ما سر "وادي السيليكون" ولماذا تتعزز الشركات العملاقة هناك؟

نموذج متكامل يمتاز بالعلم أولا... يسمح بالفشل ويؤمن بالحريات المطلقة للأفكار

يدور حديث دائم في قطاعات المال والأعمال حول سر نجاح وادي السيليكون أو "سيليكون فالي"، وهي المنطقة التي تقع جنوبي مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأميركية.

تجمع هذه المنطقة المراكز الرئيسية لكبرى الشركات التكنولوجية، مثل "غوغل" و"فيسبوك" و"أبل"، وعرفت باسم وادي السيليكون لأن الشركات التكنولوجية تصنع الرقاقات أو الشرائح في أجهزتها من مادة السيليكون.

وظهر مصطلح "وادي السيليكون" في السبعينيات عندما أصبحت المنطقة مركزا للصناعات التكنولوجية في الولايات المتحدة، خصوصا بعد أن نجحت شركة ناسا التي تتخذ من المنطقة مقرا رئيسيا لها في الوصول إلى القمر، لكنه أصبح متداولا على نطاق واسع في الثمانينيات مع شركة "آي بي ام" عندما بدأ البحث عن كيفية تحويل أجهزة الحواسب الآلية (الكمبيوتر) الضخمة التي كان يستخدمها الجيش الأميركي والمؤسسات الحكومية إلى حواسب صغيرة سهلة الاستعمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بداية السيليكون فالي

لكن فعليا تعود شهرة منطقة "السيليكون فالي" إلى بداية القرن الماضي، عندما تم اختراع التلغراف الذي استخدمه الجيش لتبادل الرسائل بين القواعد العسكرية، ومن هنا استمرت الاختراعات التكنولوجية في هذه المنطقة التي تقع في الغرب الأميركي، شمال كاليفورنيا.

وساعد هذا التاريخ في تحول كثيرين نحو وادي السيليكون لتأسيس شركاتهم التكنولوجية، لكن أغلب الأبحاث ترجع نجاح "السيليكون" فالي إلى وجود جامعة ستانفورد، إحدى أكبر وأعرق الجامعات الأميركية، التي تأسست في العام 1885 وركزت منذ تأسيسها على البحث العلمي في مراكز متخصصة ومساعدة الطلاب على تأسيس أعمالهم.

وفي الستينيات لعب عميد الجامعة فريديريك ترمان، الذي يُلقب بـ"الأب الروحي" لوادي السيليكون، حيث أسس وحدات بحثية متخصصة ضمن الجامعة لتساعد الطلاب والمبادرين على تأسيس شركاتهم بما فيها تمويل المشروعات ومدهم بالأبحاث الضرورية، وكان سببا في ظهور شركة "اتش بي" التي أطلقها رواد أعمال عملوا من جراج منزلهما هما "بيل هيوليت" و "ديفيد باكارد" واستخدما أبحاث "ستانفورد" لتطوير أعمالهما.

الجامعات أولا

وإلى جانب جامعة ستانفورد، هناك جامعة كاليفورنيا- بيركلي، التي تقع شمالي السيليكون فالي، وتبعد عنها نحو ساعة بالسيارة (وهي مسافة قصيرة في كاليفورنيا)، وأُسست في الفترة نفسها تقريبا. ومثل "ستانفورد"، خرّجت  آلاف المهندسين وأصحاب الشركات التكنولوجية ورواد الأعمال، وأشهرهم الذي يقود التمويلات الضخمة الآن في شركات التكنولوجيا في السيليكون فالي "ماسايوتشي سون" بصندوق من100  مليار دولار.

 لكن "بيركلي" اشتهرت بكونها جامعة للعلوم الاجتماعية أكثر من كونها جامعة تكنولوجية أو لدراسات إدارة الأعمال كما هي "ستانفورد"، غير أن الجامعتين تشكلان سر النجاح في وجود "السيليكون فالي"، فهما تكملان بعضهما في نشر العلم والأبحاث في هذه المنطقة، ولديهما مراكز أبحاث متخصصة لدعم المبادرات والأعمال وإيجاد التمويل اللازم، الأمر الذي ساعد على مدار50  عاما على نشوء رواد الأعمال والشركات التي تنطلق كأفكار ومشروعات بحثية جامعية، ثم يتم تمويلها من صناديق الملكية الخاصة المنتشرة.

العلم أولا

يقول عيد الشهري، وهو مستثمر عربي في وادي السيليكون ومستشارا لمنطقة الشرق الأوسط في أحد أكبر صناديق الثروة في كاليفورنيا "غولدن غيت كابيتال"، "أن نموذج (السيليكون فالي) يكشف أن العلم أولا، وليس المال أو الثروة. فالأفكار الجديدة تبدأ دائما من أبحاث الجامعة ثم يأتي المال لدعم الأفكار وتطبيق الأبحاث لتصبح مشروعات ناجحة لاحقا".

وقد دفع هذا النموذج البحثي المبتكر في جامعتي ستانفورد وبيركلي إلى تمركز صناديق الثروات الخاصة والحكومية في محيط الجامعتين وفي منطقة سان فرانسيسكو، حيث أصبح مديرو الاستثمارات والتمويلات في هذه الصناديق ينتظرون أي فكرة جديدة ستظهر عن مشروعات بحثية طلابية لتمويلها منذ مهدها، على أمل أن تصبح لاحقا ثروة بمليارات الدولارات. وهذا الأمر حصل مع "ياهو" و"فيسبوك" و"غوغل" و"إنستغرام" و"سيسكو" و"سنابشات" وغيرها الكثير من الشركات التي تُقيم اليوم بالمليارات.  

وقدرت دراسة أجريت في جامعة ستانفورد أن رواد الأعمال الذين انطلقوا من مشروعات بحثية في الجامعة تحولت شركات لاحقا حققوا عائدات بلغت 2.7 تريليون دولار سنوياً وخلقوا 5.4 مليون وظيفة.

الفاشل مطلوب

يقول إياد يعقوب لـ"إندبندنت عربية"، وهو مدرّب متخصص في التوظيف وأماكن العمل ومعتمد لدى شركات أميركية في السيليكون فالي، وسبق له أن شارك في أبحاث في جامعة ستانفورد، "أن هناك نموذجا متكاملا ومختلفا يسمح بخلق الأفكار والابداع في السيليكون فالي".

ويعطي يعقوب مثالا على ذلك لإظهار الاختلاف في التفكير هنا، "فبينما يعتبر الفشل أمرا غير محمود في أماكن كثيرة من العالم، إلا أنه على العكس تماما في السيليكون فالي، إذ تعتبر تجربة الفشل من التجارب التي ينظر لها بشكل إيجابي، حتى أن قطاع الأعمال يساعد المبادرين على التجربة وخوض المغامرة من دون الخوف من الفشل".

 يضيف "شركات عدة أصبحت توظف أصحاب السير الذاتية الذين مروا بتجارب فاشلة، وتحث المرشحين إلى وظيفة ما بوضع تجاربهم الفاشلة باعتبارها عنصرا مميزا لتوظيف المرشح، هذه الشركات، خصوصا الناشئة منها، تعتبر أصحاب التجارب الفاشلة عاملا إيجابيا، إذ إن هؤلاء اتخذوا مخاطر عالية في حياتهم، لذا هم معتادون على خوض المغامرة التي تحتاجها الشركات الناشئة لكي تكسر قوالب ونماذج عمل الشركات الكبيرة التي تخاف من أخذ مخاطر عالية وأوضاعها مستقرة".

كاليفورنيا بيئة خصبة

وهناك دراسات عدة حاولت أن تشرح لماذا يظهر أغلب الأفكار التكنولوجية والابداعية في منطقة السيليكون فالي، إلا أن العودة للتاريخ يمكن أن يجيب عن بعض الأسئلة.

إذ تتمتع كاليفورنيا ببيئة حريات مميزة لا تتوفر في أماكن أخرى. فمنذ الستينيات ظهرت في هذه المدينة موجة الهيبيز التي خرجت من طلاب جامعتي بيركلي وستانفورد، ورفضت الثوابت الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ففي الاجتماع، حاولت أن تتحرر من كل الأفكار التقليدية في اللباس والمظاهر الاجتماعية ودعم حقوق المرأة وإعطاء الحقوق لكافة الأقليات في المجتمع بما فيها الأقليات على أساس الجنس والعرق واللون وغيرها. وفي السياسة، عارضت الحرب على فيتنام ودعت للسلام. وفي الاقتصاد، وقفت ضد الرأسمالية التي تقلص الطبقة الوسطى وتعزز جشع الثروات وتراكمها في يد قلة، ودافعت عن حقوق العمال وتوزيع الثروة. وتطورت هذه الأفكار التحررية حتى أصبحت سمة أساسية من قوانين ولاية كاليفورنيا على مدار الخمسين سنة الماضية، ما جذب فئات كثيرة من المبدعين والأقليات المضطهدة في بلدانها الى كاليفورنيا للعمل والابداع والإنتاج.

