"الغرافيتي في مصر ... ثماني سنوات من صراع الجدران والنظام

"عيش، حرية، عدالة اجتماعية" مقابل "إسلامية، إسلامية"

غرافيتي على جدار في أحد شوارع القاهرة (Revolution Graffiti- Street Art of the New Egypt)

كتب هؤلاء عبارات تطالب أولئك بالرحيل. ورد أولئك بشعارات تنم عن الوضع القائم آنذاك. إنه "أذن من طين والأخرى من عجين". لكن إذ بهؤلاء ينقسمون على أنفسهم، قسم يرسم "عيش وحرية وعدالة اجتماعية"، وآخر يطبع "إسلامية إسلامية". وأمام هذا الانقسام، انشطرت الجدران بين دبابة ضخمة يقف أمامها صبي نحيل الجسد، ولحية مهيبة تخفي وجهًا عبوسًا يبتلع النساء والأهرامات ونهر النيل.

بعد طول انشطار، تتوحد الغالبية خلف تلك الجدارية الضخمة التي تعلو سينما "بالاس" المواجهة للبوابة الجانبية لقصر الاتحادية الرئاسي، حيث ممثل عن الجماعة يلتهم البلاد ومعها حفنة من العباد صارخًا "دي بتاعتي أنا" (هذه ملكي).

أما هذه الأيام، فقد عادت الجدران إلى منى التي تعد أحمد بعشق حتى النهاية، وأحمد يرد عليها ملطخًا الجدار"معًا إلى الأبد".

أبدية الرسوم

أبدية رسوم الغرافيتي التي حلم بها راسموها ومحبوها، كل بحسب أيديولوجيته وقائمة أولوياته وغاياته المتمناة، تحولت إلى فناء تحت طبقات الطلاء المتواترة تارة وعودة منظومة كتابات الحائط إلى المربع صفر، مربع ما قبل ثورة 25 كانون ثاني (يناير) 2011 تارة أخرى.

ثورة يناير فتحت أبواب الغرافيتي على مصاريعها أمام المصريين. أهلتهم لفكرة الثورة الشعبية. "إنزل" "إرحل" "أصرخ"!  دغدغت مكامن الرغبات فحفرت "عيش حرية عدالة اجتماعية"! دقت على أوتار ضغائن قديمة وأسباب كبت عميقة "الشرطة بلطجية" و"يسقط مبارك وعائلته" و"إللي كلف مامتش" (في إشارة إلى تكليف الرئيس الأسبق مبارك رجالاً من نظامه لإدارة شؤون البلاد). وبعد انتهاء الدق، حانت لحظة تقسيم الكعكة. وبعد ما كانت الكتابات تعكس قيمًا ثورية ومطالب حقوقية تجمع الجميع ولا تفرق، فرضت اللحظة على الجدران تقسيمة تنبئ بدولة دينية على الأبواب.

إسلامية إسلامية

"إسلامية إسلامية رغم أنف العلمانية" و"الشعب يريد تطبيق شرع الله" تسللت إلى جدران الميادين بعد عام من ثورة الربيع. وبدلاً من مطالب العيش للجميع والحرية للمصريين والعدالة الاجتماعية لتقريب الطبقات، استحوذ القادمون الجدد على جانب من الجدران محولين إياها "غرافيتي ثيوقراطي" حاملاً ملامح الدولة الدينية.

ولأن الغرافيتي هو في الأصل أداة ثورية وكتابات عكس التيار وحروف تضرب بالمفروض عرض الحائط، فقد تفجرت الجانب الآخر من الجدران بعد عام من ثورة يناير بمحاولات فنية وكتابية لاسترداد الثورة المسلوبة والمطالب المنهوبة.

ومازال جانب من جدران المدن المصرية الكبرى يحمل كلمتين أو وجهين أو أثرين من آثار فنانون الغرافيتي الثائرين على جماعة الإخوان المسلمين وشركاء الحكم وكعكة مصر من الجماعات الدينية.

ممنوع دخول الإخوان

"الإخوان كاذبون" و"يسقط حكم المرشد" و"ممنوع دخول الإخوان" كتابات جدارية صاحبتها لحى على وجوه دون ملامح تعكس صحوة شعبية متنبهة إلى سطوة الجماعات الدينية. وعلى الرغم من تبدد غرافيتي القوى الثورية المطالبة بإسقاط حكم الإخوان في عام 2012، وذلك تحت طبقات متواترة من الطلاء والطلاء المضاد، إلا أن جدران صغيرة في أحياء بعيدة لم تصل إليها فرشاة الطلاء تحمل بقايا من أربعة أحرف "تاء وميم وراء ودال".

ومن دعوات التمرد الجدارية وخطواتها على أرض الواقع إلى نبش أنصار الجماعة ومحاولاتهم تلطيخ الجدران باتهامات سابقة التجهيز وتنميطات معرفة مسبقًا حيث المطالبين بإسقاط حكم الجماعة "صهاينة" و"يهود" و"أعداء الدين والرسول (ص)".

يتذكر سامح منصور (47 عامًا) (مهندس) والذي يسكن على مرمى حجر من ميدان النائب العام هشام بركات الذي راح ضحية حادث إرهابي (ميدان رابعة العدوية سابقًا) كيف تحولت جدران المنطقة إلى "سيسي قاتل ومرسي راجع إن شاء الله" بين ليلة وضحاها. صحيح أن الجدران التي يشير إليها لا تحمل حاليًا أيًا من هذه الكلمات، أو غيرها من قوائم الاتهامات الجدارية التي سطرها الإخوان أينما ذهبوا في عام 2013، إلا أن الذكريات لا تملك إلا أن تتواتر. ففي تلك الآونة، تحول الغرافيتي المندد بالجيش والشرطة ووزير الدفاع والشعب الماجن المطالب برحيل الجماعة إلى خير مطلق، وذلك بعد ما كان أثناء عام من حكم الجماعة "خروجًا على الشرع" و"انتهاكًا لحق الطريق" و"خرقًا للممتلكات العامة" و"جورًا على الأملاك الخاصة"!

