بن لادن وتنظيمه بعد هجمات سبتمبر... الظاهر والخفي في خطابه

أخفى علاقته بإيران عن جماهيره

ظل أسامة بن لادن رغم مقتله في 2 مايو سنة 2011 الزعيم والرمز الملهم لمختلف جماعات التطرف العنيف في العالم، ولم يبلغ مكانته أي ممن أتوا بعده من قيادات القاعدة أو داعش، وهو ما مهدت له سيرته ومحطاته الشخصية من تحولات راديكالية من ابن الملياردير إلى المشاركة في الجهاد الأفغاني إلى تأسيس الجبهة العالمية لمكافحة اليهود والصليبيين" القاعدة" في أغسطس سنة 1988 وصولا لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وانتشار فروعها بعد  ذلك في مختلف أنحاء العالم، واتساع تأثيرها المستمر والمتصاعد حتى الآن.

وسنحاول فيما يلي توضيح المقومات والعوامل التي ساعدت بن لادن على اتساع تأثيره خطابيا وقياديا بعد العملية الإرهابية الأكبر في التاريخ، ما أظهره وما أخفاه وكيف كان حريصا دائما على هالته وصناعة سحريته التي آمن بها بعض أتباعه فرأوه "مجدد الزمان وقاهر الأميركان".

اختباء دون اختفاء .. بين بن لادن والبغدادي:

اختبأ، أسامة بن لادن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن من دون أن يختفي، فقد ظهر  بن لادن واحدا وثلاثين مرة  في تسجيلات مصورة لحشد وتحفيز أنصاره حتى وفاته.

وهو في هذا على العكس من أبي بكر البغدادي زعيم داعش الذي يطول اختباؤه واختفاؤه معا. فلم يظهر بعد سقوط الرقة والموصل إلا مرتين، أولهما منتصرا معلنا خلافته في 4 يوليو سنة 2014 وثانيهما بعد انهيارها في 29 أبريل سنة 2019، وفي كليهما كان فاقدا لكاريزمية بن لادن وحسن إعداده وتكوينه رغم تفوق الماكينة الإعلامية لداعش عن القاعدة زمنيا ولوجيستيا.

صورته عند أنصاره" مجدد الزمان وقاهر الأمريكان"

أعطت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وعمليتها الكبرى لـ أسامة بن لادن صورة حددها تابعه والقيادي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الراحل أبو جندل الأزدي، فارس آل شويل الزهراني، في عنوان كتابه عنه: " أسامة بن لادن مجدد الزمان وقاهر الأميركان" وكان مما قاله في إهدائه له: إلى الإمام الذي ترجم الأقوال إلى أفعال قاهر الروس والأميركان..إلى الإمام الذي أقبلت عليه الدنيا وأدبر عنها من أجل الجهاد..إلى المثل الرائع والشخصية التي لا تزال تتردد صورتها في المخيلة لتشحذ الهمة..إلى الصوت الذي لا يزال يدوي في النفوس ويهيج المشاعر ويفجر الطاقات ولو لم يتكلم إلا بقسمه المشهور". هذه هي الصورة التي جسدها أسامة بن لادن عند أنصاره والمعجبين به بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وكانت لـ كلمة " قاهر الأميركان" أثرها في تزكية مشاعر الشباب المسلم شرقا وغربا وتجنيده لصالح تنظيمات القاعدة والتطرف العنيف، بعد توظيف زعماء ومنظري التطرف لخطأ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الأسبق وكذلك بعض زعماء الغرب في رد فعلهم على أحداث سبتمبر، في اعتبارها حربا صليبية بمواجهة الإرهاب، ليزيد التشويش على دلالة مصطلح الإرهاب نفسه بصبغ الحرب عليه بالصبغة الدينية والهوياتية عليها.

ولكن في خضم ردود الفعل العنيفة على عمليات سبتمبر الإرهابية، التي بدأت في نوفمبر من العام نفسه بالحرب على أفغانستان، استمر زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن في إلهاب وإلهام مشاعر أنصاره، فشهدت الولايات المتحدة الأميركية محاولة إرهابية أخرى في 22 ديسمبر من العام نفسه 2001 حين حاول ريتشارد ريد " إرهابي الحذاء" تفجير طائرة الرحلة الأمريكية رقم 306 من باريس إلى ميامي عبر قنبلة أخفاها في حذائه..ولكن العملية أحبطت.

الظاهر والخفي في خطاب بن لادن

على العكس من الظواهري الذي ولع في كل سجال قريب أو بعيد، شفاهة وكتابة، فتدخل مثلا في الخلاف بين البغدادي والجولاني في سوريا، منتصرا للأخير وانتهى لخسارة الاثنين معا!! كان أسامة بن لادن يرتفع فوق السجال في خطاباته المعلنة والمنشورة، فلم يكن على تماس أو يشتبك مع تيارات المراجعات مطلقا، فقد كان أحرص على صورته الكاريزمية أشد الحرص  نائيا بها عن أي احتمالية للنقد من قبل المتشددين.

