"هجمات سبتمبر"... نيران القاعدة الصديقة تصيب "الدعوة الإسلامية" في مقتل

حرب أهلية داخل الإسلام وخسائر جمة لدول ومنظمات أولها طالبان... أبرز آثار الاعتداءات

لا يزال تنظيم القاعدة يكابر بادعائه أنَّ أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) تخدم الإسلام، في وقت تجمع المصادر كافة على أنَّ آثاراً بالغةً معنويَّة وماديَّة لحقت بصورة الإسلام والمنتمين إليه جراء الأفعال التي يزعم التنظيم حين القيام بها أنها جاءت ثأراً ضد أعداء الدعوة المحمدية من "الصهاينة والصليبيين وحلفائهم"، كما اعتاد رجاله أنَّ يدججوا خطبهم وتصريحاتهم.

وكان زعيم التنظيم الأسبق أسامة بن لادن برر في تسجيل تلفزيوني، بثته قناة (الجزيرة) القطرية، فور اجتياح أفغانستان من جانب القوات الأميركية "إصابة أميركا في مقتل من مقاتلها"، بأن ما ذاقته أميركا ذلك اليوم، هو "شيءٌ يسيرٌ مما ذقناه منذ عشرات السنين"، معتبراً ما قام به رجاله فتحاً ونصراً وأخذاً بالثأر من المعتدين على أمته منذ 80 عاماً، على حد قوله.

لكنْ النتائج كانت خلاف ما يروِّج له بن لادن وفق الأرقام والإحصاءات، إذ ألحقت الهجمات خسائر جمّة بدول ومنظمات وهيئات إسلامية، أولها كانت حركة طالبان الأفغانيَّة التي تأويه، ناهيك بالمسلمين في أميركا والعالم الذين يدعي مناصرة قضاياهم.

تقييم "سي آي أيه" لأضرار المسلمين

وتكشف وكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي أيه" عن حجم الأضرار المهولة التي لحقت بالمسلمين الأميركيين بسبب أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، وأقرَّت في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني، يحمل تاريخ الـ15 من يوليو (تموز) 2003، بأن "السياسات الحكوميَّة أصبحت تشكل مصدراً مهماً للتمييز ضد المسلمين بأميركا، وقد سمح قانون مكافحة الإرهاب للسلطات بالتوسع في عمليات التفتيش والمراقبة بشكل غير مسبوق ودون توافر أدلة على ضلوع الأشخاص المراقبين في أنشطة خاطئة، إذ خضع ما بين 50 إلى 70 ألف مهاجر لعمليات تسجيل إجبارية لدى إدارة الهجرة الأميركية، فضلاً عن استجواب 8000 مسلم وعربي، واعتقال 738 منهم حتى أغسطس (آب) 2002 خضعوا لمعاملة مسيئة وتمييزية مثل الاعتداء عليهم لفظياً وجسدياً"، كما يقول التقرير الذي استند في أجزائه إلى رصد قامت به منظمات أميركية مسلمة، بينها منظمة كير، المتهمة بقربها من الإخوان المسلمين.

ولم يكن المسلمون الأميركيون وحدهم العرضة للأذى جراء أفعال تنظيم القاعدة، وردود الأفعال الناجمة عنه، إذ نقلت صحيفة "إندبندنت" في 2007 بيانات عن المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، رصده الانتماء الديني لضحايا الهجمات الإرهابية، فوجد أنَّ "المسلمين كانت نسبتهم 82 إلى 97% من قتلى الهجمات خلال السنوات الخمس الماضية"، مؤكداً أنَّ "المسلمين أكثر عرضة للهجمات بأضعاف كثيرة من غيرهم".

ورغم أنَّ تلك العمليات ليست جميعها من فعل القاعدة، فإنها كانت من سنّ المبدأ، إضافة إلى أنَّ داعش الذي نافسها في الدموية، كان فرعاً منشقاً عنها.

تشويه الصورة وتجييش الجيوش

ويعتبر فقهاء العالم الإسلامي، بمن فيهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أنَّ تعرُّض المسلمين أكثر من غيرهم للعنف الصادر عن القاعدة وأخواتها، برهانٌ قاطعٌ على أنَّ "الإرهاب الذي مارس جرائمه البشعة تحت لافتة الإسلام، استهدف المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، ولم يستهدف غيرهم إلا استثناء من قاعدته التي روّع بها المنطقة العربية بأسرها من أقصاها إلى أقصاها، واستهدف قطع رؤوس المسلمين وحدهم في صـور بشعة نكراء مقترنة بصيحـة (الله أكـبر) ليترسّخ في وجـدان الآخرين أنَّ هذا هو دين الإسلام".

ويؤيد ذلك رئيس مجلس حكماء المسلمين العلامة الموريتاني عبد الله بن بيه، الذي كشف عن تناقضات عدة، نحو ما تفعله القاعدة عملياً، وما تبرر بها أفعالها التي يصفها بـ"الفتنة".

وقال "فتنة الإرهاب شوَّهت صورة الإسلام في أعين الناس، ومن مقاصد الشريعة تحسين صورة الإسلام، وأهلكت أنفساً بريئة معصومة بالشرع، ودمَّرت منشآت محترمة في العالم الإسلامي وخارجه، واستعدت على العالم الإسلامي، وجيَّشت عليه جيوشاً أحدثت الدمار، واحتلت الديار".

ورداً على الذرائع التي تبرر به القاعدة أفعالها على لسان زعيمها بن لادن وخلفه الظواهري، يضيف بن بيه "الشريعة ترفض الجور والظلم، وتؤصل للعدل والإنصاف المرتبط بعقيدتنا، ومن شأن ذلك أنَّ ينـزع عن الإرهاب المبرّر الخلقي الذي قد يدّعي الاستناد إليه"، مؤكداً أنَّ الإرهاب "عبر القارات فأساء وآذى العالم كله، وفي مقدمته العالم الإسلامي الذي أصبح إلى حدِّ ما يمثل دور الضحية والمتهم".

ولذلك دعا الرجل الذي أسس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، إلى "السلم" باعتباره النقيض للإرهاب، معتبراً أنه "لا يمكن القضاء عليه إلا من خلال تضامن دولي صادق وفعّال، ونعنى بذلك أنَّ ينطلق هذا التضامن من قاعدة مفاهيم متفق عليها نحو أهداف متفق عليها بواسطة وسائل وآليات متفق عليها".

 

 

ضحايا بريئة

ويتتبع الباحث السعودي الدكتور محمد السلومي تأثير تلك الأحداث في المؤسسات الخيرية عبر كتابين، هما "ضحايا بريئة للحرب العالمية على الإرهاب"، و"القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب"، ومن خلال صفحات كتابيه التي تلامس الـ500 صفحة يلاحق السلومي ما خلفته الأحداث من الأضرار الجسيمة على العمل الخيري الإسلامي، وذلك بعد أنَّ زار 150 مؤسسة إسلاميَّة في 17 دولة بعد هجمات سبتمبر (أيلول).

يقول السلومي "الحدثُ كانت له انعكاسات كبيرة، وآثارٌ وتداعيات سلبية ضخمة، انعكست سلباً على العمل الخيري في العالم العربي والإسلامي بشكل خاص"، مؤكداً أنَّ القاسم المشترك لضحايا هذه الحرب هو "العمل الإنساني والديني".

وحاول ترسيخ أنَّ "التاريخ سجَّل في بداية هذا القرن أنَّ من أبرز الضحايا البريئة فيه المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية الإغاثية والتعليمية ببرامجها وأنشطتها وأموالها وبعض العاملين فيها، وغيرها من المؤسسات التي تدعم العدالة أو بعض القضايا الإسلامية، إذ تم غياب أو تغييب تلك المؤسسات الإسلامية بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من خلال إيقافها، أو تجميد حساباتها، أو اتهامها بدعاوى عامة لا تستند إلى دليل".

ويلاحظ الباحث السلومي وضع عشر مؤسسات خيرية في قائمة الإرهاب بعد مدة بسيطة من وقوع الأحداث، وهي: مؤسسة الأرض المقدسة (أميركا)، وفرعان لمؤسسة الحرمين في البوسنة والصومال، ومؤسسة الإغاثة العالمية (أميركا)، ومؤسسة الرحمة العالمية (أميركا)، ومؤسسة الأقصى (ألمانيا وأوروبا)، ومؤسسة الإغاثة الفلسطينية (فرنسا)، وإنتربال (بريطانيا)، والجمعية الفلسطينية (النمسا)، وجمعية سنابل للإغاثة والتنمية (لبنان)، وصندوق الأخطر (باكستان).

وبإلقاء نظرة على جهود مؤسسة واحدة من المؤسسات التي أُغلقت بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وهي مؤسسة الحرمين السعودية، ندرك مدى الضرر الذي لحق بالعمل الخيري جراء تلك الأحداث، إذ انطلقت المؤسسة التي وصفها عددٌ من المسؤولين السابقين في الحكومة الأميركية بأنها مماثلة  (لليونايتد وي الأميركية) العريقة The United Way، انطلقت من مدينة كراتشي بباكستان عام 1988 قبل أنَّ يصبح مقرها الرئيس في العاصمة السعودية الرياض منذ 1991.

وحسب تقرير نشرته صحيفة "الحياة" في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 2004، وذلك عقب إغلاق مؤسسة الحرمين بشكل نهائي، فإن المؤسسة أنفقت منذ نشأتها أكثر من مليار ريال سعودي (الدولار يساوي 3.75 ريالاً) على المجالات والأنشطة الإنسانية، وفق تقارير صادرة عنها قبل عام من إغلاقها، كما أدت دوراً بارزاً في مساعدة الشعب الفلسطيني والفقراء داخل السعودية، فيما يذكر السلومي أنَّ الحرمين أنشأت 1200 مسجد في الفترة 1992 - 2002، ووزعت 25 مليون وجبة خلال الفترة 2002 - 2001، كما وزَّعت نحو 100 ألف أضحية 1992 - 2001.

ويؤكد تقرير أميركي أنَّ مؤسسة الحرمين هي إحدى المؤسسات الخيرية الإسلامية العاملة في مجالات الإغاثة والدعوة الإسلامية والتعليم وكفالة الأيتام وبناء المساجد والملاجئ وبناء دور الرعاية الاجتماعية، وأسهمت مثل غيرها بـ"نجاح" في أزمات أفغانستان وكشمير والشيشان وكوسوفا والبوسنة والهرسك وغيرها.

 ويرصد تقرير أميركي آخر النشاطات السنوية لمؤسسة الحرمين، ويصف التقرير المؤسسة بأنها "حريصة على نشر الثقافة الإسلامية"، وذلك عن طريق طبع 13 مليون كتاب إسلامي، وتدشين ستة مواقع على الإنترنت وتوظيف أكثر من 3000 داعية، وتأسيس 1100 مسجد ومدرسة ومركز إسلامي ثقافي، وتوجيه أكثر من 350 ألف رسالة تدعو إلى اعتناق الإسلام.

قصف بأفغانستان وتجفيف منابع في العالم

وفيما تقصف الصواريخ والطائرات جبال تورا بورا كانت الممارسات الأمنيَّة هي الملجأ الذي اتبعته مختلف الحكومات لمكافحة أثر الفكر الذي حملته التفجيرات ورسائله التي توسّلت الروح الإسلامية وتذرعت بالجهادية.

ولم يكن العمل الخيري والدعوي السلفي بصفة عامة في شمال أفريقيا (المغرب العربي) بمنأى عن تلك الاتهامات التي طالت صورتها، وبرزت معالم جديدة في التعامل مع مختلف أطياف العمل الإسلامي ومظاهره في كل مكان، وهي المنطقة التي كانت لتوها خرجت من عشرية سوداء في الجزائر انتشرت شظاياها في كل أرجاء الإقليم.

وجاءت الحرب على الإرهاب بنقيض ما حسبه منفذو هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) خدمة للإسلام، فتشوّهت صورة الإسلام والمسلمين، وتضررت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية حتى كادت أنَّ تحظر بما في ذلك المغرب بعد هجمات الدار البيضاء، وأحدثت انعكاسات سلبية على الدعوة السلفية والمنتمين إليها، كما جمّد عمل معهد جامعة الإمام في نواكشوط، وأغلقت عشرات المدارس القرآنية، وأدت الاحترازات الأمنية إلى اعتقال العشرات والمئات من رجال الدين والمنتمين إلى الفكر السلفي. إضافة إلى تعثر مشروعات كانت تشرف عليها مؤسسات كالحرمين  في مناطق متفرقة من العالم ليس الساحل والشمال الأفريقي استثناءً من ذلك.

حتى إنَّ المحلل السياسي المغربي إدريس الكنبوري ربط ظهور مشروع قانون مكافحة الإرهاب بالمغرب آنذاك بالاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة ما بعد الـ11 من سبتمبر (أيلول)، متناولاً الآثار الناشئة عنها من "حملة قوية في صفوف الدعاة وخطباء المساجد وأعضاء الدعوة السلفية والعائدين من أفغانستان في الأعوام الماضية، ووضعت خطة لمراقبة المساجد ومراكز العبادة والتعليم القرآني، كما وزَّع الجيش مذكرة داخليَّة تمنع العاملين والموظفين نساءً ورجالاً من وضع الحجاب أو إعفاء اللحية".

ويذهب الكنبوري إلى أبعد من ذلك من خلال اعتباره أنَّ "مخاوف التيار الإسلامي تكاد تكون الأكبر بين الهيئات السياسية والمدنية المختلفة، لأنه المتضرر الأول وربما الوحيد، فالحملة التي انطلقت في البلاد حينها استهدفت بالخصوص أعضاء مختلف التيارات الدينية"، كما جعل شن الحكومة حملة على أتباع ودعاة التيار السلفي علامة على الانتقال من زمن التعايش إلى مرحلة الصدام في المغرب.

وفيما كانت الحرب التي بعثتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) تثير مشاعر الغضب لدى الشبان الموريتانيين، يرى الباحث بمركز كارنيغي للشرق الأوسط فريدريك أنَّ الحرب التي قادها الغرب على الإرهاب بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) شكَّلت مادةً قويةً لتعبئة المقاتلين ضد نظام معاوية ولد الطايع، مستشهداً بمقولة إمام سلفي بأن النظام الموريتاني يُسهم من خلال سوق مكافحة الإرهاب في زيادة التطرّف بدلاً من خفضه، وأنَّ الأشخاص الذين يحاربون الإرهاب يسهمون في توليده.

ويروي الباحث بعض مظاهر المواجهة، التي هيجتها مرحلة ما بعد سبتمبر (أيلول) في إغلاق المساجد والمدارس والمعاهد غير الخاضعة لسيطرة الدولة وشنّ حملة أسفرت عن اعتقال خمسة وثلاثين إماماً مسلماً وقاضياً وغيرهم من الشخصيات، وهذا رقمٌ كبيرٌ بالمعايير الموريتانية، معتبراً أنها أطلقت المرحلة الأخيرة من حكم الطايع شرارة الهجمات على أيدي الإرهابيين.

ويرجع الباحث بمركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي محمود جابر، المتحامل بشدة على الوهابية، حضور الجماعات الإرهابية والقاعدة في أفريقيا إلى استخدام الصراعات والاضطرابات لزيادة التطرف في صفوف العناصر الإسلامية الأفريقية، مضيفاً أنَّ "أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) شكَّلت نقلة نوعيَّة للتنظيمات السلفية المغربية في أقطارها".

إجهاض حلم طالبان

ويسجل مراحل تشكُّل الحُلم القاعدي وتسرطنه في مراحل متعددة، وأنَّ الانطلاق من السودان، لكن المشروع تعثر، ثم انتقل إلى أفغانستان، وحدث له ما أراد بالتحالف مع طالبان، لكن استعجاله بمحاربة (الكفار والصليبيين)، كما أراد بن لادن وحليفه الظواهري بأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) أدى إلى إجهاض حلمهم أيضاً بتدمير طالبان، ثم تكررت المحاولات عبر المحاكم الصوماليَّة، وفي الأخير يحاول تنظيم الجهاد نقل قواعده وحركته ومواجهته إلى أفريقيا، ولم يمض سوى وقت قصير على خطاب أيمن الظواهري (بمناسبة الذكرى الخامسة لأحداث الـ11 سبتمبر "أيلول")، الذي أعلن فيه انضمام الجماعة السلفية إلى الدعوة والقتال بالجزائر إلى القاعدة، حتى غيّرت الجماعة اسمها إلى "قاعدة الجهاد في بلاد المغرب العربي"، وقامت بعملية نوعية خطيرة ضد الجيش الجزائري في منطقة أمنيَّة محصّنة، ما بعث برسالة واضحة بأنها نقطة تحوّل استراتيجي في نشاط القاعدة الأفريقي.

ويعدّد جابر في ختام بحثه بعض المظاهر والآثار التي ترتبت على توسّع الإرهابيين في المغرب العربي، بظهور إسلام جديد حملته "جلف الطباع، غلاظ القلوب، بدويو المزاج، عنيفو التصرف، يدفعون بالتي هي أخشن".  

تطرفٌ أنتج تطرفاً

ويلخص أستاذ فلسفة الدين في جامعة عبد المالك السعدي المغربي الدكتور أحمد بوعود آثار الهجمات على الإسلام عموماً بأنها جعلت الدعاة إليه في موقف دفاع، بحثاً عما يدفع التهم، وتوغل آفات جديدة ضد الإسلام، مثل ظاهرة "إسلاموفوبيا" التي أجج الإرهاب أوارها.

وقال "لا أحد يمكنه إنكار أثر أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) على الوجود الإسلامي بالغرب، بل وحتى بالبلدان الإسلامية". وذكر عدداً من النقاط التي اعتبرها أساسية:

أولا: أنَّ هذه الأحداث لا تمثل الإسلام، إنما تعبيرٌ عن فهمٍ متطرفٍ لنصوص القرآن الكريم وسُنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم أنَّ مثل هذا التطرف كان موجوداً قبل هذه الأحداث، فإن آثاره لم تكن بهذا الحجم.

كما لا ينبغي أنَّ يفوتنا أنَّ هذه الأحداث جاءت رداً على السياسة الأميركية الخارجية تجاه العالم الإسلامي، فالتطرف قُوبل بالتطرف. بعد هذه الأحداث نلاحظ أنَّ كثيراً من الجماعات الإسلامية اضطرت إلى مراجعة أدبياتها نفياً لتهمة التطرف عنها، سواء داخل بلدانها أو خارجها.

الجرأة على النبي

ثانياً: الخطير هو أننا بعد هذه الأحداث صرنا نسمع خطاباً إسلاموفوبياً، فحواه أنَّ النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان قتَّالاً للنساء والأطفال سفَّاكاً للدماء، وبالتالي هذا هو الدين الذي يعتنقه المسلمون دين قتل وإرهاب! وهذا الخطاب صار حديث الإعلام في الغرب، وحتى في الشرق.

من هنا، صار الناس ينفرون من كل ما هو إسلامي أو له علاقة بالإسلام، كما صرنا نلاحظ بعض التضييق على المسلمين ووجودهم بالغرب. ويمكن أنْ نستحضر هنا بيان المثقفين الأميركيين الستين الذي صدر عن معهد القيم الأميركية فبراير (شباط) 2002 تحت عنوان: "على أي أساس نقاتل؟"، إذ يبرر هؤلاء المثقفون الحرب التي بدأت تشنها أميركا على بعض دول العالم الإسلامي، ليرد عليهم بعدها مثقفون سعوديون ببيان تحت عنوان "على أي أساس نتعايش؟".

صار الإسلام في موقف دفاع

ثالثاً: لكنْ رغم هذا ظهرت فئة منصفة من المفكرين بالغرب حاولت أنَّ تبرئ الإسلام من الإرهاب، وتنصف نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، مبرزة أنَّ الدين الإسلامي دين تسامح وسلام، ونذكر هنا الباحثة في الأديان البريطانية كارين أرمسترونغ وكتابها "محمدٌ نبيٌّ لزماننا"، وكذلك الأميركي كارل إرنست، وكتابه "على نهج محمد".

وعموماً، أصبح المسلمون والمتعاطفون معهم يشتغلون على قضية أساسية هي إيضاح ميزات الإسلام، لكن للأسف بمنطق دفاعي، وربما كان الأولى في هذه المرحلة (طبعاً إنْ لم تكن هناك أحداث) عرض الإسلام من حيث بدائله الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة وغير ذلك، بدل التصدي لهذه التهم والانشغال بها.

حربٌ أهليَّة داخل الإسلام

أمَّا أشد الأضرار التي يرى السياسيون في العالم العربي أنَّ هجمات سبتمبر (أيلول) وما جاء بعدها، أفضت إليه، فهو إطلاق شرارة "حرب أهلية داخل الإسلام" نفسه، وتعميقها الانقسامات الطائفيَّة والدينية بالمنطقة العربية.

ويؤصّل العاهل الأردني عبد الله بن الحسين هذا المفهوم من موقعه السياسي والديني باعتبار بلاده وصيَّةً على القدس، قائلاً "كل دول العالم بوضع حرب بين الاعتدال والتطرف، واليوم هناك حرب أهليَّة داخل الإسلام، لكن للأسف نحن كعرب ومسلمين لم نشعر لغاية الآن بخطورة هذا الوضع".

لكنه استدرك، في التصريحات التي نقلتها عنه وكالة الأنباء الفرنسية 2014، بأن هذا التطرف لا يقتصر على الإسلام، بل يقابله تطرفٌ في سياسة إسرائيل. وقال "هناك تطرف إسلامي، وأيضاً في المقابل يوجد تطرف صهيوني، وإنه إذا ما أرادت كل الأطراف الإقليمية والدولية محاربة هذا الأمر فلا يمكن القول إنَّ هناك تطرفاً إسلامياً فقط، بل يجب الاعتراف بوجود تطرفٍ في جميع الجهات".

وكان الملك الأردني اشتهر أيضاً بالتحذير مما سماه "الهلال الشيعي" حتى قبل الربيع العربي والسيطرة الإيرانية على القرار في دمشق وصنعاء، لافتاً إلى أنه يمثل "تهديداً لدول المنطقة بإثارة الاحتقان الطائفي"، الذي يمثل أحد معالم التطرف المتبادل بين المتطرفين السُّنة مثل (القاعدة)، ونظرائهم الشيعة أمثال (حزب الله).

المزيد من سياسة