70 وثيقة حكومية تثبت أن نجيب محفوظ كان موظفا مثاليا

وجه آخر ومجهول لرائد الرواية العربية المعاصرة

نجيب محفوظ الموظف المثالي (متحف محفوظ)

يستضيف متحف نجيب محفوظ في القاهرة معرضاً للوثائق والمستندات الرسمية الخاصة بالأديب الراحل نجيب محفوظ أثناء اشتغاله بالوظيفة الحكومية. تُعرض الأعمال تحت عنوان "نجيب محفوظ بختم النسر" وهو عنوان الكتاب نفسه الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة للكاتب طارق الطاهر رئيس تحرير مجلة أخبار الأدب المصرية. المستندات التي يضمها هذا المعرض هي التي اعتمد عليها الطاهر في كتابه الذي حاول فيه التنقيب عن السمات الشخصية للأديب الراحل من خلال أوراقه الرسمية.

تضم هذه المستندات شهادات التخرج التي حصل عليها نجيب محفوظ في المراحل الدراسية المختلفة، بداية من المرحلة الابتدائية وحتى تخرجه في قسم الفلسفة بكلية الآداب في القاهرة. بين الملفات أيضاً الطلبات والمراسلات الواردة والصادرة بين الإدارات الحكومية التي عمل فيها محفوظ، بما فيها طلبات الإجازات السنوية والمرضية وطلبات الترقية والحصول على العلاوات الدورية. وكذلك التقارير السرية المتعلقة بالأديب الراحل.

37 عاماً في الوظيفة الحكومية قضاها نجيب محفوظ بين عمله في الجامعة ووزارة الأوقاف، ثم وزارة الثقافة بمختلف مسمياتها حتى بلوغه سن التقاعد عام 1971 لم ينل خلالها أي جزاء أو تقييماً متدنياً لآدائه الوظيفي، أي أننا أمام موظف مثالي، ظل طوال عمله الوظيفي ملتزماً التعليمات الحكومية، لا يعترض على شىء، أو  يتأخر عن آداء واجب، حرصاً منه على استمراره في وظيفته التي كان يراها المصدر الوحيد المضمون للدخل وإعالة أسرته. يقول الكاتب طارق الطاهر إنه من المتعارف عليه أن هناك نوعين من التقارير تقوم بها جهة الإدارة لقييم الموظف: تقرير سنوي سري، وتقرير آخر لتقييم آداء الموظف قبل إعطائه علاوة تشجيعية، وهو يتمتع بالسرية أيضاً، وكلاهما موجودان بملف محفوظ الوظيفي، وهي  تقارير تشير إلى أننا أمام موظف مجتهد ويحظى بثقة مرؤوسيه.

حوارات صحافية

يتضمن الكتاب مقتطفات من حوارات سابقة دارت بين الأديب الراحل وبعض الكتاب المصريين مثل محمد سلماوي وجمال الغيطاني ورجاء النقاش. تلقي هذه الحوارات الضوء على الطبيعة الشخصية لمحفوظ وقناعاته التي آمن بها تجاه الوظيفة الحكومية. فهو يقول لجمال الغيطاني مثلاً أنه طالما فكر في ترك الوظيفة أو الإحالة على التقاعد المبكر، غير أنه في كل مرة يكتشف أنه في أمس الحاجة إلى مُرتّبه... وفي هذا السياق يقول محفوظ: "تصور أن المرتب الوحيد الذي كان يكفيني في حياتي منذ بداية الشهر وحتى نهايته كان مرتبي الذي تقاضيته عندما التحقت بوزارة الأوقاف في الثلاثينيات. كان صافي ما أقبضه ثمانية جنيهات، وكانت سنوات الأزمة الاقتصدادية التي أفلس فيها التجار، ولم ينجُ من ضنكها إلا أصحاب الدخول الثابتة، أقصد الموظفين. لم أفكر في الأدب كمصدر دائم للرزق، إن ذلك كان مستحيلاً عملياً" يفسر هذا حرص نجيب محفوظ وتمسكه بالوظيفة، فقد كان مثالاً للانضباط، لا يتأخر عن العمل، ويحصل على إجازاته في مواعيدها، ويؤدي عمله أفضل آداء كما جاء في التقارير الوظيفية المرفقة. يبدو الأمر على هذا النحو كأنه متناقضاً مع طبيعته ككاتب، وعلى الرغم من إقرار نجيب محفوظ نفسه وتخوفه أحياناً من تأثير عمله الحكومي في إبداعه، إلا أنه رأى أن الوظيفة الحكومية أكسبته نوعاً من النظام وترتيب الوقت، لحرصه الدائم على الاستفادة من أوقات فراغه خارج الوظيفة الحكومية.

