدستور العراقي عام 2005

حقل باي حسن النفطي في كركوك بإقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

تصاعدت طوال الأيام الماضية المؤشرات الدالة على أن القوى السياسية العراقية ذاهبة إلى حسم أهم الملفات الخلافية بين الحكومة الاتحادية المركزية ونظيرتها في إقليم كردستان العراق، عبر سعي البرلمان المركزي إلى إقرار قانون النفط والغاز المركزي، الذي من المفترض أن يُعرض ويُناقش خلال الفصل التشريعي البرلماني الحالي. وبذلك ستتوضح وتحدد مختلف مستويات سلطة الطرفين على الثروة النفطية في مختلف مناطق البلاد، بما في ذلك إدارة الحقول وحقوق التعاقد مع الشركات الأجنبية والاستخراج والتصدير، التي تشكل واحدة من أشد الملفات الخلافية بينهما.

قانون النفط والغاز المركزي كان من المفترض أن يتم إقراره منذ السنة الأولى لإقرار الدستور العراقي، عام 2005، إلا أن الحكومات العراقية المتعاقبة وبتشجيع من القوى السياسية المشكلة لها، تمهلت في إقراره، مثل غيره من القوانين، التي رسم الدستور العراقي ملامحها الرئيسة، وترك للبرلمان سلطة إقرار تفاصيلها عبر قوانين خاصة. لكن البرلمانات العراقية المتعاقبة غرقت في صراعاتها البينية اعتباراً من ذلك الوقت، وخضعت لجملة من الضغوط الإقليمية، فصارت محل خلاف شديد بين السلطات المركزية ونظيرتها الإقليمية، ومع إقليم كردستان العراق تحديداً.

أزمة أساسية

طوال السنوات الماضية، ظلت حكومة إقليم كردستان وقواه السياسية تتهم القوى السياسية العراقية المركزية "الشيعية" بأنها تتقصد عدم إقرار كثير من القوانين الاتحادية التفسيرية للمواد الدستورية الرئيسة، مثل قانون المجلس الاتحادي، الذي من المفترض أن يشكل غرفة تشريعية نظيرة للبرلمان، وأكثر تمثيلاً للجماعات والجهات العراقية، وكذلك قانون النفط والغاز، الذي يشير الدستور العراقي إلى أن يكون تشاركياً بين السلطات المركزية والإقليمية. تذهب تفسيرات القوى الكردية لهذا التباطؤ من القوى المركزية العراقية إلى أنها ناتجة من مسعاها إلى الاستحواذ على الحقوق الدستورية للقوى الطرفية في الثروة الوطنية.

سارت العلاقة بين الطرفين على وتيرة توافقية، إلى أن مالت القوى السياسية الكردية عام 2014 إلى تنفيذ قراءتها الخاصة لمواد الدستور العراقي المتعلقة بالشأن النفطي، واعتبرت أن الدستور يمنحها سلطة التعاقد مع الشركات العالمية واستخراج النفط من مناطقها وتصديره إلى الخارج.

دفعت تلك الإستراتيجية حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي إلى اتخاذ قرار محكم بالحجر على حصة إقليم كردستان العراق من الميزانية المركزية، والتي كانت تقدر بـ17 في المئة من مجموعها. وبقي ذلك الحجر مستمراً إلى أن أقرت الحكومة الحالية إفراجاً نسبياً عن ميزانية الإقليم، متمثلاً بدفع قرابة نصف رواتب موظفي إقليم كردستان، على أن تقوم هذه الأخيرة بتسليم كمية ربع مليون برميل نفط يومياً لشركة التصدير الحكومية العامة "سومو".

تفسيران متناقضان

ترسم المادتان 111 و112 من الدستور العراقي الملامح الأساسية لما يُمكن تسميته السلطة على الثروة الباطنية في البلاد، كما يقول أستاذ القانون الدستوري مصطفى شيخ بهجت لـ"اندبندنت عربية".

