تنامي اليمين المتطرف في جنوب إسبانيا على مشارف الانتخابات الأوروبية المقبلة

أفلم يحن لنا أن نتحرك وها قد حل اليمين المتطرف في سدة الحكم في إيطاليا وبولندة وهنغاريا وثانيًا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية؟

ضباط الشرطة أمام عدد من المتظاهرين ضد الفاشية في برشلونة، إسبانيا (غيتي)

اجتاحت موجة اليمين المتطرف القارة العجوز بلدًا تلو الآخر وحكومة تلو الأخرى، لتبسط في بعض الأحيان بساطها في مناطق ما كانت في الحسبان، آخرها في الأندلس، المقاطعة التي يقطنها ثمانية ملايين شخص وتغطي معظم الجنوب الإسباني عمليًا، بما فيه غرناطة وإشبيلية وملقة وقرطبة وقادس.

لربما سمعت بهذه الأسماء أو مررت بها من دون أن تحفل بمشهدها السياسي، ولكن آن لك الآن أن تعيرها بعض اهتمامك بُعيد نجاح حزب "فوكس" اليميني المتطرف في الوصول إلى مقاعد مجلس مقاطعة الأندلس ومساندته حكومة حزب الشعب اليمينية الوسطية الشهر الماضي، لتنضم بذلك إلى قائمة طويلة من المناطق الأوروبية التي بدأ فيها هذا الصوت اليميني يعلو ويلقى آذانًا مصغية. وعقب ذلك، وافق رئيس الوزراء الجديد خوان مانويل مورينو على تبني بعض من السياسات الأقل تطرفًا لهذا الحزب، في مشهد يسلط الضوء على المعضلة الحقيقية التي تواجه الأحزاب التقليدية المحافظة في جميع أرجاء أوروبا حينما ينجح اليمين المتطرف في حصد عشرة إلى ثلاثين بالمئة من الأصوات في استطلاعات الرأي ومقاعد الهيئات التشريعية.

فهل يجب علينا القبول بالتسوية ومحاولة استرضائهم كما في الأندلس أو محاولة الالتفاف عليهم في سياق "ائتلافات كبرى" مع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية كما في ألمانيا؟ خياران أحلاهما مرّ، يعزز أولهما اليمين المتطرف ويمنحه الشرعية (كما أثبت النجاح البرلماني المؤسف لهتلر فيما مضى) فيما ينتهي الآخر بسياسات عوجاء مع زعزعة شأن الشريك اليساري.

شكل التعاون المحدود بين اليمين واليمين المتطرف في الأندلس ثورة طوت 36 عامًا من الحكم المتواصل لحزب العمال الاشتراكي الإسباني، ولو لم يكن ذلك مستغربًا بمعنى أو بآخر، فقد عانت إسبانيا الأمرين تحت وطأة الأزمة الاقتصادية وأزمة منطقة اليورو مع تجاوز معدل البطالة فيها الخمس والعشرين بالمئة، ولو كان في ذلك شيء من المغالاة في ظل الاقتصاد "الرمادي" غير الرسمي. وعلى المقلب الآخر، أعطى التمرد الانفصالي في كاتالونيا المجاورة في ظل أزمة المهاجرين اليمين المتطرف الدفعة التي يحتاجها للحصول على 12 مقعدًا مؤثرًا في المجلس التشريعي المكون من 109 أعضاء أقوياء لا ترجح كفتهم لأي من الطرفين، في ظل نظام تمثيلي نسبي شرع الأبواب على مصاريعها لدخول هؤلاء العنصريين المنغلقين وبدء حقبة الهيئات التشريعية النازية الجديدة من إشبيلية إلى بودابست.