سر كاليفورنيا

وتأخذ كاليفورنيا العالم كل مرة في اتجاهات جديدة من الحريات تغيره جذريا، وتؤكد نجاحها بفضل ذلك، وآخر ما فعلته هو السماح بتعاطي الماريغوانا والحشيش بشكل رسمي، علما بأنهما ممنوعان في أغلب الولايات الأميركية. وبالإضافة إلى كل ذلك تتمتع هذه المدينة بسحر خاص في الطبيعة، إذ تعتبر من أجمل الولايات الأميركية في طبيعتها الخلابة التي تجمع شواطئ المحيط الهادئ ومزارع كاليفورنيا الخضراء وجبالها الشاهقة، وجوها المعتدل نسبيا صيفا شتاء.

لماذا السيليكون فالي؟

تقول دراسة أعدتها مؤسسة كوفمان "أن هناك ولايات أميركية، وحتى دولا كثيرة مثل ألمانيا وكندا وأستراليا وتشيلي، تحاول تكرار نموذج السيليكون فالي، وفتحت الأخيرة أبوابها لتأشيرات مميزة لرواد الأعمال والطلاب المبدعين، لكن ذلك ليس سهلا، وتركز الدراسة على عناصر عدة مجتمعة في السيليكون فالي تجعلها متميزة، تعرفها "النظام الايكولوجي" Ecosystems متخذة من جامعة ستانفورد نموذجا لشرح ماذا يجري هنا ولماذا من الصعب تكرار هذه التجربة بمكان آخر". وتعددها بستة نقاط كالتالي:

- ثقافة المخاطرة: تعلم جامعة ستانفورد الطلاب بأن "الفشل مقبول" و"ألا تجعل ضجيج آراء الآخرين يخفض صوتك، بل اتبع قلبك وحدسك".

- ثقافة التحرر: تذكر جامعة ستانفورد هنا أن الحريات التي تمنحها جامعات السيليكون فالي للطلاب كانت خلف ظهور حركات تحررية أنشأتها الطلاب للدفاع عن الحقوق المدنية وحركات حقوق المرأة والتحولات الثقافية بنشرهم أنواعا متعددة من الموسيقي والفن المتحرر الذي ينتشر في كل أرجاء كاليفورنيا والسيليكون فالي، والحركات السياسية المعارضة التي وقفت ضد الحرب على فيتنام.

- ثقافة جذب الموهوبين والمبدعين والمختلفين: تتميز جامعة ستانفورد بجذب الموهوبين والمبدعين من كافة أنحاء أميركا والعالم وتنشئهم على ثقافة العمل، حيث يصبحون مدركين لحجم الجهد والوقت اللازم للنجاح. لكن الأهم أنها تعلمهم أهمية العمل ضمن فرق متعاونة، حيث تركز على المهارات الجماعية وليس الفردية، وأن الاختلاف مهما كان شكله ضمن الفريق هو سر النجاح لظهور منتجات رائعة. ومن هنا يعمل طلاب مختلفون في المهارات في مشروع واحد، فمنهم المهندس والمصمم وصاحب العقلية التجارية لتظهر شركة متعددة المهارات لكل شخصية في الفريق رؤيته المختلفة للمنتج.

- ثقافة رد الجميل: يخصص رواد الأعمال الذين نجحوا في ستانفورد وقتا كافيا لمساعدة الطلاب على تطوير شركاتهم الخاصة واحتضانهم ومشاركتهم أسرار النجاح والفشل وغيرها من الأمور الرئيسية لتأسيس شركاتهم.  كما أن الناجحين وخريجي الجامعة يسهمون بالتبرعات النقدية السخية، لدرجة أنها تتجاوز المليار دولار سنويا.

- وفرة رأس المال: هناك صناديق بالمليارات تتخذ من محيط ستانفورد مقرا لها ومستعدة للمغامرة لأقصى حد مع الطلاب لجعل أفكارهم حقيقة. 

- الدعم الحكومي: هناك دعم غير محدود من الصناديق الحكومية ومؤسسات الدولة ووزارة الدفاع لاستثمار أموالها في أبحاث ستانفورد، حيث تحقق عوائد استثمارية وبحثية هائلة من خلف هذه الاستثمارات، تعود بالنفع على اقتصاد الدولة عموما.

يقول يعقوب "إن منطقة السيليكون فالي مرنة لأبعد الحدود، فبينما كان النمط السائد سابقا هو الانحياز الضمني لخريجي "ستانفورد" و"بيركلي" في قطاعات الأعمال، أخذت شركات كبرى مثل "غوغل" و"فيسبوك" و"أبل" تتجه إلى اعتماد الموهوبين والمبدعين بصرف النظر إذا كانوا من هاتين الجامعتين أو الأسماء اللامعة في أميركا، بل حتى أنهم ذهبوا لإلغاء شرط الشهادة الجامعية طالما أن هناك مبدعين يعملون في التكنولوجيا منذ نعومة أظافرهم وقد يكونون قيمة مضافة لهذه الشركات في خلق أفكار جديدة".

المزيد من اقتصاد