ويقول شيخ بهجت إن المادتين الدستوريتين تتناولان ثلاثة أبعاد لهذا الشأن. يتعلق الأول بالجهة التي يجب أن تستفيد من عائدات هذه الثروة، والتي أقر الدستور العراقي بوضوح بأنها يجب أن تكون لمصلحة مجموع الشعب العراقي، أي أن الاستثمار والاستفادة من الثروة النفطية والغازية لا يُمكن لهما أن يكونا محليين، أي أن تستغل المناطق والأقاليم الغنية بهذه الثروة مواردها لمناطقها الخاصة، بل يجب أن يُعاد توزيعها بشكل عادل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على المستويين الأخريين، فإن بندي المادة 112 من الدستور العراقي يذهبان إلى أن تحافظ السلطات العراقية على استثمار الحقول النفطية وتوزع وارداتها بشكل تصفه بـ"المنصف" بين المناطق العراقية، وفق أعداد السكان. وتنص في بند آخر على أن المبدأ الذي يجب أن يربط الحكومة الاتحادية مع المحافظات والأقاليم المنتجة للنفط والغاز يجب أن يقوم على الشراكة في رسم السياسات الإستراتيجية لهذه الثروة.

يقول الشيخ بهجت إن الخلاف بين الطرفين حدث ويحدث في قراءة هذين البندين. فبينما تعتمد الحكومة المركزية على المادة التي تقر بعمومية الثروة النفطية، لتذهب إلى تبني إستراتيجيات وسلطات مركزية على الثروة النفطية، فإن حكومة إقليم كردستان العراق وقواها السياسية تعتمد على البند الثاني، الذي يفرض الشراكة على أي حكومة مركزية في هذه المسألة. وهو ما لم تلتزم به أي حكومة عراقية سابقة، وبذلك، فإن سلطات الإقليم صارت حرة في انتهاج سياسات نفطية ذات استقلالية.

شروط إقليم كردستان

مراقبون قريبون من حكومة إقليم كردستان العراق، أكدوا أن الطرف الكردي شديد الإيجابية في التعامل مع الحكومة الاتحادية والقوى السياسية العراقية لإقرار هذا القانون بأسرع وقت ممكن، كي تتحول معه ديناميكيات التنمية الاقتصادية في الإقليم إلى مستويات أكثر شرعية وشفافية. ويؤكد هؤلاء بأن الطرف الكردي مستعد لإرسال بعض الأفكار وحتى مسودات القوانين الكاملة للنفط والغاز إلى البرلمان المركزي، لتكون واحدة من القواعد القانونية التي سيقر على أساسها قانون النفط الغاز المركزي، مع بعض التعديلات التي قد تراها القوى السياسية الأخرى ضرورية.

المراقبون الأكراد أشاروا إلى أن الزيارات الأخيرة للمسؤولين الأكراد إلى العاصمة بغداد كانت عامرة بالنقاشات التي تناولت ذلك الشأن، وأن الطرف الكردي أكد استعداده للتعاون والتوافق مع السلطات الاتحادية لإقرار هذا القانون، وأنه – أي الطرف الكردي- يملك فقط شرطين تقنيين للتصويت لمصلحة أي قانون مركزي للنفط والغاز.

فأي قانون يجب أن يكون في ظلال المادتين الدستوريتين الرئيستين، اللتين تعتبران سلطة عليا على أي قانون تفصيلي يمكن أن يصدر عن البرلمان. الشرط الآخر يتعلق بتشكيل مجلس اتحادي لشؤون النفط والغاز، يكون ذا سلطة عليا على هذا الملف، ومؤلف من الحكومة المركزية وسلطات الأقاليم والمناطق المنتجة للنفط، وأن يكون ذلك المجلس ذا سلطة لرسم إستراتيجية العراق النفطية، ويخضع وزارة النفط لسلطاته العليا.

يرى المراقبون الأكراد أن هذين الشرطين يؤمنان حقوق إقليم كردستان النفطية، وحصته العادلة من الثروة الوطنية، وهما المحددان الوحيدان كي يوافق الطرف الكردي على التصويت لمصلحة قانون النفط والغاز. 

المزيد من العالم العربي