كيف سيؤثر خروج بولتون في السياسة الخارجية الأميركية؟

سلسلة من التباينات العميقة والإخفاقات باعدت بشكل كبير بينه وبين ترمب

على عكس مبدأ استخدام القوة وازدراء الدول المارقة اللّذين اعتنقهما جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي الذي استقال أو أُقيل من منصبه، يتفق كثيرون في دوائر صنع القرار الأميركي على تشكك الرئيس دونالد ترمب حيال تعقيدات السياسات الدولية ورغبته المحمومة في بناء إرث خاص به، ولهذا يُتوقع أن يسعى ترمب بعد إطاحة بولتون العنيد، إلى إعادة حالة التوازن التي تتسق مع غريزته في عدم استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع، إلى جانب التفرد برسم السياسة الخارجية الأميركية والاستمرار في سياساته الرافضة للعولمة والتعددية، ولكن كيف سينعكس ذلك على ملفات السياسة الخارجية الأميركية الشائكة؟

 

طرفان متناقضان

حين عيّن الرئيس ترمب في أبريل نيسان 2018 جون بولتون، مستشاراً للأمن القومي الأميركي، علت علامات الدهشة والحيرة وجوه البعض، وكانوا محقين في ذلك إلى حد بعيد، إذ دخل ترمب البيت الأبيض كشخص غريب كونه من خارج المؤسسة السياسية في واشنطن، بينما أمضى بولتون حياته الوظيفية متنقلاً بين الإدارات الجمهورية ومراكز البحوث والتفكير المحافظة في العاصمة الأميركية.
وعلى الرغم من تشارك ترمب وبولتون في ازدراء اتفاق إيران النووي الذي أبرمه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وتلاقي رغبة ترمب في محو إرث سلفه مع عدم ثقة بولتون بإيران، إلاّ أنّ تباينات كثيرة كانت قائمة بينهما منذ البداية، ذلك أن بولتون كان داعماً لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ولم يثق أبداً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بينما اعتنق ترمب وجهات نظر مغايرة حيال الحلف وسيّد الكرملين.

وكان بولتون على النقيض من سلفه الجنرال إتش ماكماستر الذي سخر منه ترمب وشبّهه ببائع صناديق البيرة، إذ كان مستشار الأمن القومي السابق من أصحاب الرؤى الفكرية الصارمة و"ملاكماً" سياسياً قوياً، خدم في ثلاث إدارات جمهورية، فكان يزدري الأمم المتحدة ولم يحترم كثيراً الاتفاقات الدولية، وتولّدت لديه مخاوف وشكوك تجاه الدول المارقة التي كان يرغب، بعزم أكيد، في التصدي لها لمنع تماديها في أفعالها الخطرة على الأمن العالمي.
وكانت نظرة بولتون في السياسة الخارجية تجمع بين ولعه بالقتال واستخدام القوة، الأمر الذي وضعه على ما يبدو في مسار تصادمي مع ترمب الذي سخر منه وقال إنه سيجر الولايات المتحدة إلى حرب.
الآن وبعد خروج بولتون، كيف ستكون توجهات السياسة الخارجية الأميركية حيال الملفات الشائكة حول العالم؟
مع تماشي وزير الخارجية مايك بومبيو ورغبات ترمب الذي يصر على الانفراد بالقرار، سعياً لتسطير اسمه في التاريخ، تتباين التقديرات تجاه الملفات المختلفة بخاصة أن وكالات الأمن القومي الأميركي ستكون في وضع يسمح لها بتنسيق سياسي أكبر لتقديم رسائل موجزة ونصائح محددة للرئيس.


ما الذي ينتظر إيران؟

كان بولتون لاعباً أساسيا في توجيه السياسة الأميركية حيال إيران عبر تشديد العقوبات وتكثيف حملة "الضغط القصوى". وفي يونيو (حزيران) الماضي، كان بولتون وليس ترمب مَن أعلن عن إرسال حاملة طائرات ومجموعتها الضاربة وعدد من القاذفات الاستراتيجية إلى الشرق الأوسط، في رد على مشاعر القلق التي انتابت الولايات المتحدة بشأن هجمات قوى تساندها إيران ضد القوات الأميركية في المنطقة، ولكن بعدما أسقطت طهران طائرة مسيّرة أميركية "درون"، نصح كل من بولتون وبومبيو ونائب الرئيس مايك بنس الرئيس الأميركي بتوجيه ضربة عسكرية للنظام الإيراني، إلاّ أنّ ترمب تراجع عن هذه الخطوة في اللحظات الأخيرة، ما ترك أمامه فقط خيار استخدام سياسة الضغط القصوى. وبينما لم يخف ترمب رغبته في لقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، إذا ما تم التوافق على الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة إطلاق مفاوضات جديدة حول الاتفاق النووي، فإن ذلك يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط وهي أن ترافق مغادرة بولتون، رغبة أميركية في رفع العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، الأمر الذي يمثل عقبة صعبة لأنها ستصطدم بكل مواقف وتصريحات الرئيس الأميركي السابقة.

