شح السيولة وانهيار العملة... القطار الذي يدهس الشركات التركية

توجيهات حكومية للمصارف بشطب ديون بعضها... و"الطاقة" على قائمة المتعثرة

الليرة التركية تراجعت بنسبة 30% خلال عام (رويترز)

في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن ركود اقتصادي يلوح في الأفق ومزيد من الأزمات المتعلقة بتراجع معدلات النمو العالمي، يختلف الوضع في تركيا كثيراً للعديد من الأسباب سواء الداخلية أو الخارجية.

فبخلاف الأزمات الاقتصادية التي يعانيها الجميع، يزخر ملف الأزمات الاقتصادية في تركيا بالعديد من المشكلات الداخلية التي طالت قطاع الشركات والمستثمرين وفي طريقها إلى القطاع المصرفي. هذا بالإضافة إلى الأزمات التي يثيرها النظام التركي في الخارج.

وربما يعكس اتجاه المستثمرين القطريين إلى سحب استثماراتهم من تركيا دلالة قوية على خطورة الأوضاع الاقتصادية في تركيا، التي يدار اقتصادها وفقاً لنظريات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الاقتصاد، التي بالتأكيد بعيدة تماماً عن جميع النظريات الاقتصادية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شركات الطاقة تواجه أزمة تعثر عنيفة

في تقرير حديث لوكالة "بلومبيرغ"، أشار أن الحكومة التركية ترغب في أن تقوم مصارفها بشطب القروض لبعض مشروعات الطاقة، في محاولة تهدف لتعزيز الائتمان في الاقتصاد.

وأوضح التقرير أن هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية "بي.دي.دي.كيه" تريد أن تقوم المصارف بتصنيف القروض الممنوحة إلى ثلاثة مصانع توليد للطاقة تعمل بالغاز على الأقل على أنها قروض متعثرة.

وأوضحت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لحساسية الأمر، أن هذه المشروعات تشمل قروضا متعثرة بقيمة مليار دولار لمصنع في كيريكالي، وقروضا بنحو 0.9 مليار دولار لمشروع "جاما إينرجي" بالقرب من أنقرة ومنشأة تبلغ تكلفتها مليار دولار تديرها شركة "أنسالدور إينرجيا وشركائها" في جيبز.

وكانت السلطات التركية تعمل على تنقية الميزانيات العمومية للبنوك على أن يتم إعلان التفاصيل في وقت لاحق. وأشارت المصادر إلى أن الدفع نحو شطب الديون الخاصة بهذه المشروعات الثلاثة جزء من خطة أكبر يعمل عليها صناع السياسة في تركيا.

وقامت الشركات التركية باقتراض نحو 60 مليار دولار منذ العام 2003 من أجل تمويل الاستثمارات في مشروعات توليد الطاقة الجديدة وتوزيعها، وفقاً لتقرير شركة الاستشارات "بوسطن".

علامات استفهام حول سحب الاستثمارات القطرية

وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا، وعلى الرغم من أن قطر تعد الحليف الأقوى للرئيس التركي في الوقت الحالي، لكن تحدثت تقارير عن أن أمير قطر ناقش سحب استثمارات بلاده من تركيا خلال زيارة سابقة للولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومن ثمّ بدأت بعدها العمليات ذات الصلة، ما أثار العديد من علامات الاستفهام ودفع عددا من البرلمانيين إلى إثارة الموضوع أمام البرلمان التركي.

وتتركز الاستثمارات القطرية في تركيا في القطاعات المالية والمصرفية والسياحة والإعلام وغيرها من القطاعات في الاقتصاد التركي تصل إلى نحو 20 مليار دولار، فيما تنفذ شركات المقاولات التركية مشروعات في قطر تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي 15 مليار دولار.

وربما يعود ذلك إلى أزمة السيولة الخانقة التي تعيشها تركيا منذ بدء انهيار الليرة مقابل الدولار خلال العام الماضي بعدما فقدت عملة تركيا أكثر من 30% من قيمتها أمام الدولار خلال عام واحد فقط.

