الحملة النسوية تطارد رومان بولانسكي منذ 42 سنة… ومهرجان البندقية يمنحه جائزة كبرى

فيلمه "إني أتهم" يستحضر قضية درايفوس الشهيرة... والهدف تبرئة نفسه من تهمة التحرش

من اجواء فيلم "اني اعترض" (اندبندنت عربية)

فاز المخرج الفرنكو- بولوني رومان بولانسكي بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في الدورة الـ٧٦ التي انتهت قبل أيام من مهرجان البندقية السينمائي، عن فيلمه الأحدث "إني أتّهم" الذي يستعيد قضية درايفوس. زوجته الممثّلة إيمانويل سينييه هي التي تسلّمت الجائزة بالنيابة عنه، بسبب غيابه عن المهرجان.

قضية الضابط الفرنسي اليهودي ألفرد درايفوس هزّت فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بعدما تم اتهامه بالتخابر مع الألمان وبيع معلومات عسكرية لهم. مقالة كان نشرها الكاتب أميل زولا على شكل رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية في صحيفة "لورور" في عنوان "إني أتّهم" حرّكت القضية التي كانت تحولت طوال سنوات اعتقال درايفوس إلى فضيحة دولة، فتمت تبرئته من تهمة الخيانة العظمى المنسوبة إليه والتي تم إذلاله واستبعاده من الجيش بناءً عليها.

قضية درايفوس

من المنظور التاريخي، اعتُبرت "قضية درايفوس" أولى علامات صعود الفكر المعادي لليهود (معاداة السامية) في أوروبا. هذه الحكاية صُوّرت سينمائياً مراراً منذ بزوغ فجر السينما، إلا أن جديد فيلم بولانسكي يقاربها من وجهة نظر الكولونيل بيكار، الرجل الذي ظلّ مقتنعاً ببراءة درايفوس، على الرغم من مشاعره السلبية تجاهه. يصوّر الفيلم بدقّة وإمعان في التفاصيل محاولات بيكار كشف ملابسات القضية. لكن سعيه سيعتبره كبار الجنرالات في الدولة ضرباً من الجنون، فيُنصَح مراراً بطمس القضية والتزام الصمت. على الرغم من ذلك، بيكار متمسّك بالعدالة، ليس حبّاً بدرايفوس بل إيماناً منه بقيم العسكر.

والعسكر قضية أخرى تحتل مكانة مهمة في "إني أتّهم" الذي يُمكن اعتباره معادياً لهم. بولانسكي يضرب من تحت الزنار في هذا المجال. الفيلم يحمّل العسكر مسؤولية حدث تاريخي يعود إلى أكثر من قرن إلى الوراء، مناقشاً تفاصيله من خلال التجوال داخل أروقة المؤسسة العسكرية ومكاتبها حيث الكثير من العفن والظلم والنفاق. فلا أحد من المسؤولين يبحث عن الحقيقة. في هذا الصدد، يقترب العمل كثيراً من "دروب المجد" لستانلي كوبريك و"ملك وبلاد" لجوزف لوزي، الفيلمين اللذين تجري أحداثهما في فترة غير بعيدة من الفترة التي تدور فيها أحداث "إني أتّهم". يدين بولانسكي بالولاء الأعمى للعسكر، من خلال بعض الجمل الصادمة التي تحمل رمزية عالية، كالآتية: "إذا طلبتَ مني أن أقتل، فسأقتل. ثم عدتَ لتقول إننا أخطأنا في حق القتيل، فسأقول لك هذا ليس ذنبي؛ أنا أنفذ أوامر. نحن عسكر، هكذا هم العسكر". هكذا يرى أحد الجنود الولاء للعقيدة العسكرية والخضوع لها.

فور إعلان بولانسكي عن رغبته في تصوير فيلم عن "قضية درايفوس"، انهالت التعليقات التي ذهب كلها في اتجاه واحد، إذ لاحظ معظمنا أنه يتماهى مع درايفوس، ويروي سيرته من خلال سيرة الضابط المظلوم، بل ويرى في مصيره انعكاساً لمصيره. كان هذا واضحاً على نحو لا يحتمل الشك. تماهيه مع درايفوس يكاد يكون السبب الأساس، كي لا نقول الوحيد، خلف إقدامه على أفلمة قضية أكل عليها الدهر وشرب. بولانسكي نفسه عاد وأكّد في مقابلة، عندما قال: أحياناً، أجد في حكاية درايفوس لحظات عشتها بنفسي. أرى الإصرار نفسه في إنكار الوقائع وإدانتي بأمور لم أفعلها".

