القاعدة... لماذا كان العنف والإرهاب المعولم خيار التنظيم؟

وصف مجلس الأمن في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 في قراره رقم 2249 منظمة داعش- بعد تفجيرات استاد باريس- بأنها «التهديد العالمي غير المسبوق للسلام والأمن الدوليين» ولكن تنظيم القاعدة يظل هو الأصل الذي مثل القفزة والنقلة غير المسبوقة في مشهد التطرف العالمي قاطبة، وصنع قطار الإرهاب المعولم ووضعه على مساره لينطلق بسرعته ومحطاته المختلفة فيما بعد.

مثلت القاعدة اول بلورة فعلية للعنف والإرهاب المعولم، عملياتيا وأيديولوجيا، وما كان لها أن تسلك غير العنف سبيلا، ووضع لها الأدبيات والتنظيرات المطلوبة،  و"خلال الفترة الممتدة من العام 1998 إلى العام 2007 وجد أكثر من 5 آلاف من المواقع والمنابر وغرف المحادثة الإلكترونية التابعة للإرهابيين"  أو إقامة دولة للمتطرفين عليها كما كان يفتخر الظواهري في التبرئة وغيره كذلك، وامتلك التنظيم ومختلف منظري السلفية الجهادية منصات خاصة بهم ومواقع تجمعهم ويتفاعلون مع أتباعهم سنوات يبثون فيها قناعاتهم وأفكارهم ودورات تكوينهم قبل أن يستفيق العالم لكل ذلك.

من خلال كل ذلك واعتماد عليه، تحولت القاعدة من تنظيم إلى حالة وطريقة عمل يلتزمها الكثير حتى ممن لا ينتسبون إليها، كما نجح بعد الحرب عليه في أفغانستان سنة 2001 وتحديدا منذ عام 2003 في التحول من حالة الحصار المفروضة عليه إلى شبكة عالمية تضم عديدا من التنظيمات الفرعية والمجموعات والخلايا في مختلف أنحاء العالم.

تعني ولادة القاعدة تأسيس وولادة الإرهاب المعولم لأول مرة بتأكيدها على أولوية مجابهة العدو البعيد الممثل في الولايات المتحدة والحكومات الغربية على العدو القريب الممثل في الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة، ولكن دون إلغاء للأخير على حساب الأول، ولكن بما يعطي زخما لكليهما معا، فضلا عن تأسيسها وتشريعها لما عرف بالعمليات الانتحارية التي توسعت فيها ثم توسعت فيها داعش أكثر فيما بعد، وإن كانت اقتبستها من الجهادية الشيعية المتمثلة في حزب الله إلا أنها فاقتها في استثمارها وتوظيفها وآثارها..

ولكن يبقى السؤال: لماذا كان العنف الخيار المحتوم والطبيعي لتنظيم القاعدة بدءا من نشأتها وتأسيسها الأول سريا ثم إعلانها رسميا بعد ذلك بعشر سنوات، وتبلورها وصولا لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعدها.

تأسيس القاعدة مرتين

عشر سنوات بين التأسيس الأول للقاعدة ذات الطابع السري، في بيشاور غرب باكستان بقيادة أسامه بن لادن – في 20 أغسطس (آب) 1988، وهو ما تؤكده وثائق تم الحصول عليها في سراييفو، وبتسمية قاعدة الجهاد، ضمت المجموعة المؤسسة بن لادن والظواهري وعبد القادر بن عبد العزيز وأبي عبيدة البنشيري وآخرين، بهدف استهداف الأميركيين أفرادا ومصالح في أي مكان، ولم تكن مخرجا أو نتاجا للزلزال العربي بغزو العراق للكويت سنة 1990 ثم تحرير الأخيرة بقوات التحالف الدولي، ورفضه لهذا الوجود، أو رفض عرضه بالاستعانة بقاعدته من أجل ذلك، ولكنها كانت الحادثة التي دفعته بسرعة للإسراع في تأسيسها وتوسيعها بعيدا، وفي ملاذات آمنة ما كان ليجدها في المملكة العربية السعودية حينها.