احتياطي النقد يواصل النزيف

في سياق متصل، واصل احتياطي النقد الأجنبي لدى تركيا اتجاهه الهابط في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، بانخفاض يتجاوز مليار دولار.

وأظهر التقرير الأسبوعي الصادر عن المركزي التركي، أن إجمالي احتياطي البنك من النقد الأجنبي تراجع إلى 75.796 مليار دولار بنهاية الأسبوع المنتهي في 29 أغسطس (آب) الماضي مقارنة مع 76.826 مليار دولار المسجلة في الأسبوع السابق له.

ويعني ذلك أن احتياطي النقد الأجنبي لدى تركيا تراجع بنحو 1.03 مليار دولار في أسبوع، مستكملاً سلسلة من الهبوط المتتالي التي بدأها في وقت مبكر من الشهر الماضي.

وبالنسبة لاحتياطيات البنك من الذهب، فقد ارتفعت إلى نحو 25.709 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي مقابل 24.708 مليار دولار المسجلة في الأسبوع السابق له.

وفيما يتعلق بإجمالي احتياطات المركزي التركي، التي تضم النقد الأجنبي والذهب، بلغت 101.505 مليار دولار في الأسبوع المنقضي مقابل 101.534 مليار دولار المسجلة في الأسبوع السابق له.

وعلى أساس سنوي، فإن إجمالي احتياطات البنك من النقد الأجنبي والذهب كانت أعلى بنحو 14.24 % في الأسبوع الماضي مقارنة مع الفترة المماثلة من العام الماضي عندما كان الاحتياطي يبلغ 88.849 مليار دولار.

تحركات لتعزيز التجارة مع الولايات المتحدة

وأمس، قالت وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، إن حكومة بلادها طلبت من الولايات المتحدة رفع الحواجز التجارية بين البلدين خلال مباحثات جرت أمس السبت، تستهدف زيادة حجم التبادل التجاري.

ووضعت واشنطن وأنقرة هدفا طموحا بمضاعفة حجم التجارة بينهما أربعة أمثال ليصل إلى 100 مليار دولار سنويا، على الرغم مما يلوح فى الأفق من عقوبات أميركية على تركيا بسبب شرائها أنظمة دفاع صاروخية من روسيا.

وقالت بكجان إنها عبرت خلال لقائها مع نظيرها الأميركى ويلبور روس عن أن بلادها "تتوقع بصورة واضحة" أن ترفع الولايات المتحدة "حواجز وسياسات محددة تطبقها الإدارة الأميركية وتشكل عقبة أمام تعزيز التبادل التجاري".

وأضافت بكجان أنها بحثت زيادة الصادرات التركية فى قطاعات الطيران المدني والسيارات والمجوهرات والأثاث والمنسوجات والملابس.

أردوغان يصر على أن الفائدة أضرت الاقتصاد التركي

في الوقت نفسه، يصر الرئيس التركي على أن الأزمة الاقتصادية في تركيا تتعلق بمستويات الفائدة التي يراها "أردوغان" مرتفعة للغاية، وعلى إثرها أقال قبل شهرين المحافظ السابق للبنك المركزي التركي.

لكن أردوغان في تصريحات أمس، توقع أن يواصل البنك المركزي خفض أسعار الفائدة قبل أيام من اجتماع مجلس السياسة النقدية بالبنك المركزي التركي.

وخفض البنك سعر الفائدة الرئيس بواقع 425 نقطة أساس إلى 19.75 % في أغسطس (آب) الماضي. وقال أردوغان إن الاتجاه النزولي سيستمر على الأرجح.

وقال أردوغان، الذي كثيرا ما ينتقد معدلات الفائدة المرتفعة ويدعو لخفض تكاليف الاقتراض لدعم النشاط الاقتصادي، إن "مجلس السياسة النقدية سيجتمع يوم الخميس. أعتقد أن أسعار الفائدة ستنخفض أكثر بتراجع أسعار الفائدة يتراجع التضخم أيضا، سترون".

وأضاف "بعد الهجمات على العملة في أغسطس (آب) الماضي تتواصل عملية التوازن التي نفذناها بنجاح. عدنا إلى مرحلة تعزيز النمو".