فما مدى السوء الذي نتحدث عنه في هذا الحزب؟ إذا ما بدأنا بالجانب السار، فقد استطاع المحافظون في حزب مورينو الحد من مطالبهم لتقتصر على بعض السياسات "الداعمة للحياة الأسرية" والمؤاتية للحد من "تهديد الأصولية الإسلامية" وحماية مصارعة الثيران (المنتشرة في الأندلس على الرغم من الاعتراف ببربريتها) التي لا تمثل لهم أي تهديد يذكر للحضارة البشرية. إلا أن حزب فوكس يتبع من جانب آخر النموذج اليميني المتطرف نفسه، ملتزمًا طرد المهاجرين "الخارجين عن القانون" وإلغاء الحقوق التشريعية للنساء والأشخاص ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين من جنس إلى آخر ورفض فكرة الاتحاد الأوروبي عمومًا، بحيث صار على ما يبدو إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي والمهاجرين والطبقة الحاكمة السياسية الديمقراطية طريقة يعول عليها للفوز في الانتخابات الأوروبية في أيامنا هذه بعدما أُوتي أكلها مع حزب استقلال المملكة المتحدة وخروج الأخيرة من الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.

إنه لأمر صادم أن نشهد ذلك كله في هذا الجزء من أوروبا قبيل أن يمضي أكثر من 40 عامًا على رضوخ البلاد تحت نير نظام فرانسيسكو فرانكو الفاشي الظالم الصديق الوفي لهتلر وموسوليني والملطخة يداه بدماء الحرب الأهلية التي خرج منها منتصرًا. ولكن تبقى الذاكرة قصيرة والحساسيات على أشدها على ما يبدو حالها حال الخلاف المستمر الذي يقسم الرأي العام الإسباني حول نقل رفاته بعيدًا عن ضريحه الضخم – في جدل رمزي وثقافي بقدر ما هو سياسي.

يبدو أننا تأقلمنا مع تنامي اليمين وألفناه من دون أن يحرك فينا ساكنًا، أو يعنينا في بريطانيا المهووسة بالخروج من الاتحاد الأوروبي أن نرى المناطق الأوروبية تنطلي عليها واحدة تلو الأخرى ذات الأكاذيب والحملات المضللة. لأوروبا ولا شك مشاكلها الاقتصادية، ولكنها تسبق أزمة المهاجرين ولا يكاد الاتحاد الأوروبي يكون مصدرها نظرًا للأداء الاقتصادي الجيد نسبيًا لبعض الدول الأوروبية.

أفلم يحن الوقت للتحرك بعد وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إيطاليا وبولندة وهنغاريا وحلوله ثانيًا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية وسيطرته على المعارضة غير الرسمية في البرلمان الألماني؟

يُتوقع لليمين المتطرف أيضًا أن يغزو البرلمان الأوروبي في الانتخابات المزمعة في شهر مايو (أيار) ليحوله إلى شكل من أشكال نوادي الفاشية الحديثة لدرجة لا يقبل فيها نيجل فراج نفسه أن يكون له أي علاقة بهم. لقد بانت علائم هذه الساعة واضحة لا ريب فيها ولو واجهتها بعض المصاعب، إلا أن بوسعنا أن نعيد الأمور إلى نصابها.

لقد بدأ فاشيو عصرنا الذين يتنكرون تحت أسماء مستعارة من مثل "حركة السترات الصفر" أو "الشعبوية" أو "الوطنية" مسعاهم ذلك، ومن المؤكد أنهم لن يعدلوا عنه، مستلهمين أفكارهم من دونالد ترمب وفكره ومتحالفين معه وكأنهم جزء من حركة عالمية من بولسونارو في البرازيل إلى بوتين في روسيا ومودي في الهند وأردوغان في تركيا ودوتيرت في الفلبين وغيرهم الكثير من أشباه الدكتاتوريين العتاة. إننا نشهد أمام عيوننا الموت الغريب للديمقراطية الليبرالية، لا في أوروبا وحدها بل في شتى أنحاء العالم، أفلم يحن للديمقراطيين أن يدقوا ناقوس الخطر؟

© The Independent

المزيد من سياسة