حرق الشيطان وغزو العراق... هل يرجحان "المؤامرة" في هجمات سبتمبر؟

إقرار "القاعدة" طعن النظرية... وقدرات واشنطن الخارقة عززت الشكوك

تجدُ (نظرية المؤامرة) الشهيرة تربةً خِصبةً بالمنطقة العربيَّة والإسلاميَّة التي تعيش منذ "سايكس بيكو" على وقع المؤامرات، بما جعل حتى الأحداث التلقائيَّة التي تحدث يُبحث عن خيوطٍ للمؤامرة خلفها، وهجمات تنظيم القاعدة على مركز التجارة العالمي في منطقة "منهاتن" ذات الرمزية الخاصة في نيويورك الأميركية، ليست استثناءً.

بل إنّ التفسيرات المتشعبة للواقعة لحظة الارتطام البهلوانيَّة سبقت حتى الخطاب الأميركي، وتبنَّى التنظيم الدموي العمليَّة التي راح ضحيتها نحو 3 آلاف من المدنيين الأبرياء، وأضعافهم من الجرحى.

فقبل أن تعلن السلطات الأميركية نتائج التحقيق في الحادثة، كانت أصابع القاعدة واضحة المعالم، إذ هددت بأفعال مماثلة من قبل وفعلت قريباً منها بسفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام 1998.

ومع كَيل التهم إلى العرب والمسلمين من جانب الإعلام الأميركي ومن ثم الغربي، صار التفكير جدياً في تأويل الحادثة والنتائج المتوقعة من ورائها إلى أبعد. فهناك من قال إنها "مؤامرة صهيونية أُلبستها القاعدة"، وآخر يدّعي أنها "محاكاة سياسية لأفلام هوليوودية، لإطلاق الشرارة لـ(صراع الحضارات) بين الغرب والإسلام"، الذي بشَّرت به نظريات أميركية وغربية، وعند التضييق على المسلمين في أميركا والعرب، جاء صوتٌ آخر يزعم أن الهجمات ترمي إلى "تطهير أميركا والغرب من غول الإسلام الغازي".

ومع أن النظريات من هذا النوع وسواه ليست محصورةً في العرب والمسلمين، فإن  غزو العراق الغنيّ بالنفط من دون علاقة واضحة لنظام صدام حسين بالقاعدة والتيارات الجهادية والإعلان عن مخططات "الشرق الأوسط الجديد"، أقنعت عدداً أكبر بأن "هجمات سبتمبر" كان فيها جانب تآمر، إن لم يكن في تخطيطها أو تسهيل تنفيذها، ففي استغلالها.

وفي حينه سوّقت وسائل إعلام عربيَّة وأجنبيَّة إلى جانب "التآمر" في الهجمات، فنقلت وكالة (رويترز) عن وزير بريطاني سابق قوله "إن الولايات المتحدة تعمَّدت أن لا تفعل شيئا لإجهاض هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 التي كانت على معرفة مسبقة بها، وذلك لكي تستعملها ذريعةً لتعزيز سعيها للهيمنة على العالم".

وقالت الوكالة إن "مايكل ميتشر وزير البيئة السابق في حكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ذكر في مقالة نشرتها صحيفة "الغارديان" أن "الحرب التي تشنها واشنطن ضد الإرهاب تُستخدم غطاءً زائفاً لتحقيق أهداف أميركية سياسية استراتيجية أوسع نطاقاً".

وأضاف ميتشر "الحرب العالميَّة على الإرهاب تحمل سمات خرافة سياسية رُوَّج لها لتمهيد الطريق أمام أجندة مختلفة كلياً تتمثل في سعي الولايات المتحدة إلى الهيمنة على العالم عبر السيطرة على إمدادات النفط المطلوبة"، لافتاً إلى أن "تقريراً للمخابرات حذَّر في 1999 من أن مفجرين انتحاريين من القاعدة ربما يهاجمون بطائرة محملة بالمتفجرات البنتاغون أو مقر وكالة المخابرات الأميركية أو البيت الأبيض". وسارعت السفارة الأميركية في بريطانيا إلى نفي ذلك، معتبرة مضمون مقالة ميتشر في هذا الصدد "مزاعم خياليَّة بشعة".