وجاء تأسيسها الثاني وإعلانها الرسمي عالميا في فبراير(شباط) سنة 1998 باسم الجبهة العالمية لمواجهة اليهود والصليبين، وأعلنت في بيان تأسيسها أن " قتل الأميركيين وحلفائهم – مدنيين أو عسكريين- في كل مكان هو فرض عين على كل مسلم" وجاءت عمليات القاعدة بعد الإعلان الرسمي أكبر من سابقتها وأكبر في الأثر والتأثير.

بلورة " القاعدة " في عقد من الزمان

كانت بداية الفكرة وبلورتها مع بدء انسحاب قوات الاتحاد السوفيتي المهزومة حينها في أبريل (نيسان) سنة 1988 والذي استمر تسعة شهور، انطرح فيها التساؤل المحير عن وجهة الجهاديين العرب بعد جلاء السوفيت الماثل، إلى أين؟ إلى كشمير القريبة.. أم إلى فلسطين البعيدة .. أم  إلى أين؟!.

استمرت المخاضات تتبلور وتتشكل من التجربة الأفغانية التي ولدت الثقة والقدرة، إلى حرب الخليج سنة 1990، ثم من الهجرة إلى السودان والتفاعل الفكري مع حسن الترابي وغيره من قيادات الحركات الإسلامية السياسية والمسلحة في المنطقة والعالم، ثم العودة الثانية إلى أفغانستان مع حكم طالبان ووصولها العاصمة كابول، وأخذها منطلقا ملاذا آمنا لقيادة التنظيم وفعاليته.

 من المهم أن نذكر ابتداء أن توجهات الجهاديين العرب لم تكن واحدة، فمنهم من كان يبحث عن ملاذ آمن هاربا من بلاده، ومنهم من كان يعد هناك العدة للعودة من جديد وهذا هو الغالب بينهم فظل بهمه وتوجهه القديم، ومنهم من رأى دوره ينتهي بانتهاء عمل" النصرة والإغاثة" وغيرها من التوجهات، كما أن كثيرا منهم كان يبحث عن حصاد التجربة والنجاح في أفغانستان وتخطيط طريق جديد مختلف.

وفي نهاية المرحلة الأفغانية الأولى تمايز زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن" 1957-2011"  وعدد كبير من الجهاديين العرب، فكريا عن عبد الله عزام وانفصاله عنه عمليا سواء في " مكتب خدمات المجاهدين" أو بتأسيس بن لادن لمعسكر " مأسدة الأنصار" تحت إشرافه الخاص، وكان أقرب هذا التمايز والتوجه الجديد مجموعة مثلت " نواة القاعدة" بقيادة أيمن الظواهري وقادة جماعة الجهاد المصرية وجهاديين عرب آخرين، وقطع بن لادن في هذه المرحلة شخصيا ونفسيا وفكريا مع مرحلته السابقة التي تأثر فيها بأفكار جماعة الإخوان بالخصوص، وهو ما أكده الظواهري في سلسلته عنه" مع الإمام" كما أكدته وثائق أبوت آباد ومذكراته بن لادن الشخصية.

بعد هذا التمايز الفكري لبن لادن وغيره عن سواهم، تبلورت توجهات أيديولوجية واستراتيجية جديدة ومختلفة تجلت فكريا فيما عرف ب" السلفية الجهادية" فيما بعد، والتي نشط في التأسيس لها والتبشير بها منظرون شرعيون في مقدمتهم عبد القادر بن عبد العزيز أمير جماعة الجهاد المصرية حينئذ، والأردني أبو محمد المقدسي وأبو حفص الموريتاني وغيرهم كثير، ومن مخاض النصرة الأفغانية أمام القطب السوفيتي كان توجه هذه النواة الجديدة وميلها عالميا وغير منحصر قطريا، كما كان توجه الجماعات الجهادية القطرية السابقة...

كذلك، بدأت المفاصلة والتمايز للقاعدة وأنصارها مع " المجاورين" ذلك التعبير الذي يطلق على الحركات الإسلامية الأخرى، وتوجيه الانتقادات لها، وكذلك مع الفصائل الأفغانية محل التحفظ من كثير من الجهاديين العرب عقديا وفكريا، في الوقت نفسه، وهو الخلاف الذي ازداد بعد نشوب الخلافات فيما بين الفصائل بعد الجلاء السوفيتي عن أفغانستان وسقوط حكومة نجيب الله.  

