هجمات 11 سبتمبر... "العربوفوبيا" تسحب البساط من الإسلاموفوبيا

المجتمع الأميركي يخشى من سطوة أفكار وعقائد المهاجرين واللاجئين بعد فشل برامج تأهيلهم

في مثل هذا الوقت من كل عام، يقف العالم لينظر لما آلت إليه العلاقة بين الغرب والشرق، أو بين المسلمين وغير المسلمين، أو بين المصابين بالإسلاموفوبيا وغير المصابين بها أو المتعافين منها. وفي مثل هذا الوقت من كل عام، وتحديداً على مدار الـ18 عاماً الماضية، تخرج الموضوعات الموسمية من الأدراج، والوثائق الرسمية من قسم المحفوظات، والأهواء والميول والأيديولوجيات سابقة التجهيز من الأدمغة وإدارات القنوات ومفكري الاستوديوهات. إنه موسم الهجوم والدفاع، والبحث دون طائل والتحليل دون رؤية والخروج بتوصيات أقرب ما تكون إلى رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء والخل الوفي.

وفاء العالم للإرث الفكري الذي تركه المفكر الفرنسي روجيه غارودي حول الأرضية المشتركة للتفاهم بين الحضارات المختلفة وشعوب الأرض مشارقها ومغاربها، ودعوته الطموحة لترسيخ سياسة للحوار والتفاهم والتعايش السلمي، أسفرت آلاف المؤتمرات والجماعات والمؤسسات الرافعة شعار "حوار الحضارات". أما التفعيل فوقف مكتوف الأيدي معصوب العينين، مغلق القلب.

صامويل هانتنغتون

لكن هل كان قلب صامويل هانتنغتون دليله حين تنبأ بأن يتسم صراع العالم في سنوات ما بعد الحرب الباردة بمواجهات ضارية بين الحضارات وشعوبها، وتحديداً بين الإسلام والمسلمين من جهة والغرب وغير المسلمين من جهة أخرى؟

آخر ما كان يمكن توقعه أن يشهد عام 2001 حدثين ضخمين متناقضين أيما تناقض. الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنت اقتراحاً إيرانياً أُطلق في عام 1998 بإعلان عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات. وشهد العام نفسه أحداث 11 سبتمبر (أيلول) الجسام التي ضربت الحضارات وحوارها والمؤمنين بقدرتها على التعايش في مقتل.

فبعد عقود طويلة من النظر للإسلام باعتباره ديناً غير متوافق وقواعد الحياة في الغرب من حيث العادات والتقاليد، أو أن العالم الإسلامي يقف بالضرورة على جبهة مضادة من العالم المسيحي، وبينما جهود تُبذل على سبيل التقريب، إذا بأحداث 11 سبتمبر عام 2001 والتصاقها بالعرب تنعش وتجدد دماء الإسلاموفوبيا مع إضافة مكون العربوفوبيا ليصبح العربي مسلماً إرهابياً بالضرورة إلى أن يثبت عكس ذلك.

وعكس المتوقع، يقول رمزي سليم، 48 عاماً، أميركي من أصل عربي، "إن الغالبية العظمى من أصدقائه وجيرانه وحتى الناس العاديين الذين يتعامل معهم في أميركا، باستثناء البعض من الشرطة وإجراءات دخول أميركا عائداً من رحلات عمل أو زيارات للأهل في الأردن ولبنان، لا يحملون ضغينة أو مشاعر عدائية تجاهه كمواطن من أصل عربي. ربما يكون هناك نوع من التعجب أو حب الاستطلاع في البداية، لكن بعد تبادل الحديث وتعمق المعرفة تمر الأمور بسلاسة ومزيد من المودة".

 

هزة سبتمبر

لكن سليم يشير إلى أن هذه المودة تعرضت لهزة عنيفة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر قبل 18 عاماً. يقول، "في الحقيقة ما إنْ علمت بما جرى في هذا اليوم، وقبل إعلان أسماء المتورطين، حتى شعرت بتشاؤم شديد تجاه المستقبل القريب، وتجاه أطفالي. وبعيداً عن نظريات المؤامرة المتداولة ودور أجهزة استخباراتية غربية، إلا أن شعوراً يقينياً انتابني بينما أتابع أحداث اليوم الرهيب بأن عرباً مسلمين نفذوا أحداثه".