نظرية المؤامرة تكسب مع العراق

التفسيرات التآمريَّة لم تكن جديةً في نظر الباحثين، خصوصاً بعد ظهور بن لادن يبارك عمل "الفتية المؤمنين الذين كسروا كبرياء أميركا وغطرستها"، إلا أنه بعد غزو الأميركيين العراقيين والتمكين لطهران، وجدت النظرية مصدقين أكثر من ذي قبل، خصوصاً أن الأسباب المذكورة للغزو لم تقنع أحداً حتى في ذلك الوقت، قبل أن يعود من أطلقوها ويقرون بأنهم كانوا كاذبين، أمثال كولن باول وتوني بلير، أو تعرضوا إلى "التضليل الاستخباراتي".

لكن المفكّر العراقي رشيد خيون، في حديثه مع "إندبندنت عربية" له رأيٌّ مغايرٌ، إذ يرفض أي "مؤامرة في ربط (هجمات سبتمبر) بغزو العراق، حتى وإن كانت حجة الأميركيين واهيةً".

وقال "لا أرى في الموضوع مؤامرةً، إنما حرب مصالح، الأمريكان كانوا عازمين على إسقاط النظام بالغزو، خصوصاً بعد صدور قانون تحرير العراق 1998، لكن مجيء بوش الابن وضربات نيويورك عززت وعجَّلت بذلك، فرفضت محاولات التغيير من غير غزو من قبل الأمريكان".

صدام وبن لادن والوسيط الترابي

أمَّا تُهم علاقة صدام بالقاعدة، فإن خيون عكس الشائع يرفض أن تكون عبثاً، حتى وإن خالفت التسويق الأميركي وهوى النظام العراقي أيضاً.

وروى أن القصة بدأت منذ وجود بن لادن في أفغانستان، ومحاولة الترابي إيجاد صلة ما بينه ونظام البعث في الثمانينيات من القرن الماضي. لكنه لا ينفي أن "ضربات نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 لها علاقة مباشرة بغزو العراق، بعد أفغانستان، مع أنهم كانوا يعلمون أن العراق ليس له صلة بالضربات، أشيع عن وجود حلقة بين النظام العراقي والقاعدة، ليست الحقيقة كلها، إنما كانت هناك محاولات من قبل العراق لربط صلة مع بن لادن عندما كان بالسودان".

وكان الوسيط فيما يوثق المفكر العراقي جماعة الإخوان المسلمين بسوريا، حيث "كان الإخوان لهم وجود ببغداد خلال الخلاف بين سوريا والعراق، ثم توسط حسن الترابي، والدوائر العراقية بعثت برسالة لابن لادن لإقناعه بالعمل المشترك على أساس أنه يعمل ضد السعودية والعراق كذلك، هذا ما جاء على لسان ضابط المخابرات العراقية والمسؤول عن الملف الأميركي، لكن بن لادن رفض ذلك بعذر أن البعث حزب علماني".

سمها ما شئت... الغزوُ مدبرٌ

ومع إقراره بأن غزو العراق خلفه مآربٌ أخرى أبعد من النفط، إلا أن خيون يرجّح أن "القصة ليست قصة مؤامرة، نرفضها أو نقبلها، وأن يجري الحديث بهذه السهولة عن الواقع السياسي، بين أصحاب نظرية المؤامرة أو رافضيها، فمن المعلوم أن أجهزة المخابرات بالدول كافة تعمل منفصلةً عن الدبلوماسيَّة، وطبعاً ضمن توجه دولها العريض، سواء سميناه مؤامرةً أو أي اسم آخر".

ويعتبر أن الحوادث سلسلة مرتبطة الحلقات، "ولا أظن أن الأمر كله يخص النفط، فوراء تحطيم الدولة بالعراق أغراضٌ أخرى، فرض القوة الإسرائيلية وتحقيق ما عُرف بالشرق الأوسط الجديد، المبني على تمزيق المجتمعات والدول، ثم البناء من جديد، أي إعادة التصميم ثم العمارة، ولا منظّر يستطيع إقناعنا أن حلّ الجيش العراقي وتحطيم الدولة العراقيَّة، وتسليم العراق إلى الإسلاميين وإيران يخدم مشروع الديموقراطية، وتشييد العراق الجديد"!