نجح بن لادن في تفهم كل ذلك، كما نجح في بلورة فكرته على مدار سنوات،  وتمايز بمجموعته وتحالفه مع قادة الجهاد المصري ومعسكراته الخاصة عن سواه، وتجسيد " السلفية الجهادية" كتنظيم وهوية فكرية تختلف عن سواها، وتطرح مواقفها وأفكارها العنيفة التي تتميز عن الفكر القطبي بأنها تطرح فقها ودليلا وسندا رغم ما بها من تأويل.

كما أن الطبيعة القيادية والقدرات الشخصية لمؤسس القاعدة الراحل أسامة بن لادن التي لم تكن تقبل المواءمة ولم تشبها شائبة الفساد أو ما شابه كما حدث مع عبد الله عزام، وقدرته الغريبة على التكيف بين مصلحة تنظيمه وفكرته وبيعته للملا عمر وطالبان، رغم الاختلافات المذهبية فيما بينهما، أو عدم الالتزام بتوجيهات طالبان بعدم كثرة الظهور الإعلامي أو القيام بعمليات خارجية ضد الأميركان، أو جمعه بين التناقضات في اتساق، ومعرفة ما يظهر على أنصاره وما يخفيه عنهم كالموقف من إيران أو الفصائل الأفغانية أو الحركات الإسلامية الأخرى، ليبقى فقط العنف والعمليات الانتحارية هي عنوان التنظيم الأكبر وشفاء غليل عناصره.

أحسن أسامة بن لادن وقادة التنظيم معه، استغلال وتوظيف الثقة النفسية والأيديولوجية العنيفة التي تكونت لدى الجهاديين العرب، بعد أن خاضوا عددا من المعارك ضد قوات الاتحاد السوفيتي وعملائها في أفغانستان، مثل " معركة "جاجي" التي وقعت عام 1987، ثم معارك "جلال آباد" التي قتل فيها حوالي 70 عربيّاً، وكذلك معركة "مأسدة الأنصار" 1987، التي حملت اسم معسكر العرب الأفغان الذي أسسه بن لادن، ومعارك " بنشير" الوعرة والصعبة والتي أخذ منها لقبه الجهادي المصري على أمين الرشيدي المعروف ب" أبو عبيدة البنشيري" والذي كان يعد الرجل الثاني في القاعدة، والمشرف على معسكرات تدريبها، وقد ذكر أسامة بن لادن  في مقابلته مع الصحافي في الجزيرة القطرية تيسير علوني في أكتوبر سنة 2001 أنه يعود للبنشيري الفضل في تسمية القاعدة بهذا الاسم حيث كان يسمى بها معسكرات التدريب التي يشرف عليها، ولكن الأهم هو نجاح بن لادن والقاعدة في توظيف الغضب العربي والإسلامي من السياسات الأميركية المختلفة وخاصة تلك الداعمة لإسرائيل.

في هذه المرحلة الأولى لم يكن يعلن أسامة بن لادن تبنيه للعمليات ولكن يباركها، مثل عملية فندق غولد مور في عدن في 29 ديسمبر (كانون أول) سنة 1992 أو عمليات الصومال سنة 1993 سواء حرصا على علاقته، وحرجه في الملجأ السوداني أو الملجأ الطالباني فيما بعد، وهو ما تغير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونشوب الحرب على أفغانستان في أكتوبر سنة 2001.

محطة السودان والتلاقي مع إيران

كان الأهم في السودان هو ما حصله بن لادن والظواهري من خبرات وتفاعلات كان حسن الترابي، الطامح لقيادة المشهد الإسلامي السياسي ككل، جسرها الأهم بين القاعدة من جهة وبين مختلف الحركات الإسلامية والجهادية السنية والشيعية والنظام الإيراني من جهة أخرى، الذين التقى أسامة بن لادن ممثليهم في السودان، في سلسلة مؤتمرات شعبية، مثل مؤتمر الشعب الإسلامي العربي سنة 1991والذي وصف في الغرب بمؤتمر الإرهاب، وحضرته قيادات من مختلف الحركات المسلحة  والمقاومة في العالم العربي والإسلامي،  وكان منهم عماد مغنية من لبنان (شيعي-حزب الله) والمهندس يحيي عياش أحد قادة كتائب القسام، كما كتب دانيل بايمان في كتابه عن العلاقة السرية بين القاعدة وإيران الصادر سنة 2007.

