هيفاء المنصور بعد مشاركتها في مهرجان البندقية: يزعجني إظهار المرأة العربية كضحية

الحنين الى السعودية كان حافز فيلمها الثالث... وتجد التصوير في الرياض متعة

 المخرجة السينمائية السعودية هيفاء المنصور في البندقية (تصوير بريجيت لا كومب)

بفي "المرشّحة المثالية"، تصوّر المخرجة السعودية هيفاء المنصور تداعيات الذكورية في المجتمع السعودي. فبعد "وجدة" (٢٠١٢)، تعود إلى وطنها في ظلّ التغييرات التي يشهدها، بفيلم يتسم ببعض الجرأة، إذ يتصدى لقضية المرأة من دون لف ودوران، ليعلن بصوت عال ما يُقال أحياناً في السر. الحكاية هي حكاية طبيبة شابة "ميلا الزهراني" تترشّح للانتخابات البلدية في الرياض، إلاّ أنّها تواجه تحديات كبيرة لكونها إمرأة. الفيلم بسيط إلى هذه الدرجة، وينتصر لأبسط الحقوق المدنية: الحق في السفر، الحق في المساهمة بصناعة القرارات... خلال مشاركتها في مسابقة الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي ، أجرت "اندبندنت عربية" حواراً خاصاً مع هيفاء المنصور، تحدثّت فيه عن جديدها.

*لماذا عدتِ إلى السعودية لتصوير "المرشّحة المثالية"، بعد فيلمين في الغرب؟

- شعرتُ بالحنين. فيلمان خارج المملكة جعلاني أحنّ إلى أهلي. كلّ ما أقدّمه مستمَدّ من الناس الذين أعرفهم. ثم إنّ السعودية تطوّرت كثيراً. أصبحت لدينا سينما، ونستطيع التصوير في الشارع. في الماضي، كانت المسألة أصعب. لم يكن الاختلاط مسموحاً، ولا التصوير أينما كان. الآن، لدينا تصريح رسميّ ودعم للفنون. وجودي كمخرجة سعودية مهم. شعرتُ أنني أسهم في الحوار الثقافي في المملكة. هذا ضروريّ لنا كفنّانين، ودفعٌ أيضاً للحراك الاجتماعي الجميل. لهذا عدت.

*هل اختلفت طريقة العمل بين أسلوب أكثر احترافية في الغرب، والعمل في بلد لا يزال مبتدئاً في الصناعة السينمائية؟

- السينما لا تزال مولوداً جديداً في السعودية، ونحاول تكوين أدواتنا. ثمة متعة في المشاركة في عملية الولادة وتكوين الوعي السينمائي. صناعة فيلم، صعبة في أي مكان، في السعودية وخارجها. الدقيقة الواحدة قد نصوّرها في ثلاثة أسابيع أحياناً. إنما هناك متعة في التصوير بالرياض.

*الفيلم مدعوم من جهات رسمية. هل يمكن القول إنّه يعبّر عن وجهة نظر رسمية في السعودية، وهل رسم لكِ هذا الدعم حدوداً يصعب تخطّيها؟

- هناك صندوق دعم للمخرجين السعوديين. لا أستطيع القول إنّه يمثّل جهة رسمية بقدر القول إنّه يمثّلني كمخرجة، ويمثّل جيلي. هي قصة شخصية أكثر من كونها رسمية. لم أتعرّض لضغط من الرقابة. شعرتُ أنّ ثمة مساحة حرّية واحتراماً لرأي المخرجين، لهذا يمكن أن نقدّم أفلاماً جميلة تتحدّث عنّا وتنقلنا إلى خارج حدود الوطن، فنحاكي شعوباً أخرى قد تتماهى مع القضية عينها، هي قضية المرأة القائدة أو العاملة في السياسة.

مشاكل المرأة واحدة

*ولكن في أوروبا تختلف المقاربة عمّا هي في الشرق الأوسط...

- صحيح. عملتُ في أوروبا وأميركا، ولا تزال المرأة تواجه الإشكاليات عينها. يطغى المجتمع الذكوري في الشرق الأوسط، إنما، حتى في الغرب، على المرأة تخطّي العقبات لتحقّق نصف ما يحقّقه الرجل. "كلنا في الهوا سوا". في كلّ دول العالم، هناك اليوم دعم للمرأة والأصوات غير الممثّلة أحياناً. حتى في هوليوود، هناك دعم للمخرجين من أصول أفريقية وعربية.

*تتكلّمين أيضاً عن الموسيقى التي يُقدّمها رجال. الفيلم ليس عن المرأة فقط...

- فكرة أن يشاهد الناس عرضاً موسيقياً في السعودية، جديدة. لم يكن الاستمتاع بالموسيقى متاحاً، على الرغم من الأسماء الموجودة: محمد عبده، عبادي الجوهر، راشد الماجد، علي عبدالكريم... لدينا أهم مطربين في العالم العربي، فكنّا نرتاد حفلاتهم خارج المملكة. من الجميل الاستمتاع بهم الآن داخل الوطن. هذا يترك جوّاً مريحاً.

*تغيّر المشهد في السعودية بين فترة صناعة الفيلم وخروجه إلى العلن.

- يتغيّر المشهد، نعم. فالمرأة اليوم قادرة على السفر وتستطيع قيادة سيارة. لديها حرّية التنقّل. على الرغم من ذلك، قلّة من النساء يقدنَ اليوم. ربما لأنّهن اعتدن على فكرة السائق في حياتهنّ. علينا البدء بالتأقلم مع الظروف الجديدة واغتنام الفرص، فتعتمد المرأة السعودية على نفسها كامرأة مستقلة. هذا مهم جداً ليشعر الإنسان باستقلاليته. 