"حرق الشيطان" توضح الصورة أكثر

إذا كان غزو العراق فُهِمَ من جانب محللين باعتباره استغلالاً سيئاً للهجمات، وليس دليلاً صريحاً على تدبيرها أو غض الطرف عنها، لتبرير الغزو كما يقول الوزير البريطاني، فإن الأدلة الجديدة بعد مضي سنوات عدة على وقوع الهجمات، تكشف عن مؤامرة أكثر منطقيَّة تبنتها رسمياً الأجهزة الأميركية التي بات في علمها كما تقول أن "الإيرانيين كانوا على علم بهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) قبل وقوعها، بل قدَّموا لبعض العناصر المنفذة لها دعماً لوجيستياً".

ويوثّق باحثان سعودي وأميركي، هما الدكتور عبد الله بن موسى الطاير وجيمس موور في كتاب جديد أصدراه باللغة الإنجليزية، ونُشِرَ بأميركا، "شهادات ومعلومات استخباراتية بعضها أدلى بها مسؤولون إيرانيون سابقون، تروي قصة الدور الإيراني في العمليَّة الإرهابية الأشهر في هذا القرن حتى الآن".

الباحث السعودي الطاير، أكد في اتصال مع "إندبندنت عربية"، أنه وشريكه في المشروع، تتبعا خطوات المؤامرة، التي أطلق عليها الإيرانيون اسم "حرق الشيطان"، فكان ذلك هو عنوان الكتاب.

وأضاف "الأمر لا يتعلق بنظرية المؤامرة، إنما بخطة وُضِعت بإحكام لاصطياد عدة طيور بحجر واحد. فحرق الشيطان وفقاً لمرافعات وشهود في قضية مرفوعة ضد إيران في محكمة فيدرالية بنيويورك هو الاسم الرمزي الذي أبلغت به إيران عملاءها منتصف عام 2001، وأخبرتهم أنه فُعِلت العملية، ومما يزيد هذا الاعتقاد صدقية أن إيران اشترت جهاز محاكاة قيادة طائرات بوينغ، وهي لا تملك واحدة منها، بينما جميع الطائرات المشاركة في هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) من طراز بوينغ".

وكان تقريرٌ للجنة البرلمانية المستقلة حول تلك الأحداث (يؤكد الطاير) أنه تحدَّث عن "علاقة لإيران بالموضوع، وتمت التوصية في التقرير بمتابعة الأجهزة الأميركية الأمنية له، لكن لم يحدث ذلك، وهو ما جعل بعض أسر الضحايا يعتمدون على هذه التوصية ويوظفون خبراءً ومحامين لمزيد من البحث في علاقة إيران بأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، وقد استدعى القاضي الشهود، ومنهم عميل مخابرات إيراني استدعي من ألمانيا للشهادة، وأُدينت إيران فعلاً، وصدر عليها حكمٌ بذلك مرتين".

تفسير المؤامرة بـ"مؤامرات" أخرى

وفي وقت تنفي طهران رواية الكاتبين، فهما يكشفان أنه على الرغم من نفي القاعدة وإيران، كلٌّ من طرفه، علاقة استراتيجيّة بينهما، فإن "المعلومات الموثقة تشهد بأن الصلة بدأت بين الجانبين في السودان منذ عام 1992، عندما التقى وفد الحرس الثوري أسامة بن لادن وبرعاية الشيخ حسن الترابي الذي كان يؤمن بالتقريب بين المذاهب، وله طروحات في ذلك. وقد كان عماد مغنية ضمن ذلك الوفد، ودُرِبت عناصر القاعدة في لبنان، كما أن أميركا والسعودية عدوٌ مشتركٌ لكل من القاعدة وإيران، ولذلك فقد كانت العمليّة خطةً أعدَّتها دولة، ونُفِذت من قبل عناصر إرهابية حُرِصَ على اختيارها من الجنسية السعوديَّة". على حد وصفهما.

وذهب الكاتبان في النظرة التآمرية إلى أبعد، عندما شككا في أن يكون السعوديون الذين يشكلون غالبية المنفذين للهجمات، كانوا في الطائرات يومها أم أنهم جرت تصفيتهم في مكانٍ آخر، وكان المنفذون أشخاصاً آخرين يحملون جوازاتهم، في إشارة إلى الإيرانيين!