وخلال العام الماضي، رفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة إلى 24% لكبح هبوط الليرة والتضخم الذي تراجع منذ أكتوبر (تشرين الأول) حين بلغ نسبة 25% والتي كانت الأعلى في أكثر من 15 عاما.

وخسرت الليرة التركية نحو 30% من قيمتها أمام الدولار الأميركي خلال العام الماضي في تطورات وصفها أردوغان بأنها حرب اقتصادية على تركيا.

وفي التعاملات الأخيرة، كانت الليرة التركية أبرز الخاسرين بين عملات الأسواق الناشئة أمام الورقة الأميركية الحضراء لتتراجع الليرة بأكثر من 0.5% ما دفع العملة الخضراء إلى الصعود وتسجيل مستوى 5.7229 ليرة.

مزيد من الرسوم والضرائب لتعزيز الموارد

وفي إطار محاولات الحكومة التركية مواجهة أزمة شح السيولة، اتجهت إلى فرض مزيد من الضرائب ورفعت جميع الرسوم بنسب قياسية، ما تسبب في أن تتحول السوق التركية إلى سوق طاردة للمستثمرين والشركات.

وقررت الحكومة التركية الشهر الماضي، زيادة مصاريف فك الحظر على الهواتف المحمولة المستوردة بنسبة 142%، بعد زيادة أقرها على ضريبة الاستهلاك الخاص على تلك الهواتف في شهر مايو (أيار) الماضي.

وفي تقرير حديث، ذكرت صحيفة برغون" التركية، أن الحكومة التركية بدلا من أن تحصّل ضرائب على الدخول والثروات، دأبت في إقرار ضرائب على النفقات الضرورية للأتراك، وفي هذا الصدد رفعت ضريبة الاستهلاك الخاص على الهواتف المحمولة مطلع مايو (أيار) الماضي، وفق تعديل على الضرائب تم إقراره آنذاك.

ووفق هذا التعديل، تمت زيادة ضريبة الاستهلاك الخاص على الهواتف المحمولة من 62% إلى 82%، ما دفع المواطنين إلى شراء هواتفهم من الخارج عبر أقارب لهم.

كما أقرت الحكومة التركية زيادة على نفقات فك حظر الهواتف المحمولة القادمة من الخارج بنسبة 142%، ليصبح 1500 ليرة (نحو 265 دولارا) بعد أن كان 618 ليرة و60 قرشا (109 دولارات) في مطلع العام الحالي.

وأوضحت أن الزيادة الجديدة في مصاريف فك الحظر بلغت 782% مقارنة مع مطلع عام 2018، الذي كان إجمالي تلك المصروفات حينها 170 ليرة فقط.

مضاعفة رسوم زيارة المتاحف والمناطق الأثرية

أيضاً قررت وزارة الثقافة والسياحة التركية زيادة بنسبة 20% على رسوم دوخل المتاحف، لترتفع من 60 إلى 72 ليرة. فيما كانت هذه الرسوم لا تتجاوز 40 ليرة فقط خلال العام الماضي.

في نفس السياق، أقر البرلمان التركي مشروع قانون خاص بإجراء تعديلات على قانون ضرائب الدخل وبعض القوانين الأخرى، ومن هذه التعديلات ما هو متعلق برسوم يدفعها الأتراك عند مغادرتهم البلاد من المطارات والمنافذ الحدودية المختلفة.

ووفق هذه التعديلات ارتفعت رسوم السفر للخارج من 15 إلى 50 ليرة، بزيادة بلغت نسبتها 233%، كما يعطي القانون الجديد الرئيس التركي صلاحية رفع هذا الرقم إلى 150 ليرة إذا أراد ذلك.

وحسب بيانات الإدارة العام للمحاسبة التركية، فقد تسببت هذه الزيادات في أن ترتفع عائدات تركيا من الرسوم خلال النصف الأول من العام الحالي إلى نحو 10.7 مليار ليرة (1.9 مليار دولار).

يأتي ذلك تزامناً مع صعوبات اقتصادية تواجهها السوق التركية نتيجة أزمة سوق الصرف، نتج عنها هبوط حاد في سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، وأثر في مختلف القطاعات الاقتصادية، وأدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

المزيد من اقتصاد