أفغانستان لـ"طالبان"
 

وكانت قضية أفغانستان هي التي جلبت النهاية لعلاقة ترمب وبولتون. فمع استيائه من الحرب المستمرة في أفغانستان التي تُعد أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، كان ترمب يقترب من توقيع اتفاق مع حركة "طالبان" الأفغانية، من شأنه أن يطلق شرارة بدء انسحاب أميركي آمن من ذلك البلد.
وظل بولتون معارضاً شرساً لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان قبل نهاية العام الحالي، وقد يكون ترمب اقترب من موقف بولتون حين تخلّى عن إجراء مفاوضات في كامب ديفيد مع قادة "طالبان"، عقب تفجير انتحاري أدى إلى مقتل 12 شخصاً، من بينهم جندي أميركي.
وعلى الرغم من إلغاء ترمب هذا الاجتماع السري، إلاّ أنّ إعلان قراره هذا، أثار قدراً من عدم الارتياح لدى القادة العسكريين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وشعوراً بأن الرئيس يخطط للتخلي عن أفغانستان وتركها للإرهابيين من دون خطة لحماية الحكومة الأفغانية الشرعية قبل الانتخابات العامة.
 

كوريا الشمالية تراوح مكانها
 

تمتّع بولتون بسجل حافل في مهاجمة كوريا الشمالية منذ عمله في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن. ودافع خلال وجوده في البيت الأبيض عن تنفيذ ضربات وقائية ضد بيونغ يانغ وعارض فتح مسار للتفاوض مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأمر الذي وضعه في تصادم مع ترمب، إذ إن الرئيس بدأ جهوداً للقاء كيم وجهاً لوجه.
وأبدى بولتون تذمره في مايو (أيار) الماضي، من إطلاق كوريا الشمالية صاروخين قصيري المدى في انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي، وبعد ذلك بقليل، قال ترمب إن هذه "الأسلحة الصغيرة" لا تزعجه ولكنها تزعج بعضاً من العاملين معه، ليضرب بذلك قلق مستشاره للأمن القومي، عرض الحائط.
وبعد شهر على ذلك، وطأت قدما ترمب أراضي كوريا الشمالية لإجراء اللقاء الثالث مع كيم، بينما حمّل بولتون رسالةً إلى منغوليا. تجاهل ترمب نصائح بولتون مرات عدّة والتقى كيم مرات عدّة، إلاّ أنّه لم يكن متعجلاً لتوقيع اتفاق مع كوريا الشمالية.
 

 

الانفتاح على روسيا
 

على الرغم من أن القرارات النهائية عائدة للرئيس الأميركي، إلاّ أنّ خلاف بولتون مع ترمب كان عميقاً منذ البداية، ولا شك أن رحيل الجمهوري العتيق الذي لم ينظر إلى روسيا خارج إطار الحرب الباردة، سيساعد ولو بقدر محدود في سهولة إعادة العلاقات مع روسيا إلى سابق عهدها، إذ رحّب ترمب أخيراً بجهود الحكومة الفرنسية لإعادة روسيا إلى قمة مجموعة الدول الثماني الكبار مرة أخرى، وهي سياسة عارضها أعضاء في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فضلاً عن معارضة الأوروبيين. ومع ذلك، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إجراء محادثات في أوكرانيا بين الجانبين.
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


عقوبات على فنزويلا

 

وشارك بولتون في اجتماعات، حاملاً عدداً من الوثائق التي تحدد خططاً لإرسال قوات أميركية إلى فنزويلا للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو والحكومة اليسارية هناك، لكن تقديرات مستشار الأمن القومي السابق المفرطة في التفاؤل بسرعة سقوط وانهيار الحكم اليساري في فنزويلا، لم تحدث وأسهم ذلك بقوة في اهتزاز مصداقيته لدى ترمب. لكن دعم واشنطن لزعيم المعارضة خوان غوايدو ما زال ثابتاً وبدأت الولايات المتحدة بالضغط على أوروبا لفرض عقوبات على نظام الحكم اليساري في فنزويلا وتضييق الخناق عليه.
 
بولتون لن يصمت
 

لا شك أن الأصوات المعارضة والمتشككة داخل الإدارة الأميركية صامتة الآن، وستشكل إقالة بولتون سبباً آخر لمزيد من الصمت، لكن أميركا لم تسمع بعد آخر كلمات بولتون، الذي يعتقد كثيرون استناداً إلى تاريخه، أنه لن يصمت مثلما صمت ماكماستر أو جيم ماتيس، وزير الدفاع الذي طرده ترمب من منصبه. فبعد سنتين من تركه إدارة بوش الثانية، شنّ بولتون هجمات عنيفة ضد قرارات الرئيس السابق، الدخول في مفاوضات محدودة مع كوريا الشمالية، وقال "لا شيء يمحو الحزن العميق تجاه الرئاسة الأميركية، فهي في انهيار فكري كامل".

المزيد من دوليات