موازنة لبنان للعام 2020 تتخطى الخلافات السياسية

ضغوط دولية وحرص على الاستقرار الأمني والمالي

التهدئة السياسية والأمنية سيدة الموقف في لبنان (دالاتي ونهرا)

يراوح المشهد في لبنان بين توترات أمنية وضغوط اقتصادية وخلافات سياسية من جهة ومن جهة أخرى متانة نقدية ودعم دولي ولو بشروط وإجماع سياسي على إرادة النهوض بالبلد اقتصادياً.

الحدود الجنوبية للبنان تشهد تصعيداً أمنياً في ظل حرب يبدو أنها انتقلت لتكون تكنولوجية مخابراتية. ولعل الاحتواء الذي رافق المناوشات الأخيرة بدءاً من اكتشاف الأنفاق وتفجيرها وصولاً إلى حادثة أفيفيم، يعطي مؤشرات واضحة بأن لا حرب فعلية تلوح في الأفق.

السجالات والانقسامات السياسية التي ظهرت بعد حادثة قبرشمون (بين الحزب التقدمي الاشتراكي من جهة والحزب الديمقراطي والتيار الوطني الحر من جهة أخرى)، تذللت نهاية الأسبوع الماضي الذي شهد لقاءات ثنائية للقوى المتخاصمة على خلفية لقاء اقتصادي بامتياز عقد في قصر بعبدا جمع إلى رئيس الجمهورية ميشال عون ورؤساء كل الأحزاب السياسية.

إذن، التهدئة السياسية والأمنية سيدة الموقف، ليبرز الملف الاقتصادي من باب موازنة 2020 وعلى خلفية ضغوط مالية ونقدية.

انفرجت أيضاً مع وديعة أجنبية بلغت 1.4 مليار دولار عززت من احتياطات مصرف لبنان بعد تراجع في التحويلات المالية الواردة إلى لبنان.

موازنة 2020... الخطوط العريضة

لا يزال لجم العجز أحد أهم أهداف موازنة 2020، يضاف إليها وبناء على أرقام الموازنات السابقة تطلع لدفع النمو الذي يلامس الصفر في المئة عام 2019.

ففيما لجأت الحكومة في الموازنات السابقة إلى تعزيز الإيرادات من طريق رفع الرسوم والضرائب على الشركات والأفراد ما ترجم انكماشاً في الإنفاق والأعمال، وبالتالي تراجعاً في إيرادات الدولة، يبدو التوجه في موازنة العام 2020 مختلفاً حيث تبحث السلطة التنفيذية في إجراءات دعم النمو متسلحة بالمشاريع الموعودة في مؤتمر سيدر والإجراءات المقترحة في دراسة ماكينزي للنهوض بالاقتصاد.

لا بل أكثر من ذلك يوضح رئيس لجنة المال والموازنة النيابية إبراهيم كنعان في حديث خاص أن لبنان وللمرة الأولى منذ العام 1990 سيقر موازنة ضمن المهل الدستورية في إنجاز تاريخي للسلطة.

ووفق النائب كنعان فإن موازنة 2020 ستبحث عن الحد من النفقات الجارية للمؤسسات والحد من الهدر والفساد لإعادة تمتين إيرادات الدولة وتعزيزها.

ويرى كنعان أن ما يرهق كاهل مالية لبنان هو الإنفاق على مؤسسة كهرباء لبنان وحجم القطاع العام، وهما بندان باستطاعة الدولة معالجتهما، إضافة إلى خدمة الدين، وعلى الدولة معالجة ذلك عبر خفض المخاطر فتتراجع الفائدة تلقائياً.

خفض النفقات

فالإنفاق على مؤسسة كهرباء لبنان يصل إلى 1.4 مليار دولار هذا العام، وهو رقم كبير سيكون من أولويات سنة 2020 خفضه إلى 40 في المئة مع الانتقال في توليد الطاقة من الفيول إلى الغاز. وتعمل حالياً وزارة الطاقة على إنهاء مناقصات إنشاء معامل الغاز.

في حجم القطاع العام، يرى النائب كنعان أن ما تم تحقيقة عبر خفض النفقات الجارية 350 مليون دولار في موازنة 2019 إنجاز حقيقي، مثل إلغاء مشاريع واستملاكات عدة غير ملحة، وسيعود العمل في موازنة 2020 على مؤسسة أوجيرو لتحسين أدائها.