ويبرران وجاهة هذا الزعم بأن "ثمة تقارير عديدة تتحدث عن سفر الإرهابيين إلى إيران برفقة عماد مغنية، وعدم ختم جوازات سفرهم، كما أن خالد شيخ محمد سهّل مرور اثنين من الإرهابيين من طهران إلى مكة ثم أميركا في أثناء إقامته في الدوحة. العلاقة بين القاعدة وإيران حقيقية، وقد أفرجت المخابرات الأميركية عن عدد من الوثائق التي وُجِدت في مقر أسامة بن لادن الذي قتل فيه، وهي تشير إلى أن السعودية وأميركا عدوٌ مشترك للقاعدة والحرس الثوري، ولذلك ضُربت أميركا بالسعودية في محاولة لتهشيم العلاقات الاستراتيجية بين البلدين".

 

 

لولا داعش ما كان "الحشد"

وبالعودة إلى الباحث العراقي رشيد خيون، فإن مشروع إيران مستقلٌ عن القاعدة وداعش، إلا أنها وظفتهما في تحقيق مراميها، فلولا داعش لما كانت الحاجة إلى "الحشد الشعبي".

أمَّا ما يخص نشأة القاعدة وداعش، فرآها "نتيجة طبيعية للحرب بأفغانستان، والتدريب الهائل لتلك القوى الدينية، فقد كانت حرباً مظهرها دينيٌّ تماماً وجوهرها صراع الأميركان والسوفييت. فبعد خروج ما سُمّي بالأفغان العرب من أفغانستان، لا يمكن أن يعودوا إلى حياتهم العادية ببلدانهم ما قبل ذلك، والمايسترو كان الإخواني عبد الله عزام، فالدول التي كانت تدعم تلك الحرب تخلَّت عن هذه الجماعات، بعد أن وصلها خطرها".

لكن إذا تعلَّق الأمر بإيران، فإنها "لها مشروعها الإسلامي المستقل، وفعلها في تصدير الثورة، وتبقى القاعدة وداعش بعدها حجتها بالوجود القوي المهيمن على العراق، فبوجود داعش تأسس الحشد الشعبي بما يشبه الحرس الثوري أو هو كذلك، مجموعة ميليشيات تابعة للولي الفقيه، ومستعدة أن تحارب العراق نفسه مع إيران، وهذا ما صرح به أكثر من عضو بالجماعة. كذلك لا ننسى البدايات، إذ فتحت الحدود السورية على العراق للقاعدة عام 2003، وأن عناصر من حزب الله مثل عماد مغنية كانت تدرّب ما سمّوه بالمقاومة الإسلامية على الأراضي السورية، ضد الاحتلال الأميركي". حسب خيون.

هدية السماء من أميركا إلى إيران؟

نظريات المؤامرة التي تولَّدت عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ولا تزال عربياً، لدى تنظيم القاعدة لها تفسير آخر، هو أنها استطاعت إلحاق الأذى بالقوة العظمى، لتقول إنها حققت معجزةً لم يستطع غيرها الحُلم بها، وإن "الأميركيين جبناء وإن بدوا أقوياء مدججين بالأسلحة"، في وقت كان التشكيك في هكذا رواية، هو الباعث على تفسير التآمر الأكبر، إن لم يكن في وقوع الحادثة ففيما جاء بعدها، بما في ذلك قضاء نحو 10 سنوات في البحث عن بن لادن من دون أن تجد له استخبارات أميركا والعالم أي أثر، وبعده زعيم داعش الآخر أبو بكر البغدادي.

غير أن سلسلة المؤامرات لا تتوقف عند هذه النقطة، إذ ترى طائفة من المسلمين السُّنة أنه ليس صدفةً أن نظام الملالي في إيران هو المستفيد حتى الآن من كل ردود الفعل التي صدرت عن أميركا بعد استهداف أرضها من جانب القاعدة، إذ أسقطت أقرب جيرانها الذين يشكلون تهديداً لطهران، التي تتبادل مع أميركا العداء منذ حين.

ويقر حليف الأميركيين أيام غزو العراق وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري في حديثه مع "إندبندنت عربية"، بأن "النظام الإيراني كان ما حدث بالنسبة إليه هدية من السماء".

وقال "إيران لم تُصدّق ما جرى، كانت محاصرةً من نظام سُنّي بأفغانستان، ونظام صدام حسين بالعراق، الذي دخل معهم في حرب مدة 8 سنوات. جاءت أميركا، وأزالت الاثنين، فكانت هدية من السماء".

المزيد من سياسة