Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الملكة الغامضة" سيرة جديدة لماري أنطوانيت التي أشعلت الثورة الفرنسية

ما زالت تشغل بال المؤرخين والكتّاب بصعودها و تكوينها الفكري علاقاتها الغرامية وأسلوب عيشها المستهتر

ملكة فرنسا ماري أنطوانيت بريشة غوتييه داغوتي (متحف أورليان)

ما هو الدور الحقيقي الذي لعبته الملكة ماري-أنطوانيت في إنهاء النظام الملكي واندلاع الثورة التي هزّت فرنسا بين الأعوام 1789 و1799؟ هذا هو السؤال الذي يحاول المؤرخ شارل-إلوا ڤيال الإجابة عليه علمياً انطلاقاً من دراسة الوثائق والأحداث التاريخية في سيرة رائعة صدرت أخيراً في باريس (بيرّان) عن "النمساوية" التي ما زالت تشغل بال العديد من المؤرخين والكتّاب والروائيين والسينمائيين، لا سيّما في الذكرى الـ250 لتولي لويس السادس عشر عرش فرنسا، وهي بعنوان "ماري-أنطوانيت، الملكة الغامضة".

يشكل هذا الكتاب واحداً من الكتب العديدة التي تعدى عددها 400 والتي نُشرت، هنا وهناك، حول الملكة التي قُطع رأسها عام 1793. هو ثمرة جهد علمي استغرق سنوات من الإعداد، فجاء متميّزاً عن كل السيّر السابقة من حيث تفكيكه لطبقات من الروايات التاريخية المتواترة، وذلك من خلال العودة إلى المصادر والمراجع العلمية وأرشيف المراسلات والوثائق والكتب، التي سمحت لمؤلفه، وهو باحثٌ ومؤرخ حائزعلى شهادة دكتوراه في التاريخ وحافظ لقسم المخطوطات في المكتبة الوطنية الفرنسية، من دراسة الدور السياسي والدبلوماسي لملكة فرنسا، من دون أن يتجاهل علاقتها بزوجها وأطفالها وأصدقائها، بمن فيهم الكونت السويدي آكسيل فون فيرسين.

 يسلط الكتاب الضوء على تأثير الملكة على الحكومة وعلاقتها مع مختلف وزراء لويس السادس عشر في تمييز صريح بين الواقع التاريخي والصور الرائجة عنها، سواء تعلقت بظروف زواجها المدبّر عام 1770، أو بصعودها إلى العرش، أو بتكوينها الفكري، أو بعلاقاتها الغرامية وأسلوب عيشها المستهتر بتقاليد فيرساي وجشع أصدقائها والمحيطين بها من النبلاء الذين كانت تقضي معهم معظم أوقاتها في جناحها الخاص أو في القصر الصغير الذي أهداه لها زوجها بعد تتويجه ملكاً. وقد أنشأت على امتداد أراضيه مزرعة ريفية حاولت أن تجد فيها ما عاشته في طفولتها من بساطة ولهو، فضلاً عن بذخها وإسرافها وشغفها بالفنون الترفيهية كالرقص والموسيقى والمسرح، في فترة أفول نجم البلاط، حتى مرحلة المآسي الكبرى، سواء أكانت شخصية أم سياسية. يراجع الكتاب أيضاً القضية الشهيرة المعروفة بقضية "العقد"، وحادثة هروب الزوجين الملكيين الفاشلة في منطقة فارين، وسقوط الملكية والسجن، ثم محاكمتها وموتها المأساوي، بعد أن اقتيدت بعربة مكشوفة دارت بها في شوارع باريس، وقصِّ شعرها، ووضعِها في المقصلة التي قطعت رأسها.

صورة مختلفة

تُظهر هذه السيرة صورة مختلفة عن تلك التي راجت عن ماري-أنطوانيت كملكة تحب الموضة وتزيين الشعر والمجوهرات والحفلات، في حين يعاني الشعب من الفقر والحاجة وزيادة الضرائب، فتعكس صورة امرأة تراودها أفكارٌ سوداوية، تتطلع باستمرار إلى بعض من الطمأنينة وتواجه بشجاعة هائلة تدني شعبيتها.

يقدم لنا المؤرخ شارل-إلوا ڤيال إذاً عملاً طموحاً يجمع بين منهجية البحث العلمي وفن السرد، مما يشجع المهتمين بسيرة الملكة وتاريخ فرنسا على قراءة هذا الكتاب المؤلف من 720 صفحة والذي يشتمل على مقدمة وخاتمة وثلاثة أقسام، إضافة إلى الهوامش ولائحة المصادر والمراجع وفهارس الإعلام والأماكن. فمن هي حقاً ماري-أنطوانيت بحسب دراسة ڤيال؟ وهل بإمكان هذه السيرة الجديدة أن تعطينا فكرة تقريبية عن هذه المرأة الغارقة في عالم الثورات المتوحش؟ أو هل بإمكانها أن تقدم لنا محاولة فهم للدور الذي لعبته في نهاية النظام الملكي القديم؟ قد لا تكون الإجابة عن هذه الأسئلة سهلة. إلا أن الكتاب الجديد يزيدنا قناعةً أن الصور المعروفة عن الملكة ليست صحيحة تماماً، كما أنها ليست خاطئة تماماً. ذلك أن شخصية ملكة فرنسا، ابنة الإمبراطورة ماري- تيريز، ستظل لغزاً إلى الأبد. ويبدو أنه من العسير بمكان الفصل في سيرتها بين الواقع التاريخي والأساطير التي نُسجت حولها، ولو نجح المؤرخ بشكل كبير في الكشف عن مغالطات القصص السخيفة والمعلومات العقيمة التي طاولتها وإسقاط الروايات التي أخفت دورها وحجبت رؤية إسهاماتها على المستوى السياسي إلى جانب ملك متردد وضعيف الشخصية قيل إنه، في الكثير من الأحيان، ترك لها الكلمة الفصل، ولو لم تحظ بتقدير كاف داخل القصر، لا سيّما من قبل عمة الملك التي أطلقت عليها بازدراء لقبي "النمساوية" و"سيدة العجز الاقتصادي" واتهمتها بالخيانة الزوجية والتبذير والتهور.

