الرصاصة تنطلق في ظلام العرض المسرحي… الجلاد سقط ام الضحية؟

نص الكاتب التشيلي ارييل دروفمان في مهرجان المسرح القومي المصري

من مسرحية "العذراء والموت" في القاهرة (اندبندنت عربية)

ما الذي يمكن أن يحدث عندما يقع الجلاد، بعد زوال سطوته، في قبضة الضحية؟ تلك الضحية التي تمَّ تعذيبُها واغتصابها على وقع الرباعية الوترية للنمسوي شوبرت، والتي أسماها "العذراء والموت". كان الجلاد يتلذَّذ على وقع الموسيقى التي يعشقها، وظلت الضحية على مدى خمسة عشر عاماً تعيش في اضطرابها وعذاباتها ورعبها، حتى بعد تنحية الديكتاتور وحاشيته، ومجيء حكومة جديدة سعت إلى فتح التحقيقات في قضايا الذين لقوا حتفهم جراء التعذيب، وإن أغفلت قضايا الذين تم تعذيبهم ونجوا بحياتهم. ظلت الضحية مصرة على الكلام، لأن التعذيب إذا كان جريمة، فإن الصمت عليه جريمة أشَّد. في هذه الأجواء دار العرض المسرحي "العذراء والموت" للكاتب التشيلي أرييل دروفمان، وقدَّمه طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة أخيراً ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح المصري من وإخراج وتمثيل سماء إبراهيم.

يكتسب نص العرض أهميته كون كاتبه شاهداً على الأحداث، فدروفمان كان مستشاراً ثقافياً لسلفادور أليندي حاكم تشيلي الذي انقلب عليه بينوشيه وقتله في القصر الرئاسي. هاجَر دروفمان من تشيلي واستقرَّ في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن نجا بأعجوبة من الموت، صبيحة الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 1973، حيث كان من المقرر أن يكون أحد المناوبين في القصر الجمهوري - لامونيدا - بصفته المستشار الثقافي للرئيس أليندي، لكن أحداً لم يتصل به، لأن المسؤول عن تنظيم المناوبات شطب اسمه من القائمة، وحينما التقى به دورفمان بعد ثلاث سنوات وسأله عن السبب، أجابه بعد صمت عميق: "كان لا بد من أن يبقى أحد ما حياً، ليروي ما حدث"، وقد تحولت هذه المسرحية إلى فيلم سينمائي عام 1994، من إخراج رومان بولانسكي، بطولة سيغورني ويفر، وبن كينغسلي، وستيوارت ويلسون.

معاناة نفسية

في منزل هادئ في مدينة ساحلية تعيش "باولينا" (سماء إبراهيم) مع زوجها رجل القانون "جيراردو" (إيهاب محفوظ). تعرضت باولينا للاغتصاب بواسطة الطبيب "ميراندا" (محمد يوسف) الذي كان الجلادون يستعينون به ليخبرهم بالحدود التي يتوقفون عندها حتى لا يفقد الضحية حياته أثناء التعذيب، وفي المقابل يختار ضحاياه من الفتيات ليتولى تعذيبهن بالاغتصاب. وبسبب الواقعة التي تعرضت لها، هجرت "باولينا" دراستها في كلية الطب، وظلت على مدى خمسة عشر عاماً في معاناة نفسية رهيبة، وإصرار على حكي ما حدث لها. تتعرض سيارة زوجها لعطل أثناء عودته إلى منزله. يسوق القدر إليه الطبيب "ميراندا" الذي يقوم بتوصيله إلى بيته، وعندما يسمع خبراً في الإذاعة عن تعيين "جيراردو" عضواً في اللجنة التي شكَّلها الرئيس، الذي تولى الحكم بعد بينوشيه، للتحقيق في جرائم التعذيب التي أفضت إلى الموت، يعود إليه ليهنئه بالمنصب الجديد. يصر "جيراردو" أن يبيت "ميراندا" في بيته، لكن الزوجة تكتشف أن هذا الطبيب هو مغتصبها، فتقوم بضربه بعقب المسدس وتقييده، وتبدأ في محاكمته وانتزاع اعترافاته، وسط اعتراض الزوج الذي يتعامل مع زوجته باعتبارها نهاية العرض جاءت مفتوحة، فبينما الصراع محتدم بين الشخصيات الثلاث، تخرج طلقة من المسدس، وسط إظلام، فلا تعرف مَن قتلَ مَن، هل انتقمت الضحية من جلادها، أم أن الطلقة أصابتها هي في مقتل.