يضيف "مررنا بلحظات صعبة وعصيبة. وكثيرٌ من الأميركيين من أصول عربية شعروا بحرج بالغ، وكأن كلاً منهم شارك في تنفيذ الأحداث، وكذلك بقلق شديد على حياته وحياة أسرته. لكن الأمور تحسنت، وبقيت غصة في القلوب تجاه كلمتي (عربي) و(مسلم)".

العربوفوبيا المصاحبة للإسلاموفوبيا تدينان بانتعاشهما واستمرار الاهتمام بهما كلما مر عام وحان وقت إحياء ذكرى 11 سبتمبر. أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق يرى "أن العربوفوبيا التي تنامت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر أمر طبيعي ومتوقع جداً، وزاد طين التنامي ظهور داعش، ما شدّ من أزر الصورةِ النمطية المختزلِة العربيَّ في هيئة الإرهابي، القاتل، الكاره للنساء، المفجر للكائنات، والرافض لكل ما، ومن، حوله ممن لا ينتمي لما يؤمن به، والمعتبر قتله واجباً لا ريب فيه".

يضيف صادق "إن أحداث 11 سبتمبر لم تبتدع إسلاموفوبيا أو عربوفوبيا، بل أعادتهما إلى الواجهة. والإسلام كان دائماً محل شد وجذب لدى المجتمعات الغربية، حيث المواطن العادي إما يجهل ما يعنيه الإسلام أو يفضل ألا يتعامل مع مسلمين باعتبارهم غريبي الأطوار".

إسلاموفوبيا سابقة لسبتمبر

يشار إلى أن 55% من الأميركيين يتبنون مواقف سلبية تجاه الإسلام والمسلمين، بحسب استقصاء أجرته مؤسسة "يوغوف" لأبحاث الرأي العام والمعلومات في عام 2015. وعلى الرغم من أن الإسلاموفوبيا موجودة قبل أحداث سبتمبر، فإن الأحداث أججتها وفاقمتها، وأعادت إدماج كلمة (العرب) ضمن منظومة الفوبيا".

يقول صادق "إن الصورة النمطية لدى الكثيرين من الأميركيين تحصر العرب إما في صورة أغنياء ينفقون بسفه، أو فقراء لا جدوى لهم، والحقيقة أن الصورة لا تتغير كثيراً على مر الأزمنة، لكن التغير الرئيسي هو إضافة صورة العربي الإرهابي عقب أحداث سبتمبر وقيام داعش بعدها بسنوات".

صحيح أن الرئيس السابق باراك أوباما حاول، حتى وإن كان ذلك لأسباب سياسية واقتصادية، تقريب وجهات النظر ويعمل على تجسير الهوة بين بلاده والعرب، عبر خطابه في جامعة القاهرة مثلاً، وصحيح أيضاً أن الرئيس الحالي دونالد ترامب يجذر الكراهية بحديثه عن الأجانب، لكن النتيجة واحدة.

مشاعر المواطن العادي تجاه العرب ليست إيجابية، لكن القيادة السياسية تتقن عمل التوازنات المطلوبة بين الاستفادة والمصالح الاقتصادية المتحققة من العلاقات مع العرب والحفاظ على صورة العربي المخيف في الوقت نفسه، وهذا مستمر منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.

أحداث سبتمبر 2001 ربما كانت الشرارة التي أعادت الإسلاموفوبيا إلى الصدارة، لكن سلسلة من الأحداث التي تلتها أبقت عليها حية، وأضفت عليها البعد العربي لينظر المجتمع الأميركي لكل ما هو عربي بعين ملؤها الريبة، وهي نظرة أسهم بعض العرب خلال الأعوام القليلة الماضية في تثبيتها.

تقول أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة الدكتورة نهى بكر "إن العربوفوبيا في أميركا امتداد للإسلاموفوبيا، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وعدم قدرة الغرب على مواجهة أسباب الإرهاب في مناطق عدة في العالم. وأضيف إليه التخوف من اللاجئين وتأثير الثقافة العربية القادمة معهم على الثقافة الأميركية، وطريقة تعاملهم في قضايا مثل المرأة والختان ورفض المثلية التي يراها الغرب عموماً في تضاد مع أفكار الحداثة والتطور. والمجتمع الأميركي بوجه عام يخشى سطوة تلك الأفكار لا سيما في ظل صعوبة وضعف نتائج برامج تأهيل المهاجرين واللاجئين لتمسكهم الشديد بفكرهم وعاداتهم".

