وسائل الاعلام في الانتخابات الرئاسية التونسية... بين الحياد والتبعية

انقسمت مواقف هذه المؤسسات من المرشحين واختار البعض التحول لناطق رسمي

المتظاهرون يحملون لافتات للمطالبة بالإفراج عن المرشح الرئاسي المسجون نبيل القروي (غيتي)

مع انطلاق حملات الانتخابات الرئاسية في تونس، تجندت وسائل الإعلام المحلية لا سيما المحطات التلفزيونية والإذاعات لتغطية الحملة ونشاط المرشحين الـ 26. وانقسمت مواقف هذه المؤسسات الإعلامية بين الحياد والوقوف على المسافة نفسها من كل المرشحين، بينما اختار البعض التحول لناطق رسمي أو مشارك في الحملة الانتخابية لأحد المرشحين.

تنظيم قانوني نظري

الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ومعها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، وهما المؤسستان الدستوريتان المسؤولتان عن الإشراف على الانتخابات ومراقبة وسائل الإعلام وعملها في تغطية الحملات الانتخابية، نشرت دليلاً يضبط قواعد العمل في الحملة الانتخابية الرئاسية والتشريعية لوسائل الإعلام، والتزامات هذه الوسائل بالنسبة لبرامجها الإخبارية والحوارية أو المناظرات السياسية وضبط شروط إنتاج البرامج والتقارير والفقرات المتعلّقة بالحملات الانتخابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عقدت الهيئة ندوة صحافية تحدث فيها رئيسها النوري اللجمي عن مراقبة الهيئة لعمل المؤسسات الإعلامية والمخالفات التي ارتكبتها، خصوصاً دور بعض المؤسسات التي تحولت لمنابر دعاية لمرشح من دون سواه وعدم قدرة الهيئة على إيقاف بث ثلاث محطات تلفزيونية بسبب الغطاء السياسي الذي تحظى به من أحزاب كبيرة.

وقال اللجمي إن إحدى القنوات التي تعبر عن موقف المرشح نبيل القروي الموقوف في السجن كانت في عام 2014 تقوم بالممارسات نفسها لدعم حملة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وعجزت الهيئة عن إيقاف بثها بسبب الغطاء السياسي حينها، وأضاف أن هذه القناة تقود حملة المرشح نبيل القروي بينما هناك محطتا تلفزيون تبثان بشكل غير قانوني وتحظيان بحماية حركة النهضة وفشلت الهيئة في إيقاف بثهما.

المناظرات صنعت الفارق

الإعلام العمومي شكل الاستثناء في الحملات الانتخابية، وقدم مبادرة جديدة تعتبر الأولى من نوعها بإجراء مناظرات بين المرشحين على امتداد ثلاثة أيام، وبالتعاون مع عدد كبير من المؤسسات الإعلامية والهيئات التونسية والأوروبية التي شكلت حدثاً فارقاً في تحديد موقف عدد مهم من الناخبين تجاه مرشحيهم، وأظهرت شخصياتهم على حقيقتها بعيداً من صناعة التسويق الإعلامي التي تقوم بها شركات مختصة في الدعاية السياسية.

الإعلامية مبروكة خضير التي شاركت في الإعداد لهذه المناظرات بينت للموقع أن المناظرات بادرة أولى أمنت تكافؤ الفرص لكل المرشحين للوصول لجمهورهم، وتعتبر مبادرة تاريخية في ديمقراطية حديثة تضمن حرية التعبير وتحافظ على حق الجميع في التعبير، وأن مشهد الليلة الأولى من المناظرة كان تاريخياً حيث وقف جميع المرشحين ومنهم من يمثل النظام السابق، ومنهم من معارضيه على المسافة نفسها، وكان ذلك أشبه بالحلم في زمن النظام السابق.

واعتبرت خضير أن المناظرات حققت مكسبين رئيسيين أولهما توحيد عدد كبير من وسائل الإعلام العمومي والخاص في بث ومشاركة موحدة، وثانيهما أن أهمية هذه التجربة تجاوزت الحدود المحلية وحظيت بتغطية لوسائل إعلام عربية ودولية ما يعتبر نقلة نوعية في دور الإعلام التونسي بتثبيت أسس الديمقراطية.

ونبهت خضير إلى أن هذه المناظرات التي وحدت الإعلام التونسي على ما فيه من تشتت كبير، لم تستطع أن تجعل من هذا الإعلام متحملاً لمسؤولياته في إنارة الرأي العام من مسألة الانتخابات، وأنه لم تتم تهيئته من خلال وسائل إعلام مسؤولة لفهم الكثير من القضايا المتعلقة بالانتخابات، والمواطن لا يعرف ما هي الهيئات الدستورية ودورها، وهذا يضع المسؤولية على وسائل الإعلام في العمل قبل الانتخابات بمدة طويلة لتهيئة الرأي العام لفهم التطورات التي تشهدها تونس وإعداده للمشاركة بكل ديمقراطية فيها.

تنافس غير شريف

من جهته، اعتبر الإعلامي وصفي بصيلة مقدم برنامج حواري في إحدى المحطات التلفزيونية، أن المشهد الإعلامي انقسم في هذه الانتخابات الرئاسية إلى ثلاثة مستويات، أولها الإعلام العمومي والمحطات التلفزيونية الرسمية التي كانت في مستوى عال من الحياد، لكنها أضاعت فرصة تحقيق السبق الصحافي في حواراتها مع المرشحين، وركزت على الحياد والمهنية أكثر من المضمون السياسي.

أضاف أن بعض المؤسسات الإعلامية المملوكة لمرشحين للانتخابات الرئاسية، مثلاً قناة "نسمة"، ابتعدت بشكل كبير عن الحياد والصدقية وتحولت لبوق إعلامي مكتفية بدور الدفاع عن مرشحها الذي يقبع في السجن. كما أن هناك مؤسسات إعلامية أخرى كان واضحاً توجهها في خدمة أجندات محددة لخدمة مرشحين مثل رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بينما هناك محطات تلفزيونية كانت تقف بوضوح مع معارضيه واستقبلتهم جميعاً، بل وذهبت لحد إجراء حوار مع أحد المرشحين الفارين من تونس سليم الرياحي.

واعتبر بصيلة أن التجربة كشفت الكثير من الحقائق في المشهد الإعلامي التونسي، ونتائجها ستكون انعكاساً لما ستفرزه الانتخابات، خصوصاً أن بعض هذه القنوات تجاوز كل حدود المهنية والحياد وتحول إلى منصة إعلامية مدفوعة الأجر.