موغابي بدّد ’جوهرة‘ زيمبابوي بلا رحمة وكان حكمه درساً مريراً لجنوب أفريقيا

لم يكن العيب في شخصية موغابي غريباً بالنسبة لرجلٍ أحبّ السلطة وتحوّل إلى نفسٍ قلقة مرتابة في سبيل التمسّك بها. بعد مرور أربعة أعوام على الاستقلال، عمل موغابي على تفكيك تركة البريطانيين المتمثلة في الدستور الديمقراطي وتحويل نفسه إلى طاغية

صورة أرشيفية لرئيس زيمبابوي الراحل روبرت موغابي خلال حضوره فعالية طلابية (أب)

عندما انتُخب روبرت موغابي في العام 1980 رئيساً لزيبابوي بعد فترة قصيرة على نيلها الحرية والاستقلال، هنّأه صديقه ومناصره القديم رئيس تنزانيا جوليوس نيريري ثم نصحه قائلاً "ورثتَ جوهرةً فحافظ عليها".  

وفعلاً، ورث موغابي جوهرة ولكنه عانى وشعبه من عيوب قاتلة. أخذت مستعمرة روديسيا السابقة ذات الحكم الذاتي بإدارة البيض اسمها من سيسيل رودز الإمبريالي من العصر الفكتوري، وأصبحت المركز الأخير لحكم الأقلية "الأوروبية" العنصري في القارة الأفريقية، إلى جانب نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وعلى الرغم من سنين الحرب الأهلية التي عصفت بها والعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة عليها، شهدت البلاد ازدهاراً، أقلّه بالنسبة لطبقة المستوطنين، وتمتّعت باقتصادِ مستقرّ صدّر إلى دول العالم الأطعمة والتبغ والمواد الخامّ.  

واعتُبرت البلاد "سلّة الخبز" في أفريقيا. لكن بعد أن فرغ موغابي منها، استحالت زيمبابوي سلّة دون خبز، مدمّرة بفعل التضخّم الشديد والانهيار الصناعي، وعاجزة عن توفير الكهرباء لمواطنيها.  

وكان العيب في الجوهرة الإرث الذي خلّفه قرنٌ من حكم البيض. وعلى الرغم من أنها لم تواز جارتها الجنوبية في العنصرية الواضحة والوحشية، اعتبرت روديسيا دولة بوليسية يحكمها مجتمع البيض وتغلب فيها مصلحة البيض الذين شكّلوا 5 في المئة فقط من إجمالي السكان يقودهم الداهية المتعنّت إيان سميث: أما نسبة الـ95 في المئة المتبقية من السكان، فخضعوا في أفضل الظروف لهيمنة البيض وحُرموا من حقوقهم الإنسانية وأُبعدوا عن مراكز السلطة ومُنع عليهم التمتع بثروات بلادهم.

ومع أنّ أصحاب الأراضي البيض الذين صادر موغابي ممتلكاتهم في ما بعد كان بحوزتهم صكوك قانونية لمزارعهم ومصالحهم التجارية  ليس من المنصف الإدّعاء بأنّ البلد "من حقّهم". فزيمبابوي تعود لكل مواطنيها وعدم انتقال السلطة بسلام هو ما أدّى إلى قيام حركة التحرير المسلّحة والنضال من أجل تحصيل الحريات الاقتصادية وإحقاق العدالة. 

وهذا ما أعطى موغابي الحجة والتبرير للأحداث التي حصلت بعدها: المشاهد القبيحة والمدمّية أحياناً لـ"قدامى" جنود التحرير (مع أنّ بعضهم لم ير النور سوى بعد انتهاء الحرب) وانتقال أراضي الملاك البيض إلى أزلامه. وبعد فشل سياساته الاقتصادية الاشتراكية والفاسدة النهّابة، لم يعد أمام موغابي ما يعطيه لشعبه سوى ممتلكات الآخرين، وطباعة الأموال وتخفيض قيمة العملة.

 من بين الإشارات على سقوط زيمبابوي، حازت مشاهد المزارعين البيض والعاملين لديهم وقد سالت منها الدماء على انتباه البريطانيين بشكل خاص، ولكنهم لم يكونوا وحدهم ضحايا موغابي ومن الخطأ أن ننظر إليه وإلى بلده من خلال عدسة الأقلية البيضاء ولو أنها تتألف إجمالاً من "أصدقاء (البريطانيين) وأقاربهم" حسب تعبير أحد رؤساء الوزراء سابقاً.

لم يكن العيب في شخصية موغابي غريباً بالنسبة لرجلٍ أحبّ السلطة وتحوّل إلى نفسٍ قلقة مرتابة في سبيل التمسّك بها. بعد مرور أربعة أعوام من الاستقلال، عمل موغابي على تفكيك تركة البريطانيين المتمثلة في الدستور الديمقراطي وتحويل نفسه إلى طاغية. وانقلب ضدّ من ناصروه في نضال التحرير ولا سيّما نائبه جوشوا انكومو الذي اضطر إلى الفرار حفاظاً على حياته.

بعد أن استشعر بوجود مؤامرة ضده، سواء حقيقية أم لا، أطلق موغابي شرارة مجزرة استهدفت شعب نديبيلي (انتمى موغابي إلى شعب الشونا) واضطهد قادته. واستخدم لهذه الغاية ما يمكن وصفه بجيشه الخاص الذي سلّحه ودرّبه الكوريون الشماليون المتمرّسون في العنف. سُمّي هذا العمل العسكري "غوكوراهوندي" في إشارة إلى المطر الذي ينظّف ما يُرمى من القشور والتبن، تختصر نظرة موغابي إلى مواطنيه في ذاك الحين.   

وأسرف موغابي أيضاً في استخدام قانون "السلطات أثناء الطوارئ" الذي ورثه عن أسلافه البيض وللغاية نفسها أي لإسكات المعارضة السياسية وكسر إرادتها.

والمدخل لفهم شخصية موغابي هو تنشئته اليسوعيّة وفكره الماركسي وميوله إلى الطغيان.

في النهاية نجحت محاولات التصدي له أولاً عبر مورغان تسفانجيراي والانتخابات المزوّرة ثم عبر انقلاب داخل القصر نفّذه خلفه إيميرسون منانغاغوا.

تحيّن منانغاغوا الملقّب بـ "التمساح" فرصته لفترة طويلة من الزمن نتيجة لطول عمر موغابي ودهائه وما تبقّى من دعمٍ شعبي له وهي كلها أمور ملفتة أحبطت عزيمة أعدائه. وبدّد موغابي خصاله الحميدة من ذكاء متّقد وشخصية ساحرة وجاذبية لا يمكن إنكارها.

ما تميّز به موغابي أيضاً هو تمتّعه بتأييد العالم وبأمة جميلة منتجة كان لها أن تحقق قدراً أكبر من التطور والعدالة الاجتماعية والتناغم العرقي من أي دولة أخرى في القارة الأفريقية. وبعبارات أخرى، كان من الممكن أن تصبح منارة خلال فترة ما بعد الاستقلال في أفريقيا وفي العالم أجمع. وعوضاً عن ذلك، أصبحت مثلاً نموذجياً عن كل ما يجب تجنّبه في إدارة الأمور ووقعت مسؤولية دور الإنارة على نيلسون مانديلا، مناصر موغابي السابق ومنتقده الشديد لاحقاً. فأساليب موغابي وتشويهه لجوهرة زيمبابوي علّما جنوب أفريقيا درساً قيّماً جداً.    

© The Independent

المزيد من آراء