 يخرج القارئ من هذا الكتاب بقناعة مفادها أن مأساة ماري-أنطوانيت كُتبت قبل أن ترتبط بلويس السادس عشر، أي منذ أن بدأت سياسة "عكس التحالفات" الفرنسية التي أرادها الملك لويس الخامس عشر تشق طريقها لمواجهة السياسة البريطانية والمّد البروتستانتي الذي هدّد بإعادة تحديد معالم أوروبا. فما كان لفرنسا إلا التحالف مع الإمبراطورية النمساوية، عدوتها التقليدية، كدعمٍ ضروريٍ لمجابهة الإنجليز والبروسيين ولصدّ الكتلة البروتستانتية من خلال إنشاء كتلة أوروبية كاثوليكية مضادة. لكن معظم النبلاء الفاعلين في قصر فرساي لم ينظروا بعين الرضا إلى الحلف الجديد. ويوم اتُخذ القرار لتدعيم هذا الحلف بزواج ولي العهد بابنة الإمبراطورة النمساوية بعد مفاوضات طويلة، بدأت تُزرع الألغام في الطريق أمام الملكة العتيدة. فالنكات الأولى عن "النمساوية" لم تأت من الشوارع الباريسية بل من مخادع الأمراء. ولعل ماري-أنطوانيت لم تكن مستعدةً لمثل هذا الاستقبال، بسبب صغر سنها وعفويتها وتربيتها وثقافتها المتواضعة.

مراجعة شاملة

لذا جاء تعاملها مع الأمر سيئاً. إذ حبست نفسها في مجتمع موازٍ، في "البيتي تريانون" أو القصر الكلاسيكي الصغير الذي أراده الملك لويس الخامس عشر ملاذاً للحديقة الملكية ولمغامراته، وأحاطت نفسها بمجموعة استغلتها من المحاسيب والأصدقاء كعائلة بولينياك، مما عزز الإشاعات التي راجت حولها في الأوساط الأرستقراطية المقربة من البلاط، لا سيّما بعدما أدركت أن لويس السادس عشر قد تزوجها فقط بسبب ضغط ملكي ومن أجل الوحدة الفرنسية-النمساوية التي كانت تدعمها الإمبراطورة بشكل لا يعرف الكللّ، وأنه لا يُنظّر إليها نظرة طيبة من قبل الفرنسيين؛ وربما أيضاً بسبب عدم لمس زوجها لها لمدة طويلة منذ حفل الزفاف. بشكل عام، يعتقد المؤرخون أن ماري- أنطوانيت تغيّرت منذ عام 1787، لكن ڤيال يُرجعُ تاريخ نقطة التغيّر في حياتها إلى ولادة ولي العهد عام 1778، التي منحتها الثقة بالنفس. ويخبرنا المؤرخ أن وفاة الكونت جان فريديريك فيليبو دو موربا، كاتم أسرار الملك وأقرب المقربين إليه عام 1781، أيقظت في نفس الملكة "شهية السلطة". لكن "النمساوية" لا تعرف فرنسا ولا تملك الخبرة والحنكة السياسية. ففي عام 1785، كشفت قضية العقد عدم شعبيتها. ويُقال إنها كانت تردد باستمرار عبارة "ولكن ماذا فعلت لهم؟"، ما يدل بحسب ڤيال على حالتها النفسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن عام 1787 كان عاماً مفصلياً في حياة ماري-أنطوانيت. إذ تعثرت مالية الملك وواجه خطر الإفلاس. فبدأ يعيش نوعاً من الاكتئاب حاول التغلب عليه برياضة الصيد وصنع الأقفال. حينها بادرت الملكة بالتدخل في شؤون الدولة من دون سياسة واضحة، فأصابت مرة وأخفقت مرات. لكنها استمرت بإغداق الأموال والامتيازات والمناصب العليا على المقربين منها في الوقت الذي بدأ فيه الحديث بشكل جاد عن الحدّ من النفقات. ويقول المؤرخ إنها اضطرت أن تعزل بعض الوزراء الذين كانوا يهددونها، وأن تأخذ قرارات جعلت النبلاء يقفون ضدها، وزادت من غضب الشعب بسبب معارضتها العنيفة للتغيير. لكن الأحداث تسارعت وتصاعدت وتيرتها... ولم تكن ماري-أنطوانيت قادرة على تفهم تطلعات الشعب ودهاليز السياسيين. بل كانت مقتنعة أن الثورة التي بدأت تظهر كانت مدبرة من أطراف ثالثة تحرّض على محاربة التاج. لكنها واجهت مصيرها بعنفوان، فارتقت بحسب المؤلف، بشخصيتها وشجاعتها، إلى مصاف الأسطورة.

في هذه السيرة، التي تؤكد في بعض جوانبها ما ورد في السيرة التي وضعها الأديب النمساوي ستيفان زفايغ، يتابع شارل-إلوا ڤيال بموضوعية المؤرخ، دراسة وتحليل الوثائق المتعلقة بمحاكمة الملكة، ليعيد كتابتها، كاشفاً للقرّاء، أنه وراء النهاية البطولية لملكة واجهت قدرها الأسود، تختفي امرأة خائفة وحساسة، ما زالت حياتها تحوي الكثير من الألغاز التي حاولت هذه السيرة كشف البعض منها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة