"كيميا" عرض يستلهم أشعار محمود درويش... بحثا عن الحب المغناطيسي

المخرج السوري عجاج سليم يقارب مسرح اللامعقول

من مسرحية "كيميا" السورية (اندبندنت عربية)

قصة العرض تبدو من الخيال العلمي، إذ يحدث أن يقع رجل متزوج ذاهب لشراء الخبز لزوجته، في حب فتاة تستعد لمراسم زفافها، لكن صدفة فيزيائية جعلت كل من "نور" (زامل الزامل) و"ضياء" (علا سعيد) يقعان في "مجال مغناطيسي" يقيّد جسديهما بعضاً إلى بعض ، ويشل حركتهما عن كل المحاولات التي يبذلانها للتخلص من هذه القوة الخفية التي تشد كل منهما للآخر، إلا أن الحقل المغناطيسي سوف يوثقهما في وثاقٍ أبدي، وكأنهما صورة عن الكائن الأفلاطوني بأطرافه الثمانية، حيث كل نصفٍ منه ينفصل عن الآخر، ليعود ويبحث عن نقصانه وكماله في آنٍ معاً في نصفه المفقود.

هذه الحادثة التي شّكلت بنية مسرحية "كيميا" لمخرجها عجاج سليم تتطور أحداثها، وذلك مع وصول خطيب الفتاة (طارق نخلة)، وكل من والديها (وليد الدبس وسلوى  حنا) إلى مسرح الحدث، حيث تتعقد الحبكة لصدام دامٍ بين هؤلاء و"الرجل المرتهن" في مجال مغناطيسي واحد مع ابنتهم الشابة. من هنا ومع اكتشاف عائلة الفتاة لصعوبة فكّ وثاق فتاتهم عن الرجل الغريب الملتصق بها، يقررون اصطحاب هذا الأخير معهم إلى حفلة العرس، لتتداعى مفارقات عديدة تجعل الجميع في مواجهة صارخة، سوف تضاف إلى فصولها زوجة الرجل (نجاح مختار) مع اكتشافها لحكاية زوجها، وقصة التصاقه الغريبة بفتاة عابرة.

لازمة شعرية

تقطع هذه السيرورة ظهورات لشخصية المتسكع (مأمون الفرخ) الذي ظل يردد مقطوعات من أشعار محمود درويش التي بدأ عجاج العرض بها: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" منشئاً لازمة ترددت طوال فترة المسرحية، لتتقاطع أو تتنافر معها، في عودة إلى محاولة تدجين النص الشعري لصالح الحدث الدرامي، والذي يظهر هنا مع معرفة مواقف الشخصيات المتباينة مما يجري أمامهم من أحداث خارقة، تجعل العروس الشابة تستنكف عن حبها لخطيبها، وتتقرب من الرجل المتزوج وهذا بدوره يهرب من "عش الزوجية" نحو مشاعر بات يختبرها مع شريكته في مصيدة المجال المغناطيسي.

ظروف قاربت مسرح اللامعقول لكن بأدوات الواقع نفسه، ومن دون توضيح لشخصيات العرض التي ظلت في الإعداد الذي حققه سليم عن نص "مجالات"  لألكسندر أوبرازتسوف، مفضلاً طرح كوميديا ارتجال في مسارات متعددة لقص مشوّق على الخشبة، معتمداً على حوارات متصاعدة على ألسنة شخوص المسرحية الأصلية، لتؤدي حادثة الالتصاق بين كل من الشابة "يونونا" الذاهبة إلى التبضع من أجل التحضير لحفلة عرسها، ودانييل الذي يحلم بالعودة إلى بيته وزوجته التي تنتظره، إلى مفارقات عديدة، مما يفاقم من المغنطة بين مجالات الشخصيات التي بدت في النص الأصلي معلّقة في الهواء، وفي مكاشفات تستدعي نبشاً في البنية الاجتماعية الروسية 1955. العام الذي شهد تقلبات سياسية وعسكرية كبيرة في موطن الكاتب الروسي الساخر، وبزوغ ما كان يسمى بـ "حلف وارسو" وبدء ما سمي حينها بالحرب الباردة حتى عام 1991 وتفككه الشهير من الداخل.