ومن هنا لم يطرح بن لادن نفسه فقيها أو مفكرا ولكن طرحها قائدا وزعيما يظهر ليعلن انتصاراته ودعمه لأتباعه وفروع شبكته في مختلف أنحاء العالم أو تهديد خصومه،  دون الولوغ في قضايا قد تفجر الخلاف بين أتباعه، مما صنع كاريزميته واستمرار الإجماع عليه في صفوف التطرف العنيف حتى الآن بشكل كبير.

 وقد ركز في سبيل ذلك على خطاباته وإعدادها وصورته أثناءها مع فريق مساعد يجهز مادته من التراث الديني والبلاغي والأدبي الواسع،  مما جعل باحثا كالبروفيسور فلاج ميلر أستاذ  الدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا في كتابه" الزاهد الجرئ: ماذا تحمل خطب بن لادن" حيث يصفه بعد تحليله أكثر من 1500 خطبة مسجلة له في قندهار عام 2002، بأنه قد يكون شاعرا موهوبا لكثرة استشهاداته الشعرية والأدبية، ولكن نظن أنه لو كتب كتابه بعد اكتشاف وثائق آبوت آباد لعرف كيف يعد زعيم القاعدة أسامة كلماته وخطبه وكيف يقترح عليه الفريق المعاون له النصوص أو هو يطلب نصوصا تدعم وتحسن توصيل المعنى الذي يريده.

تمجيد الذاكرة الجهادية وتخليد أحداث سبتمبر

ركز بن لادن في خطاباته على  تمجيد الذاكرة الجهادية ومخزونها وكثيرا ما كان يعيد التذكير بأحداث سبتمبر بالخصوص أو غيرها من العمليات والعناصر التي نفذتها ويذكرهم بالاسم، أو يظهرهم بجواره في تسجيلاته، وقد اكتسبت هالة بن لادن  ورمزيتها من هالة أحداث الحادي عشر من سبتمبر ورمزيتها كذلك.. فقد تحول تنظيم القاعدة الإرهابي بعدها من مجرد مهدد للمصالح الأميركية إلى تهديد فعلي للهيبة الأميركية ككل في قلب الولايات المتحدة وفي العالم أجمع.

 ضربت عمليات سبتمبر قلب القطب الرأسمالي الكبير وحاولت إجباره على الانهيار تماما، بضربات متتالية ونافذة نفذها تسعة عشر من عناصر القاعدة المدربين لبرجي التجارة العالمي ومبنى البنتاغون، وهو ما حدث لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة منذ مائتي عام قبلها، فلم يخترق عدو خارجي أحشاءها الداخلية قبل هذا التاريخ.

  والتي عدت فاصلا بين عالمين،  قبلها وبعدها، حيث لم تكن مجرد عملية إرهابية محكمة ومركبة فقط وعميقة في التأثير والدلالة معا، بل كانت فاتحة لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة عبر تاريخها، وخاضتها معها مختلف دول العالم، ولا يمكن فصل كثير من الأحداث في العقدين الأخيرين عنها، بما فيها صعود اليمين أو الإسلاموفوبيا في الغرب، أو الانتفاضات الشعبية سنة 2011 وزلازلها التالية وخاصة صحوة ما عرف بـ" تنظيم الدولة - داعش"، أو الاستقطابات العالمية والوطنية المتزايدة على المستويات المختلفة، فمنها وبها، بها وعبرها كان فيضان من المتغيرات لم يتوقف حتى حينه، أو كما يقول استيفان مارش في مقاله" كسبت القاعدة" المنشور في الفورين بوليسي في الذكرى الثامنة عشرة:" إذا أردت فهم ضعف الولايات المتحدة الراهن عليك ان تنظر لأحداث سبتمبر كـ "عرض وخلفية له، فهي الحرب التي خسرتها الولايات المتحدة ولا زالت تخسرها"[3].

وهو ما صنع جاذبية خاصة لشخصية بن لادن الذي حرص دائما على الظهور في ذكراها، وجعلت الكثير من الكارهين للولايات المتحدة ينبهرون به، وشبهه بعضهم بالمناضل الكوبي اليساري تشي جيفارا.

ما أخفاه بن لادن عن أنصاره

تعددت خطابات بن لادن ولم تكن واحدة، فلم يكن يخاطب جماهيره إلا بما يناسبهم، ولا يستثيرهم، ومن هنا أخفى الكثير الذي كشفته الوثائق في منزله فيما بعد مقتله في أبوت آباد الباكستانية في مايو سنة 2011، ومن هذه القضايا التي أخفاها بن لادن ولم تذع أو تبث في خطبه وتسجيلاته وكان من الممكن أن يستفز ويستثير أنصاره حينها لو أعلنها:

أولا علاقته بإيران وتحالفه معها

في إخفاء ما يريد أو ما قد يستفز أنصاره عنهم، فهو لم يصرح في أي من خطاباته بعلاقته بإيران، وحرصه على استثنائيتها وحمايتها من عمليات عناصر القاعدة في العراق، وحين فعل الزرقاوي ذلك ترك كلا من الظواهري وعطية الله الليبي يتصدون له في سجال بقي بن لادن بعيدا عنه.

هذا،  بينما كانت رسائل أسامة بن لادن السرية فقط التي تؤكدها وثائق أبوت آباد وصية واضحة وصريحة على الاستثناء الإيراني، فيقول في رسالة لأحد قيادات «القاعدة» موجهة لشخص يدعى «توفيق»، تحدث في ورقته عن مجريات لقائه بأحد الأشخاص من طهران قائلاً: «الإيرانيون مهتمون لعمل ارتباط مع أحد من طرف العمدة (كلمة مشفرة كناية عن زعيم تنظيم القاعدة)، وذلك ليس فقط لوضع المرضى وإنما يهمهم بالدرجة الأولى الوضع في العراق، حيث إنهم يعتقدون أن الإخوة هناك، وبالذات الأزرق (المرجح المقصود أبو مصعب الزرقاوي) ومجموعته لهم دخل في الاعتداءات على الأماكن والعتبات المقدسة لدى الشيعة».

وأضاف صاحب الرسالة: «لذا يرغبون إما بمقابلة مندوب من طرف العمدة لمناقشة هذا الأمر والاستيضاح حوله وإمكانية التعاون، إذ إنهم - على حسب تقدير الأخ الوسيط - يرغبون بتقديم نوع من الدعم والمساعدة إذا تم تسوية بعض النقاط وهم يرغبون على الأقل بالحصول على رسالة بتوضيح العمدة، يؤكد فيها أن الأماكن المقدسة لدى الشيعة ليست مستهدفة من قبل الإخوة، وأنها ليست ضمن الأهداف المراد ضربها».

وفي رسالة أخرى من وثائق آبوت آباد يستنكر أسامة بن لادن الهجوم والتهديد لإيران، وهي رسالة موجهة إلى شخص يُدعى الشيخ كارم يقول بن لادن: «لا أدري لماذا أعلنتم التهديد على إيران؟ وإن رأيي مخالف للتهديد.. وأناقش مسألة إعلانه، وإنه سياسيًا يُعدّ خسارة لكم». وبرر بن لادن اعتراضه على تهديد إيران، قائلاً: «إيران هي الممر الرئيسي لنا بالنسبة إلى الأموال والأفراد والمراسلات، وكذلك مسألة الأسر» وفي موضع آخر يؤكد أن إيران أقرب له من سائر الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي.

ولكن هذا الموقف من إيران أو غيرها لم يكن يعلنه أسامة بن لادن على جماهيره وأنصاره، فهو وثائق يحتفظ بها وتحتفظ بها الدائرة القريبة منه فقط.

ثانيا إيمانه بالرؤى والنبوءات

تثبت وثائق آبوت آباد وخاصة رسالته لإحدى بناته إيمانه بالرؤى وأنه قد يكون " اليماني القحطاني" الذي يمهد لقدوم المهدي آخر الزمان، ورغم ميله لهذا الاعتقاد إلا أنه ظل خاصا غير معلن ولم تكشفه إلا الوثائق التي وجدت في مخبأه في آبوت آباد عام 2011 ونشرها البنتاغون فيما بعد[4].

على سبيل الخاتمة

في الأول من أغسطس من العام الجاري" 2019"، وقبل حلول الذكرى الثامنة عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بقليل أكدت وكالات الأنباء مقتل نجل زعيم القاعدة الراحل حمزة بن أسامة بن لادن،  دون تفاصيل للعملية، والذي عد احتمالا كبيرا في استعادة تنظيم القاعدة الإرهابي لصدارة وقيادة مشهد الإرهاب المعولم، لما يستمده من شرعية أبيه الراحل الذي كان يعتني به اعتناء خاصا ليشبهه، كما تؤكد وثائق أبوت آباد، التي وجدت في منزل الأخير بعد مقتله في 2 مايو سنة 2011 حيث كان يوصي بعناية خاصة به أثناء وجود الأول في إيران مع باقي أسرته. لا تزال شرعية بن لادن ومكانته تصنع الكثير رغم وفاته. لا تزال تنظيمات التطرف العنيف المتصارعة في الشرق الأوسط وأسيا وإفريقيا تدعي نسبا جهاديا له. في ظل معاناتها جميعا من أزمة الرمز والكاريزما والتشظي والانشقاق عن ذلك. 

المزيد من سياسة