اقتنع أسامة بن لادن، رغم سلفيته الصلبة وأحاديته الفكرية القطبية، بفكرة حسن الترابي أثناء لقائهما سنة 1992 بضرورة توحيد الجهود السنية الشيعية لمواجهة العدو والشيطان الأكبر ممثلا في الولايات المتحدة، وتم عقد اتفاق بين الطرفين، أسامة بن لادن من جهة وعماد مغنية من جهة أخرى، سافرت على أساسه مجموعة من شباب القاعدة إلى وادي البقاع اللبنانية، لتلقي تدريبات على يد عناصر من حزب الله.

كما استمر التعاون وتبادل الخبرات بين القاعدة وحزب الله وايران، فأشرف عماد مغنية على تدريب ودعم وتسهيل مهمة عناصر القاعدة المنفذة لأحداث الحادي عشر سبتمبر سنة 2001، وسهل لهم دخول إيران دون ختم تأشيراتهم، كما كانت الملجأ والملاذ الآمن لكثير من قادة ورجال القاعدة فيما بعد نشوب الحرب على افغانستان، وغير ذلك مما أثبتته ملفات قضائية ووثائق آبوت آباد  فيما بعد.

القاعدة والصعود بعد أحداث سبتمبر

كانت أولى هذه عمليات القاعدة بعد إعلانها الرسمي في فبراير سنة 1998 تدمير سفارتي الولايات المتحدة، في: نيروبي، ودار السلام، في أغسطس (آب) من العام نفسه،  ثم تدمير المدمرة كول في ميناء عدن اليمني، في أكتوبر(تشرين الأول) سنة: 2000، ثم كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 العملية الأكبر والأبعد أثرا في تاريخ التنظيم.

 كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر قفزة في تاريخ التنظيم ولم تكن نكسة له، فقد جذبت إليه الكثيرين، ونشطت فروعه التي تأسست أولاها في المملكة العربية السعودية سنة 2003، وفي العراق سنة 2004، وفي المغرب العربي والساحل الإفريقي سنة 2007،وغيرها من المجموعات والخلايا التي انتمت إليها و اتبعت طريقتها وفكرها بها في مختلف أنحاء العالم ولا زالت.

لم تبلور القاعدة فقط التوسع في العمليات الانتحارية والقدرة على استنزاف الأنظمة الدولية والوطنية، وإنهاك قواها، فيما يعرف ب" إدارة التوحش" بل وصلت للتمكين مرات ثلاث، في العراق مع دولة العراق الإسلامية التي أعلنت سنة 2006 وإمارة القوقاز الإسلامية التي أعلنت سنة 2007 وإمارة طالبان أو أفغانستان التي احتضنت بن لادن وقادة تنظيمه منذ عا 1996، وكان زعيم القاعدة يشير لهم دائما على أنهم الإمارات الإسلامية الثلاث، وقبل بفكرة التمكين في النهاية رغم تحفظه عليها وهي الفكرة التي اصرت عليها داعش والزرقاوي دائما، وكانت محل تحفظ منه، ولكن قدرته التنظيمية والقيادية جعلته يجمع بين كل اساليب ومراحل العنف ضد التنظيمات، من الاستنزاف إلى الإنهاك إلى التمكين، ولكن الأهم أن القاعدة بلورت أيدولوجيا السلفية الجهادية ووضعت بذورها كأيدولوجيا معتمدة للإرهاب المعولم ولكل من يعمل عليه، وإن توسعت الفكرة عن التنظيم فيما بعد وتزداد غلوا مع داعش ولكن يبقى مفصلها الرئيس قاعديا ومن تأسيس تنظيم القاعدة وأنصاره بالأساس.

المزيد من سياسة