من هنا بدا النص في صيغته المترجمة والمُعدّة للمحكية السورية، بحاجة إلى جهد دراماتورجي كبير لنقل بيئة النص إلى بيئة العرض الراهنة، ووفق شرط اللعبة المسرحية الأساسي: "الآن- هنا- نحن- الآخر" أي وضع سياقات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية تحاكي الجمهور الجديد في ظرفه الحالي، وهذا يعود أولاً وأخيراً للمخرج صاحب المشروع الأكثر دراية بالظروف والحلول الفنية التي يجب العمل عليها في العرض، إذ جرى في "كيميا" العمل على اختصار الفصول الثلاثة للنص الأصلي، لكن وفق إعداد كان من الممكن أن يسمح بتوضيح للشخصيات ورمزيتها في الإسقاط على الواقع الراهن، وهذا إن كان يبدو هنا خياراً فنياً للمخرج، إلا أن النسخة السورية من "مجالات" ساعدت في زيادة الإبهام حول مقولة العمل والغاية من تحقيقه على "مسرح الحمراء الدمشقي"، باستثناء إعلاء شأن الحب في زمن الحرب. المقولة التي ظلت خجولة في حدودها الرومانسية، مع تلميحات جانبية مثلتاها شخصيتا ممرض العصفورية (فادي حموي) و رجل البوليس (سليمان قطان) واللذان ظهرا في مشهد واحد بدا مقحماً على جسم العرض، مترافقاً مع موسيقى محمد العزاوي من دون انقطاع على مدى زمن الفرجة، جنباً إلى جنب مع تشكيلات بصرية راقصة لكل من بسام حميدي وجمال تركماني بقيت في حدود الزركشة والتزيين، دون توظيفها كما يجب في البنية الجوهرية للعبة المسرحية.

جو عبثي

العرض الذي أنتجته "مديرية المسارح والموسيقى" لصالح فرقة المسرح القومي اكتفى بتنويعات من ستائر دانتيلا وأزياء صممتها ياسمين أبو فخر في مقاربة للعبة مسرحية مفتوحة، طمست من خلالها الشرط الواقعي، وذلك لصالح توشيحات غرائبية تناغمت إلى حدٍ بعيد مع توجه العرض وبنيته شبه العبثية، ليبقى المكان مشوّشاً، فالشارع والبيت والحديقة العامة، ظلت فضاءات متداخلة، وظل كل من كرسي الحديقة وإشارة المرور ظاهران طيلة الوقت، دون محاولة إضفاء تمايز بين هذه الفضاءات الثلاثة، على الرغم من تبدل مواقع الشخصيات، وانتقالها بين حيز وآخر على الخشبة.

هكذا يبتعد عجاج سليم عن النوع الذي واظب لسنوات على تقديمه في كل من "سفر برلك" 1994 و"نور العيون" 2001 و "هوب هوب" 2014 مؤثراً التجريب على مستويات عديدة، سواء في النص أو السينوغرافيا، أو حتى العمل مع الممثل، وهنا لا يفوتنا التنويه بجهد ممثلي "كيميا" ولاسيما الجهد النوعي للممثلة نجاح مختار التي بدت أكثر انعتاقاً من النمط المبني على ردود الفعل، نحو حضور قوي ومتوازن في أدائها لدور الزوجة المخدوعة، وثورتها على نواميس اجتماعية قدمتها من صميم الجرح النرجسي لامرأة جرحتها الخيانة، بعيداً عن استجداء عاطفة الجمهور، أو محاولة اللعب على مشاعره، بل بالتركيز على ثراء نفسي قدمته "مختار" ببراعة، جنباً إلى جنب مع كلٍ من وليد الدبس وعلا سعيد وطارق نخلة.

يبقى "كيميا" محاولة جريئة لكسر الشكل التقليدي للعرض المدرسي، إنما بمقادير لم يوفرها الإعداد الجديد، بل بمناكفة مشروعة لانتقاد روتين الحياة والإذعان للمصير الفردي، نحو التفكير بمجالات أكثر رحابة، مجالات أكثر تحرراً من عبء المؤسسة الزوجية التي شكلت في النص الأصلي رمزية مختلفة لنقد المؤسسة الدينية والسياسية، وفي إشارة باهتة لظهور الفتاة قبل نهاية العرض بقليل على أنها حامل دون عقد زواج، حيث أبقى المخرج على مسافة أمان بينه وبين الرقابة الاجتماعية والسياسية، مختاراً التلميح إلى كسر الحلقة الضيقة للأعراف والتقاليد، خالصاً إلى "كيمياء" جديدة لا تطبق تجاربها على الجمهور على أنه فئران مخابر، ولا تنتظر سيلان لعاب كلب "بافلوف الشهير مع كل قرع لجرس التنبيه، لكن كي لا تعيش أبداً في الخوف؛ المنعكس الشرطي للانصياع والطاعة للعادات اليومية!

 

المزيد من ثقافة