أما في فائض التوظيف فيكشف كنعان أن هناك مسعى في المرحلة المقبلة لتلزيم شركة أجنبية إعداد دراسة على المؤسسات العامة لتحديد حاجاتها والفوائض الموجودة بعدما أطلق رئيس الحكومة سعد الحريري المسح الشامل للمؤسسات والذي يعطي صورة عن واقع حال هذه المؤسسات.

ويكشف كنعان عن أن البنك الدولي خصص 100 مليون دولار تمويلاً متاحاً للانتقال إلى الحكومة الإلكترونية E government التي تخفف حتى 50 في المئة من الرشى والمشاكل والمصاعب التي تواجه المواطن والشركات في إتمام معاملاتهم الرسمية.

دعم دولي واضح لاستقرار لبنان

قطعت وديعة المصرف الأميركي Goldman Sachs التي بلغت 1.4 مليار دولار الطريق على تلاعب في سعر الصرف كانت قد بدأت ملامحه تتضح من باب الصرافين الذين رفعوا سعر الصرف من 1515 ليرة للدولار إلى مستويات بلغت 1580 ليرة للدولار، فعاد الهدوء إلى السوق وتراجعت مستويات الطلب والسعر إلى 1545 بمستوى طبيعي لسعر صرف خارج المصارف.

وفي التفاصيل أن مصرف Goldman Sachs وعبر المصرف اللبناني SGBL قرر إيداع 1.4 مليار دولار بفائدة 10 في المئة ولمدة 3 سنوات في خطوة استثمارية رأى فيها البنك مصلحة تجارية نظراً لارتفاع الفوائد في لبنان والثقة بمصرف لبنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لتعود احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى الارتفاع إلى 38.6 مليار دولار باستثناء الذهب مع نهاية أغسطس(آب). ما يعزز الثقة بقدرة المركزي بالدفاع عن سعر الصرف ويقلص العجز في ميزان المدفوعات الذي شكل عامل ضغط رئيس وأجج المخاوف من مدى إمكان مصرف لبنان على تأمين النقد الأجنبي لتمويل الدولة والاستيراد.

إلى الوديعة تضاف التصريحات الواضحة للمبعوث الفرنسي المكلف متابعة مقررات مؤتمر سيدر "بيار دوكان" عن أن مؤتمر سيدر لم يلغَ وهو قائم ولو أنه أطلق التحذيرات من استمرار هدر الوقت وضرورة إقرار إصلاحات واضحة.

ويبرز أيضاً اتصال الرئيس الحريري بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد استمرار الدعم الفرنسي والدولي للبنان، فيما ستشكل زيارة الرئيس الحريري لفرنسا في 20 سبتمبر(أيلول) محطة مهمة لتثبيت الرعاية الفرنسية ودعمها للبنان كما ستشكل محطة مهمة لإطلاع الرئيس الفرنسي على التوجه الحكومي في الملف الاقتصادي.

البنك الدولي في لبنان بمحفظة تمويل واسعة

يزور وفد من البنك الدولي المسؤولين في لبنان. فالمؤسسة الدولية ترى أن لدى لبنان قدرة على الصمود يجب توظيفها لدعم الاقتصاد. وأكدت أن الثقة الدولية بلبنان ما زالت قائمة. وفي هذا الإطار كشف النائب كنعان لـ"اندبندنت عربية" أن البنك سيبدأ بصرف 1.5 مليار دولار على مشاريع تمت الموافقة عليها، كما كشف أن في محفظة لبنان لدى البنك تمويلاً يصل إلى 3 مليارات دولار بإمكان لبنان الاستفادة منها إذا أطلقت عجلة الإصلاحات والعمل الشفاف.

الإجماع السياسي في الملف الاقتصادي يبدو واضحاً في مرحلة ما قبل بدء مناقشات موازنة العام 2020، التي تبدأ الأسبوع المقبل في مجلس الوزراء. وإذا كانت النيات والتصريحات واضحة لجهة بدء الإصلاحات والحد من الهدر والفساد قدر ما تسمح المحاصصات السياسية القائمة منذ ما بعد الحرب الأهلية وتحت مظلة دولية ما زالت تؤمن الاستقرار للبنان... الغد يبدو أقرب من أي وقت مضى، فإما العمل والنهوض وإما الفوضى والتعثر ولا ثالث للفرضيتين في المرحلة المقبلة.

المزيد من اقتصاد