أميركا والحملات الرئاسية غير النظيفة... تاريخ طويل

توفر هفوات ترمب وبايدن الذخيرة لجولة لاحقة من الهجمات، والإعلانات والتشهير، وهذا كله ليس بجديد

مرشحو الحزب الديمقراطي يشاركون في ثالث مناظرة انتخابية في سباقهم الحزبي وصولاً الى فوز أحدهم بالترشيح إلى السباق الرئاسي في 2020 (أ.ف.ب.)

لا بد أن يكون جو بايدن قد أصابه الخرف. هل شاهدتم ذلك الفيديو؟ لم يتمكن من تذكر حتى المكان أو التاريخ أو السنة التي كان يتكلم عنها. كذلك هو الحال مع دونالد ترمب. فهو بقي يبتكر كلمات ثم يبدو وكأنه تجمد. وماذا عن نانسي بيلوسي؟ بدت وكأنها ثملة حين تكلمت.

أتمنى أن يبادر بعض أفراد عائلاتهم بإخبارهم بالحقيقة المرة. إنه أمر محزن حقا. هذا على الأقل هو الانطباع الذي ربما تشكل لدى أي شخص قضى وقتا طويلا في متابعة وسائط التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الأخيرة، مع بدء دورة الانتخابات الرئاسية لعام 2020 انطلاقتها المتحمسة والساخنة.

فقد أثارت سلسلة من أشرطة الفيديو، التي كان بعضها أكثر بدائية وزيفاً بشكل واضح من غيرها، اللغط والاتهامات في أوساط الجمهور، وطرحت التساؤلات المشروعة، أكثر من السابق، حول أبرز هؤلاء الثلاثة الذين يعتبرون أبرز السياسيين الأميركيين وكل منهم قد تخطى سنّ السبعين. فالطريقة التي سيزاولون نشاطاتهم الانتخابية وفقها خلال الـ 14 شهراً المقبلة ستقرر مسار الوطن.

وإذا بدت هذه الحملة السامة من الإعلانات الهجومية صادمة، فإن ما يثير قدراً أكبر من الذهول هو عدم وجود أي جديد فيها. فالسياسة البذيئة ظلت حاضرة دائما في الحملات الرئاسية، لابل كانت هي التي غالباً ما قررت مسار الانتخابات. 

فحين تتحكم افتراءات ترمب وهجماته الطائشة والمتكررة بالخطاب السياسي والتغطية الإعلامية، قد لا يكون من المفاجئ أن يتذكر المرء انتخابات عام 2000 الرئاسية، حين روّج أنصار جورج دبليو بوش، الذين يعتبره البعض حالياً كمثال "محترم" للرئيس الجمهوري، شائعات مفادها أن جون ماكين، منافسه في الانتخابات الأولية، والد طفل "غير شرعي" أنجبته له امرأة أميركية- أفريقية.

كانت تشويه السمعة تلك أكثر إيذاء لأنها اختلقت الأكاذيب على أساس حقيقي وهو أن ماكين وزوجته سيندي كانا قد تبنيا طفلة، سمياها بريجيت، من بنغلادش. وفي استطلاع للرأي عبر الهاتف، صُمّم لنشر الإشاعة بدلا من الحصول على آراء المستطلَعين الحقيقية، سُئل الناخبون: "هل سيزيد احتمال تصويتك لجون ماكين أم سيقل، إذا عرفت أنه أنجب طفلة سوداء غير شرعية؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان ماكين الذي جاءت حملته "المستقلة" إلى ولاية كارولاينا الجنوبية، قد فاز للتو في الانتخابات الأولية في نيو هامشاير، وفي كتاب مذكراته، "يستحق القتال من أجله: تربية أميركي مستقل "، قال عن تلك الإشاعة إنها تصل إلى مستوى التشهير. وأضاف أنه "لم يكن هناك أي شيء أستطيع فعله تجاه الهجمات السرية على سمعتي عدا القيام بما هو يناقض هذا التشهير".

من جهته أنكر بوش أي علاقة له بهذا التشهير، لكنه فاز بولاية كارولاينا الجنوبية، ثم فاز بترشيح الحزب الجمهوري له، وبعد ذلك هزم المرشح الديمقراطي، آل غور، بهامش لا يتجاوز 537 صوتا في فلوريدا ووصل إلى البيت الأبيض.

لم يكن الأمر مختلفاً مع بوش الأب الذي استعمل هو الآخر ألاعيب سياسية قذرة. ففي انتخابات عام 1988 التي خاضها ضد مايكل ديوكاكيس، استخدمت حملة بوش الانتخابية اعلان ويلي هورتون المعروف حالياً بسمعته السيئة، لربط المرشح الديمقراطي بسجين أميركي أفريقي أطلِق سراحه وفق برنامج قائم على منح إجازات للسجناء أقرته ولاية ماساشوستس حين كان ديوكاكيس حاكما لها، وبعد ذلك قتل ذلك السجين امرأة. كان ديوكاكيس متقدما على بوش الأب في استطلاعات الرأي، لكن الحملة المشحونة بالعنصرية أضرت به كثيرا وبذلك تمكن الجمهوريون من الحكم ثلاث فترات رئاسية متعاقبة. 

يمكن القول إن هذا النهج كان موجوداً منذ أول انتخابات رئاسية جرت في الولايات المتحدة. فالمؤرخ ريك شينكمان، مؤلف كتاب "الطموح الرئاسي: الفوز بالسلطة بأي ثمن كان"، أشار إلى حيل بذيئة تعود إلى بداية تشكل أميركا كدولة ذات نظام جمهوري مستقل.

وقال المؤلف لصحيفة " اندبندنت" إن " الانتخابات كانت نظيفة في دورتيها الأولى والثانية، لكنها بعد ذلك أصبحت قذرة... حتى أن الرئيس الأميركي الأول، جورج واشنطن، اشتكى من أنه تعرض لهجمات أكثر من تلك التي استهدفت الامبراطور الروماني نيرو".  

وعندما كان الإعلام أكثر انحيازا مما عليه الآن، قاوم الرئيس الثالث للولايات المتحدة، توماس جفرسون، اتهامات بأنه أنجب أطفالا من واحدة من نسائه العبيد، واستطاع أن يهزم الرئيس آنذاك جون آدامز. وبعد حوالي 200 سنة، أقر المؤرخون أخيرا أن جيفرسون كان على علاقة طويلة الأمد بسالي همينغز التي كانت تعمل لديه في مزرعة مونتيسلو، إذ انجبت له ستة أطفال.

يقول الخبراء إن الحيل السياسية القذرة ظلت من الأدوات الانتخابية منذ تلك الايام الأولى وحتى وقتنا الحالي مروراً بحملة نيكسون الرئاسية لعام 1972 ضد جورج ماكغوفرن، لأنها تنجح باستمرار. في هذا السياق قالت إلَين كامارك، وهي مديرة مركز " نحو إدارة عامة فعالة" في "معهد بروكينغز" البحثي وأستاذة في جامعة هارفارد، إن هذه الحملات غير النظيفة "غالبا ما تكون فعالة... فعادة، تبدأ الإجراءات العملية للحملة الانتخابية بشكل إيجابي، لكنها تصبح سلبية إذا اقتنع المشرفون على الحملة أن هذا النهج لن يرتد لصالحهم".

وأفادت كامارك أن الانترنت زاد من كمية الرسائل والمعلومات المضللة التي يمكن ترويجها، وكيفية توجيهها ضد مجموعات محددة. وإذا كان قانون "الوقوف إلى جانب إعلانك" الصادر عام 2002 والمعروف أيضا باسم "قانون ماكين-فينغولد"، يستوجب التعريف بأي إعلان تلفزيوني أو إذاعي صادر عن فريق حملة انتخابية أو حزب، وذلك عادة من قبل المرشح بقوله " أنا أؤيد هذه الرسالة" التي يحملها الإعلان، لكن طلبا كهذا غير موجود على الإعلانات المنشورة على شبكة الانترنت الذي أصبح وبشكل متزايد ميدان معارك حامية مهمة.

 هذا يعني أن معلومات أقل تتوفر للناخبين عما إذا كان أي إعلان يزعم أن مرشحا ما يكره المسلمين هو رسالة رسمية منه فعلاً، أو هو أحد نشاطات اللجان السياسية الكثيرة التي تحصل على تمويل هائل، أو أن ليس سوى مجرد معلومات مضلِّلة صادرة عن روسيا.

في الوقت نفسه، تكافح وسائط التواصل الاجتماعي العملاقة لتحديد أفضل الطرق للإشراف على المحتويات ووضع ضوابط لها. وكان أسوأ أشرطة الفيديو هو ذاك الذي عمد خصوم بيلوسي إلى فبركته لها مما دفع موقع يوتيوب إلى سحبه، مشيراً إلى أن الشريط ينتهك المعايير، لكنه ما زال معروضا على موقعي تويتر وفيسبوك، على الرغم من أن الأخير اعتبره زائفا، لكنه في نهاية المطاف شوهد من قبل ملايين الأشخاص، وتظهر فيه رئيسة مجلس النواب الديمقراطية، وهي تتفوه بلغة مشوهة في خطاب مزعوم لها.

من جانبها أشارت كارولاين أور، وهي مختصة بعلم السلوك في جامعة كومنويلث فرجينيا، إلى إن الحملات الانتخابية السلبية والحيل القذرة تلعب دورا في المشاعر.

عن هذه الحيل قالت العالمة أور" إنها تهدف إلى إثارة المشاعر كي لا يقيّم الأشخاص المعلومات بطريقة انتقادية كما قد يفعلوا في الحالات العادية، بل يتلقونها كما هي ويتبنونها ... إنها تنجح في غالب الأحيان لأنها تغذي القناعات التي يحملها الناس أنفسهم، فإذا كان أحدهم غير مطمئن للهجرة وشاهد إعلانا تحريضيا حول ذلك الموضوع، فمن المرجح أن يصدقه من دون معاينته معاينة متأنية. لقد أثبتت مخاطبة المشاعر مرة تلو أخرى أنها الأكثر تأثيرا".

وأضافت أور أن معظم الناس يعتمدون اليوم على وسائط التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار وهذا ما جعلهم أكثر فأكثر منعزلين عن وجهات النظر الأخرى "لأن الخوارزميات التي تستعملها المواقع تكتشف ما يريد المتصفح ان يقرأه".

ومن بين الطرق التي غيّر عبرها ترمب كرئيس المعايير المتعارف عليها، هو أن يتقدم بنفسه إعلاناته الهجومية ضد آخرين. وفي مرات عدة، زعم الرئيس، 73 سنة، أن بايدن، 76 سنة، قد فقد عقله".

ففي لقاء له مع مراسلين صحافيين خلال هذا الصيف قال ترمب "اسمعوا، جو عاجز عقليا". وجاء هذا التصريح بعد سلسلة من الهفوات وقع فيها المرشح الديمقراطي جو بايدن خلال حملاته الانتخابية حين ذكر أمام أحد الحشود أن " الأطفال الفقراء أذكياء وموهوبون بقدر ما هم الأطفال البيض كذلك ".

كذلك أعاد كل من ترمب، ومحاميه الذي يشبهه رودي جيلياني، نشر عدة لقطات فيديو مفبركة لبيلوسي على موقع تويتر، وأضاف الرئيس في "منشوره" بخط عريض قائلاً "بيلوسي تُتَأتِئ في مؤتمر صحافي".

يتمتع اليسار بالإمكانات اللازمة لفبركة إعلانات مسيئة لترمب، وإن كان اليمين يسبقه في مجال القدرة على الفبركة. غير أن بايدن لم يلجأ بعد إلى هذا الأسلوب وما زال يفضل إطلاق الشتائم الشخصية مباشرة ضد الرئيس. ويبدو أن نائب الرئيس السابق وحملته يصران على بقائه حادا كما كان دائما وعلى الرغم من الشكوك حول عمره بين البعض من أنصاره، فهو يبقى المرشح الديمقراطي الأول، إذ يتقدم على منافسيه الديمقراطيين في استطلاعات الرأي بما يتراوح بين أربع وثماني نقاط.

وفي هذا السياق قال ديفيد مارك، وهو أحد كبار الصحافيين في "واشنطن إكزامِنَر" ومؤلف كتاب "تشويه السمعة: فن الحملات السلبية"، إن الشيء الآخر الذي فعله ترمب هو رفع مستوى ما هو صادم. ومن بين مستشاري حملة ترمب الأوائل كان الميداني روجر ستون الذي يحتفي دائما بسمعته كـ "مخرب سياسي". ففي يناير (كانون الثاني) الماضي نفى أن يكون مذنباً بتهم التلاعب بالشهود الذين استدعاهم روبرت موللر في إطار التحقيق الذي أجراه بما يخص تدخل روسيا في انتخابات 2016 الرئاسية واحتمال التواطؤ مع حملة ترمب.

وأضاف مارك قائلا "بالتأكيد، الحملات ستصبح أكثر حدة"، بعد مرور أشهر قليلة. ففي حالة نيل بايدن ترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، يجب عليه أن يتوقع هجمات كثيرة على شعره، على حد قول مارك، خصوصا وأن شعره الآن أكثر كثافة مما كان عليه خلال الثمانينات من القرن الماضي حين كان سيناتورا أصلعاً تقريبا.

وتابع "على الرغم من أن الحملات الانتخابية ستكون أسوأ مما كانت عليه من قبل، أنا لست متأكدا من أنها ستؤثر كثيرا لأن الناس اعتادوا على هذا الأمر".

وزاد مارك قائلاً "إن من الصعب صدم الناس هذه الأيام، سواء كان في مجال السياسة أو في أي مجال آخر. عليك أن تجلب شيئا جيدا فعلا لجعله يبقى في ذاكرة المتلقي، وهذا أصبح يوما بعد يوم أشد صعوبة".

© The Independent

المزيد من دوليات