قصة لها قلب

*"المرشّحة المثالية" فيلم نضاليّ في النهاية. ألم تخشي فخّ الكليشيهات والكاريكاتورية في مقاربة قضايا المجتمع ؟ 

- حاولتُ تقديم قصّة لها قلب. المشاعر مهمة للناس، فحين يشاهدون الفيلم، يشعرون بالكفاح، ليس من خلال الدراما، بل من خلال عمق العلاقات. يعنيني إظهار علاقة شقيقتين، فدعم المرأة للمرأة مهم جداً. علينا كنساء احترام بعضنا بعضاً ومساندة بعضنا بعضاً. الرابط بيننا يجب أن يقرّبنا.

*الفيلم نسوي، يقول إنّ مصدر الشرّ في العالم هو الرجل. ولكن أجدكِ قد حيّدتِ الأب قليلاً من خلال علاقته المميّزة مع أولاده...

- لم أرد أباً ذكورياً متسلّطاً. أردته حنوناً يعطي الحرّية لبناته، ويراهُنَّ امتداداً له ويعاملهنّ كشخصيات مستقلّة. من المهم أن نقدّم هذه الشخصية، خارج الصورة النمطية. ومن المهم أن نُظهر أباً يترك لبناته حرّية اختيار مستقبلهنّ.

*إلى أي حدّ تستوحين شخصياتك من أشخاص تعرفينهم في السعودية؟

- إلى حدّ كبير. لديّ شقيقتان مختلفتا الطبع، وعلى الرغم من ذلك، تربطهما علاقات إنسانية جميلة. هما صديقتان. علاقة الشقيقتين في الفيلم تشبه علاقة شقيقتَيّ…

*قلتِ في مقابلة أنّ والدتك كانت تغنّي...

- تحبّ أمي الغناء كثيراً، وصوتها عذب. لكنّها نشأت في مجتمع محافظ، فاقتصر غناؤها على جَمعات الأصدقاء. الآن كبرت ولم تعد قادرة على السفر. بالنسبة إليها، مشاهدة احتفال موسيقي في محيطها، مسألة مهمة. هذا الجيل تعنيه إقامة الحفلات في السعودية وتترك في داخله فرحة.

*انطلاقتكِ كانت من هنا، من البندقية، أخبريني عن شعوركِ الآن...

- فخورة جداً. ساعدني مهرجان البندقية. بدايتي كانت مع "وجدة" في قسم "أوريزّونتي"، واليوم أنا في المسابقة الرسمية. أشعر أنّ حياتي المهنية بدأت مع المهرجان وتطوّرت معه. تربطني به علاقة حميمية.

*سابقاً، كنتِ أول مخرجة سعودية. اليوم أنتِ أول مخرجة سعودية تشارك في مهرجان البندقية، ماذا تنتظرين بعد؟

- مسألة جميلة أن تتكرّر لحظة "أول"، ونتخطّى الكثير، فلا يكون "الأول" هو ما نطمح إليه بل "الأفضل". جيّدٌ كسر الحواجز.

لست ضد الرجل الشرقي

*أشرتُ في مقال لي إلى أهمية تجاوز مسألة السينما السعودية كإشكالية متعلّقة بالولادة أو الوجود، والحديث دائماً عن "أول" مخرجة و"أول" فيلم، للحديث عمّا هو أعمق، كتجسيد الواقع السعودي في السينما وكيفية تقديمه من دون تنميط.

- مهم جداً تفادي التنميط. يزعجني إظهار المرأة العربية دائماً كضحية أو مهزومة. لا أقدّم ضحايا في أفلامي. الظروف التي تواجه المرأة السعودية أو العربية، صعبة ربّما، لكن هذا لا يمنع تحلّيها بالعنفوان والرغبة في تطوير نفسها. من هنا تكسب احترامها. ثم إنني لا أهتم بإظهار الرجل كشيطان. أتعاطف مع الرجل الشرقيّ، هو أيضاً خلاصة تربية ذكورية، تحاصره الضغوط. أقدّم الأب حنوناً، ولديه حسّ العائلة. دائماً ثمة نزاعات عائلية، يظهر فيها الرجل شريراً، أكان أباً أو أخاً. هذا ليس الواقع. أهلنا ليسوا كذلك. علاقاتنا الإنسانية جميلة، ويجب إخراج هذا الجمال. وفي السعودية، أصبحت لدينا ممثّلات يمكن القول إنّهنّ نجمات. لديهنّ الحسّ والوعي وشفافية المشاعر. سعيدة بهذا الجيل الصاعد من الممثّلات.

*هل من تيارات في السعودية قد تعترض على الفيلم؟

- طبعاً، هناك محافظون في السعودية كأي بلد عربيّ آخر. هم لا يزالون متعلّقين جداً بالماضي. الوضع تغيّر. السينما تسير والحياة تسير والمرأة في تطوّر. أحترم المحافظين، فعلينا احترام بعضنا بعضاً. الاختلاف والجدل صحّيان في أي مجتمع. لا نتوقّع أن يشبهنا الجميع أو أن نشبه الجميع، لكنّ الاحترام يولّد مجتمعاً راقياً متعدّد الأطراف. السعودية بلد كبير، نختلف في التقاليد والطبع، إنّما تجمعنا المواطنة. جميعنا مواطنون على الرغم من الاختلاف. 

 

المزيد من سينما