عادات وأفكار

هذه العادات والأفكار، ومن ثمّ اتخاذ مواقف عدائية تجاه أصحابها وتنميطهم جميعاً في صورة الرجعيّ أو الإرهابيّ ليست حكراً على المسلمين المهاجرين واللاجئين، لكنها باتت مرتبطة بكل من هو قادم من منطقة الشرق الأوسط منذ وقوع أحداث سبتمبر2001.

الكاتب والمفكر إميل أمين يقول "إن العربوفوبيا هي الوجه الآخر للإسلاموفوبيا، وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من العرب مسلمون، فإن أي عربي، بمن في ذلك عرب أميركا من المسيحيين وكنت منهم، بات يُنظر إليه على أنه إرهابي طالما هو قادم من الشرق الأوسط".

ويرى أمين "أن أزمة العربوفوبيا تتصاعد بشكل غير مسبوق، وأنه مع المد اليميني المتطرف الذي يستهدف ويُسقط أميركيين لاتينيين كما جرى في حوادث تكساس وأوهايو الأخير. يمكن القول إن العرب والمسلمين سيكونوا ضحايا في جولات وصولات مقبلة".

ويشير أمين إلى "أن المنظِّرين والمفكرين في الداخل الأميركي ألهبوا العربوفوبيا، إذ يروج مستشار البيت الأبيض السابق ستيف بانون للتيارات اليمينية الرافضة للعرب والمسلمين. وهي انعكاسات سلبية أسهم في خلقها أيضا الكاتب الفرنسي اليميني المتطرف رينو كامو عبر كتابه (الإحلال الكبير) الذي حذّر فيه من أن المسلمين سيحلوا محل  السكان الأصليين واليهود، وهو ما أسهم في تأجيج كراهية العرب والمسلمين".

تدق الدكتورة نهى بكر على الوتر الشعبوي اليميني نفسه بقولها "إن التوجه الأميركي العنصري الشعبوي السائد حالياً والمؤمن بفكرة الـWhite supremacy، أي فوقية الجنس الأبيض، الحانق المتعالي على كل ما هو ليس أبيض الأصل. وتستخدم هذه الشعبوية لتغذية الأحزاب اليمينية المتشددة لاستثمار مشاعر الخوف تجاه كل ما هو عربي وضمان أرضية وشعبية لهم داخل المجتمع، والفضل في ذلك يرجع لأحداث سبتمبر التي قدمت لهم فرصة لتصاعد أفكارهم وارتفاع أصواتهم".

عن فرص تصاعد هذه الموجة، يقول أستاذ الطب النفسي الدكتور خليل فاضل "إن المجتمعات الغربية بوجه عام لا تتقبل العربي لأسباب كثيرة أبرزها الصورة النمطية للعربي الثري الذي ينفق بسفه ويحمل رأساً خالياً من الثقافة أو العلم أو المنطق، وقد أسهم العرب في تعميق هذه الصورة، وليس تخفيفها أو محوها، لا سيما بعد أحداث سبتمبر حين شاعت أنباء احتفاء بعض العرب بما جرى في الولايات المتحدة الأميركية واعتبار ذلك جهاداً أو أمراً مستحقاً".

يضيف فاضل "أنه لا يمكن فصل المجتمع عن السياسة، فالأخيرة تلقي بظلالها على المجتمع وتؤثر على مزاجه وانتماءاته وتوجهاته سلباً وإيجاباً. وما جرى في الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر قبل 18 عاماً مازال يلقي بظلال وخيمة على صورة العربي مؤدياً إلى تنامي العربوفوبيا تجاه كل ما هو شرق أوسطي حتى صار المسمى أحياناً سبة. من جهة أخرى، فإن أصحاب الشأن وموضوع الفوبيا لا يبذلون جهداً يذكر لتحسين الصورة، باستثناء ذلك الجهد الوفير المبذول في الحروب الأهلية والاحتقانات الطائفية، وهو ما يؤكد على استمرار دوران عجلة العربوفوبيا".

المزيد من سياسة