حاملو الفرشاة

وعلى الجدران البعيدة عن أعين مسؤولي النظافة وحاملي فرشاة الطلاء الحكومية آثار مبتقية تحمل عبارات مسيئة للرئيس السيسي ومن يؤيدونه. صحيح أن حرب الطلاء تظهر واضحة جلية حيث الأنصار يشطبون على إسم "السيسي" السابق لصفة "قاتل" ويكتبون "مرسي"، ليعاود أحدهم الجرة ويسطر "السيسي" مجددًا، إلا أن محاولات التأريخ لسنوات ثمان مضت من خلال الجدران صارت مستحيلة.

"استحالة محو الغرافيتي" الأشهر المرسوم على هيئة جدارية ضخمة أعلى سينما "بالاس" المواجهة لقصر الاتحادية في مصر الجديدة تحول إلى ممكن. عشرات العمال المعلقين على الحبال هذه الآونة حولوا الرسم الغرافيتي الضخم الذي تحول عبر أشهر التخلص من حكم الإخوان إلى مزار ثوري سياحي لالتقاط الصور إلى واجهة صفراء باهتة لا لون لها أو طعم ولكن برائحة نفاذة هي رائحة الطلاء الذي محى تأريخًا جداريًا رائعًا.

شهور العسل لا تدوم

روعة التأريخ لسنوات مصر الثماني الماضية يتبلور بعضها في كتاب المصورة السويدية المعروفة ميا غرندال الصادر في عام 2013 تحت عنوان ""غرافيتي الثورة: فن الشارع لمصر الجديدة". تشير غروندال إلى رسم الدبابة الشهير أسفل جسر كوبري 6 أكتوبر في منطقة الزمالك لأشهر فناني الغرافيتي "جنزير". الدبابة المرسومة بالحجم الطبيعي تواجه صبياً على دراجة يحمل الخبز. بعدها بأسابيع وقعت أحداث ماسبيرو ودهست المدرعات عددًا من المتظاهرين في مشهد مازال غامضًا حيث أقاويل متضاربة حول هوية قائد المدرعة، فإذ بفنان الغرافيتي "خالد" المعروف ب"الفيل الطائر" يضيف عددًا من الأشخاص أسفل دبابة "جنزير". إلا أن الإضافة المسيسة لم ترضي القادمون الجدد إلى السلطة من الإسلاميين، فتوجهوا إلى الرسم وحولوه إلى احتفاء شعبي بالدبابة. كان هذا وقت شهر العسل بين الإسلاميين والجيش. لكن شهور العسل لا تدوم طويلاً، وكذلك شهور اللهو.

"اللهو الحرام" – بحسب توصيف مشايخ السلفية في شتاء عام 2012 في تعليقات غير مباشرة على أحداث مجزرة ستاد بور سعيد- تجد آثارًا لرسومها الغرافيتية على بعض الجدران، لا سيما تلك القريبة من مقري النادي الأهلي في وسط القاهرة وشرقها. الأحداث التي راح ضحيتها نحو 74 مشجعًا شابًا من "ألتراس" النادي الأهلي في مباراة أمام النادي المصري في شباط (فبراير) عام 2012 تبقى تؤرخ لنفسها عبر الرقم الذي يكتب على جدران، ثم يمحى بطلاء ليعاود شباب كتابته مجددًا دون تعليق!

أحمد ومنى معًا إلى الأبد

ودون تعليق أيضًا تعاود جدران المدن المصرية عودتها إلى النقطة صفر. فعلى الجدران القريبة من المدارس، "سيبويه اللغة العربية" و"أرشميدس الرياضيات" و"أينشتاين الفيزياء" يعلنون عن خدماتهم "المدفوعة مسبقًا في السنتر (مركز الدروس الخصوصية) القريب. ولأن الحياة ضحك وجد ولعب وحب، فإن الجدار المواجه يحمل قلبًا يقطر نقطة دم واحدة تشير إلى تأكيد أحمد لمنى بإنهما سيظلا معًا إلى الأبد.

أبدية غرافيتي العشق لا قيمة ما فعله الغرافيتي الثوري على جدران مصر. صحيح أن واقع الحال يشير إلى أن غزوة الغرافيتي الثورية والثورية المضادة، وحرب الطلاء والطلاء المضاد قد خفتت.

وما الخفوت الغرافيتي الثوري والسياسي والحراكي الحالي على جدران مصر إلا انعكاسًا واضحًا وصريحًا لا ريب فيه لخفوف نجم السياسة في السماء الشعبي، وانغماس الجموع الحاشدة في تفاصيل حياتها اليومية، وتقلص البقية الباقية من "نوستالجيا" الحراك والحنين إلى التعبير على الجدران لتبقى مقتصرة على أثير العنكبوت، ولكن بحذر شديد.

أحدهم كتب قبل سنوات على جدار في شارع متفرع من ميدان "التحرير" الأهشر "لا تخف. إنه مجرد فن شارع"! المثير أن الغرافيتي يخيف كل من يصل إلى السلطة بغض النظر عن توجهاته. فكاتب الغرافيتي اليوم حين يصل إلى السلطة غدًا يتحول إلى كاره لفن التعبير على الجدران. إنها سنة الجدران والنظام.

المزيد من ثقافة