هذا العرض على بساطة فكرته، هو عرض تمثيل بالدرجة الأولى. نحن أمام سيدة تمَّ تعذيبها بالاغتصاب ما سبَّب لها عقدة نفسية ظلت ملازمة لها على مدى خمسة عشر عاماً، وزوج يعمل محامياً وطبيعة عمله في لجنة التحقيق تقتصر فقط على جرائم التعذيب التي أفضت إلى الموت، وطبيب ارتكب جرائم اغتصاب ووقع في يد إحدى ضحاياه، وعليه أن ينكر تماماً فعلته وإلا تعرَّض للقتل.

استلزم الأمر استدعاء فكرة "الحرباء" التي وعاها الممثلون تماماً، فأنت طوال العرض تتشكك في كل ما يجري حولك، هل أنت أمام مريضة نفسية بالفعل، تهذي لمجرد شكِها في أن زائرها هو الطبيب الذي اغتصبها، هل يصدقها الزوج أم أنه موقن بمرضها ولذلك يحاول إنقاذ الطبيب من بين براثنها، ثم في لحظات يبدأ في تصديقها، ليعود مرة أخرى إلى التعامل معها باعتبارها مريضة تحتاج للذهاب إلى مصحة نفسية، وهل الطبيب هو فعلاً الشخص المقصود، أم أنه مظلوم بسبب هواجس الزوجة.

شكوك وشخصيات

هذه الشكوك، التي تنتاب المشاهد، راجعة إلى وعي الممثلين بطبيعة الشخصيات التي يقدمونها، وعي رهيف للغاية ينم عن قراءة عميقة للشخصيات وتحليل دوافعها والإلمام بتاريخها، فجاء الأداء التمثيلي بليغاً ومتقناً ومتلوناً بشكل مربك، حتى أنك لا تتوقع ما الذي سيحدث في اللحظة التالية من ردود أفعال، فالعرض لا يسلم لك نفسه إلا قبل إسدال الستار بلحظات، لتعرف أنك كنت أمام ضحية وجلاد بالفعل، من فرط المرواغة و"الحربائية" التي تبنَّاها الممثلون والتي تتماس مع طبيعة النص الذي يعملون عليه، وحتى إذا جاءت النهاية مفتوحة – كما في النص- الذي لم نتبين منه أيهما قتل في النهاية، الجلاد أم ضحيته، فإن العرض من خلال الأداء التمثيلي نجح في أن يضعك وسط هذه الأجواء المرعبة المتوترة، وكيف تكون ردة فعل الضحية عندما يقع الجلاد بين براثنها، وكيف تكون مرواغات الجلاد المتقنة لنفي التهمة عنه.

إنها دراما موجعة وقبيحة، توافرت لها عناصر جمالية متقنة، أخرجتها في صورة بهية وممتعة، فإذا كان التمثيل لعب الدور الأكبر في هذه المتعة، فإن العناصر الأخرى كانت من النسيج الواعي الرهيف نفسه، ديكورات محمود هاشم كانت بليغة، صاغها في شكل احترافي، عبارة عن صالة بيت في مدينة ساحلية، هو أشبه بمنتجع صيفي، وفي العمق تبدو الحديقة الزاهية بخضرتها، وكان حريصاً على الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، وكذلك الألوان التي تعكس طبيعة البيت وساكنيه، ولعبت الإضاءة التي صممها وليد درويش دوراً مهماً في إضفاء المزيد من الجمال على الديكورات، وكذلك دوراً مهماً في تصوير لحظات العنف والاحتدام وغيرها، فبدا التناسق واضحاً بين هذه العناصر، أضف إلى ذلك الأزياء التي ناسبت طبيعة الشخصيات، والموسيقي وضعها "محمد صلاح" وجاءت لتعكس لحظات التوتر التي سادت العرض، وتشير أيضاً إلى وعي واضعها بطيبعة العرض وأجوائه النفسية وردود أفعال شخصياته. على وقع الرباعية الوترية "العذراء والموت" عذَّب الطبيب ضحيته بالاغتصاب، وعلى وقع العرض المسرحي، الذي حمل العنوان نفسه، أمتع صناع العرض مشاهديهم بهذا الأداء الذي يعكس قوة الموهبة عندما تتسلح بالعلم.

المزيد من ثقافة