التماهي والظلم

ما يقصده بولانسكي وما نقصده بالتماهي يأتي من الإحساس الذي عند المخرج الكبير بالمظلومية. فهو عانى من النازية والستالينية، ثم في أميركا عاش الأمرّين. ولكن ثمة قضية تطارده منذ ٤٢ عاماً: الدعوى القضائية المقامة ضده بتهمة ممارسة الجنس مع فتاة قاصر بعد التغرير بها، في الولايات المتحدة في العام ١٩٧٧، على الرغم من أن الضحية نفسها (سامانثا غيمير) عبّرت غير مرة عن رغبتها في إغلاق هذا الملف، بعدما غفرت له. بولانسكي يعتبر أنه يدفع ثمن غلطته منذ أكثر من أربعين عاماً، وأنه يكفي اضطهاداً ومطاردة لجرم وقع في زمن آخر كانت قيمه غير قيمنا اليوم، وأصلاً يدفع ثمنه لمجرد أنه غير قادر على السفر بحرية خارج فرنسا وبولونيا. إلا أنه، وعلى الرغم من سعيه إلى التشبّه بدرايفوس، فمن الصعب وضعه هو والضابط في سلّة واحدة، فالأخير كان بريئاً تماماً، أما هو فمُدان.

القضية تحوّلت في زمن حملة "مي تو" إلى دعوات علنية مصدرها أشخاص وجمعيات تُعنى بشؤون المرأة إلى مقاطعة بولانسكي وشنّ هجوم على المهرجان الذي ضم فيمله "إني أتّهم" إلى المسابقة. الإدارة الفنية للمهرجان من خلال شخص ألبرتو باربيرا، كانت واضحة منذ البداية: "ينبغي فصل الفنّان عن الإنسان".

في مقابلة الكاتب باسكال بروكنير مع بولانسكي، سأله: "كيهودي ملاحق أثناء الحرب ومخرج مضطهد في بولونيا الستالينية، هل ستتمكن من الانتصار على ماكارثية النسوية الجديدة التي تطاردك إلى كلّ مكان وتحاول منع عرض أفلامك؟، فأكد له المخرج أن إنجاز فيلم كهذا يفيده جداً، ولكنه يرفض اعتبار عمله بمثابة علاج، على الرغم من اعترافه انه أعتاد على الاضطهاد الذي نراه في الفيلم لدرايفوس".

الفنان العظيم

في النهاية، نجح المهرجان في فصل بولانسكي الإنسان الذي ارتكب جرماً (ولو قبل ٤٢ عاماً) عن بولانسكي الفنّان العظيم الذي قدّم واحداً من أجمل أفلام هذا العام. تخطت لجنة التحكيم امتحان الموضوعية بتفوق لافت، علماً أن رئيستها المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتل كانت عبّرت عن امتعاضها لضم بولانسكي إلى المسابقة في بداية المهرجان، الأمر الذي كاد أن يتحوّل إلى أزمة مع تهديد منتج الفيلم بسحبه، ما دفع بمارتل إلى إصدار بيان وضّحت فيه بأن كلامها كان عن عدم رغبتها في حضور الحفل المخصص للفيلم بعد عرضه، وأنه فُهِم بشكل خاطئ.

استطاع بولانسكي بدهاء وتخطيط مسبق فرض الاحترام على فنّه، وإقناع اللجنة بعدم "شخصنة" الخيار. جعل اللجنة تنصف عمله، وتتجاهل مطالب التيار النسوي بـ "إعدامه" المعنوي. وإن بدا واضحاً عدم اقتناع الجميع بمبدأ "فصل الإنسان عن الفنّان" الذي ليس محل إجماع. هذا كله لأنه صاحب موهبة استثنائية يصعب صرف النظر عنها. هكذا انهزمت الصوابية السياسية التي بدأت تقتحم تفاصيل كلّ المهرجانات في الفترة الأخيرة، وتلقي بظلالها على الجوائز.

على الرغم من هذا، لم يمتنع بولانسكي عن التصريحات النارية، والتلذذ بالاضطلاع بدور الضحية. فقال مثلاً إن معظم الذين يتحدّثون عن قضية الاعتداء الجنسي لا يعرفون شيئاً عن تفاصيله، متّهماً وسائل التواصل الاجتماعي بالإدانة من دون تقصّي الحقائق، وفي هذا الكلام شيء من الحقيقة بكل تأكيد. روى كذلك أن المصائب في حياته بدأت بعد مقتل زوجته شارون تايت في العام 1969 على يد "عائلة" تشارلز مانسون، وكيف استحوذت الصحافة على القضية للتحامل عليه. هذا كله لا يزال يلاحقه إلى اليوم كذكرى بشعة لم يشفَ منها، وغالب الظن إن لا جائزة البندقية ولا ألف جائزة أخرى تستطيع تبديدها.

 

المزيد من سينما