لم يكن نجيب محفوظ بالموظف المشاغب، ولم يظهر في أوراقه الرسمية أي إشارة إلى ذلك، فقد كان مثار ثقة رؤسائه دائماً. للحفاظ على هذه الصورة المثالية كان محفوظ حريصاً كل الحرص على إخفاء انتمائه السياسي عن الآخرين. يحكي محفوظ أنه حين تولى وزارة الأوقاف وزيراً غير وفدي وقف الموظفون لاستقباله، ووقف هو وزميل له في ركن بعيد، وعندما دخل الوزير هتف الموظفون "يحيا وزير الأوقاف" أما هو وزميله فكانا يهتفان أيضاً ولكن بصوت منخفض "يسقط وزير الأوقاف" والكل يظن أنهما يشاركانهم الهتاف!"

هذا الخوف نفسه من البوح بالانتماء السياسي كان ينتابه حين يكتب نصاً أدبياً يمكن أن يتم تأويله على نحو لا يرضي السلطة. فأثناء عمله في مجلس إدارة مؤسسة السينما نشر محفوظ في جريدة الأهرام قصته القصيرة "الخوف" في عام 1966 وقد انتابه الخوف بعد نشر هذه القصة بالفعل، والسبب كما يروي محمد سلماوي في كتابه "في حضرة نجيب محفوظ" هو تداعيات هذه القصة... يقول محفوظ "منذ نشر القصة في الأهرام بدأ يكثر الهمس حولها، ومن ترمز إليهم شخصياتها، وفي أكثر من مرة اعترض طريقي في الشارع بعض الضباط، وكانوا يسألونني مباشرة ماذا كنت أقصده من القصة، ومن هو المقصود بالضابط المستبد بطلها، لدرجة أنني اقتنعت أن تلك المقابلات في الطريق العام لم تكن من قبيل المصادفة وإنما كانت نوعاً من التحقيق غير الرسمي. تعكس هذه الرواية التي أوردها محمد سلماوي في كتابه توجس نجيب محفوظ من السلطة ووضع سخطها أو رضاها في حساباته واعتباره. ألا يحتاج الأمر إذاً إلى البحث حول تأثيرات هذا المناخ السلطوي في أدب نجيب محفوظ؟ وماذا كان يمكن أن يكون عليه الحال إذا لم تكن هذه السلطة كما هي عليه، أو أن أديبنا كان يعيش في مناخ آخر تكون فيه السلطة أكثر تقبلاً للنقد. هل كان سيتغير شيء؟ هل كان سينعكس هذا المناخ على طبيعة أعماله وما تحمله من رموز وإسقاطات مباشرة أو غير مباشرة؟

نجيب محفوظ رقيباً

تولى نجيب محفوظ منصب مدير الرقابة على المصنفات الفنية في نهاية عام 1959، وأثناء فترة توليه هذا المنصب والتي لم تدم سوى عام ونصف العام تقريباً، أُجريت معه العديد من الأحاديث الصحافية التي تضمنت رؤيته في عمل الرقابة. يورد الكاتب طارق الطاهر جانباً من هذه الحوارات التي تعكس رؤيته إلى عمل الرقابة. في أحد هذه الحوارات مثلاً يقول محفوظ في سياق تعريفه معنى الرقابة "كلمة الرقابة تعني حماية الآداب العامة، والحفاظ على الأمن العام، والنظام العام، ومصالح الدولة العليا" وهناك قصة أخرى أوردها طارق الطاهر في كتابه اعتماداً على حوار منشور بين نجيب محفوظ والكاتب رجاء النقاش، وهي تخص حذف بعض أغاني صباح التي تضمنها أحد أفلام المخرج الراحل عز الدين ذو الفقار، إذ رأى محفوظ حينها أن هذه الأغاني تؤديها المطربة صباح بطريقة مثيرة، وكان من اللافت في هذا الحوار قوله إن ألحان عبد الوهاب لهذه الأغاني كان فيها إثارة جنسية فاضحة، ولهذا فقد رأى أن من واجبه حذفها من الفيلم.

المزيد من ثقافة