الحراك الجزائري لم "يتلون"... وهتافات تغذي الصبغة السياسية لمسيرة الـ 29

انسحبت غالبية الشخصيات السياسية التي اعتادت المشاركة في مشهد قد يُراد منه عدم إثارة تعليقات برفض تلك الأحزاب لمسار الرئاسيات ككل

على عكس التقديرات والتخمينات، حافظ الحراك الشعبي في جمعته الـ 29 على مطالبه السياسية ولم "يتلوّن" اجتماعياً، مثلما راهن كثيرون من المراقبين، وذلك لتزامن المسيرات الجديدة مع انتهاء العطلة الصيفية في البلاد.

لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً في مسيرة العاصمة الجزائرية هذا الجمعة، مقارنة بمسيرات الصيف، والرهان لفت انتباه كثيرين من المراقبين حول احتمال لحاق مطالب اجتماعية بأخرى سياسية معتادة، إلاّ أنّ مرور الدقائق ما بين منتصف النهار وعصر الجمعة السادس من سبتمبر (أيلول) 2019، كشف عن شعار بارز يقول أصحابه "لا انتخابات مع العصابات".

لا "مليونيات" جديدة

وتزامنت الجمعة الـ 29 وتاريخ السادس من سبتمبر، الذي عوّلت عليه أطراف في الحراك لبعث "مليونيات" جديدة، إلاّ أنّ مسيرة العاصمة اكتفت مجدداً بـ"الحد الأدنى" من المشاركين، مقارنة بمسيرات ما قبل الصيف.

كما تزامنت هذه الجمعة ومقترح بصيغة "القرار"، صادر عن المؤسسة العسكرية، يستعجل الدعوة إلى انتخابات رئاسية في فترة زمنية لا تتجاوز النصف الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2019، ما يعني إبقاء مؤسسة الجيش على البنود ذاتها التي وضعتها سابقا، والتي تقضي ببدء عام 2020 برئيس منتخب شرعياً.

"لا انتخابات مع العصابات"

صدح المتظاهرون وسط العاصمة بشعار متكرر "لا انتخابات مع العصابات"، في إشارة إلى الهيئات الرسمية التي تستمر في مزاولة مهامها منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ويقصد كثيرون حكومة نور الدين بدوي، فيما يشير عدد آخر إلى رفض الانتخابات بشكل مطلق، إلى حين رحيل رموز النظام كافة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وألغت الجزائر موعدين اثنين لانتخاب رئيس للجمهورية منذ مطلع عام 2019، الأول في 18 أبريل (نيسان) بعد استقالة بوتفليقة وإلغاء ترشحه لولاية خامسة، والثاني في الرابع من يوليو (تموز) 2019، بعد عزوف غالبية المرشحين المفترضين عن التقدم لها، قبل أن يجد المجلس الدستوري نفسه أمام ملفين فقط، لم يستجيبا لشروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

ومن بين الشعارات اللافتة في مسيرات الجمعة أيضاً "إرحلوا"، كما لم يختفِ شعار المادتين السابعة والثامنة من الدستور الجزائري، اللتان تنصان على سيادة الشعب الجزائري في اتخاذ القرار تحت بند "السلطة الشعبية".

"بورقعة وغديري في الحراك"

وغذّت الهتافات الصبغة السياسية لمسيرات رقم 29 على التوالي، فبقدر ما اهتمت مجموعات بالرئاسيات المقبلة وأيضاً بشعار "مدنية لا عسكرية"، كان آخرون وكأنهم مجموعات منظمة، يرفعون شعارات تنادي بإطلاق سراح معتقلين. وكان لافتاً هذه المرة بروز مجموعة تدعو إلى إطلاق سراح مرشح الموعدين الانتخابيين الرئاسيين السابقين على التوالي، اللواء المتقاعد علي غديري، المعتقل في سجن الحراش منذ بضعة أشهر بتهمة "تزوير استمارات الترشح"، وفق محامين.

ويضغط جزء من الحراك الشعبي منذ فترة، لإطلاق سراح شخصيات محددة أو ناشطين سياسيين يصفهم بـ"سجناء الرأي"، بينما تتشدد المؤسسة العسكرية في نفي هذه التهمة تماماً وتفترض أن غالبية الموجودين في السجن من داخل المسيرات الأخيرة، ارتكبوا جنحاً تمس القانون العام.

جزء كبير سيظل في الشارع

وبات واضحاً أن الحراك الشعبي مستمر حتى مع رئاسيات نهاية العام، ولغاية هذه اللحظة، قدمت رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية، كل الأوراق الممكنة بالنسبة إلى المؤسستين، في محاولة للتوصل إلى "تسوية" مع الشارع، لتحضير الموعد الانتخابي المقبل، ومع ذلك فإن الحراك يحافظ على مساره من دون حسابات عددية.

وتدريجاً، تحوّل كل من المحامي مصطفى بوشاشي والناشط السياسي كريم طابو، إلى أبرز الوجوه التي تحافظ على حضورها في مسيرات العاصمة، في وقت انسحبت غالبية الشخصيات السياسية الأخرى التي اعتادت المشاركة.

ولم يعد رئيس "جبهة العدالة والتنمية" عبد الله جاب الله، مثلاً، يشارك في الحراك، وكذلك لم يعد يفعل عبد الرزاق مقري، رئيس حركة "مجتمع السلم"، مكتفيَيْن بحضور قياديين من الحزبين، في مشهد قد يُراد منه، عدم إثارة تعليقات برفض تلك الأحزاب لمسار الرئاسيات ككل.

الاستعجال بالرئاسيات

استعجال المؤسسة العسكرية لتنظيم انتخابات الرئاسة، عبر اقتراح استدعاء الهيئة الناخبة منتصف الشهر الحالي، الذي هو من صلاحية رئيس الدولة حكراً، زاد من المطالب السياسية بين المسيرات، مقابل تسريع هيئة الحوار والوساطة عملها.

وفي ساعة متأخرة من مساء الخميس الخامس من سبتمبر، كان كريم يونس منسق الهيئة، يلتقي شخصيات جمعوية دينية ومن الأسرة الثورية، ليقول في نهايتها، إن "اجتماعه مع المنظمة الوطنية لأبناء الشهداء هو الأخير ضمن جولات الحوار التي عقدتها الهيئة".

وذكّر يونس بأن "الهيئة بصدد الانتهاء من إعداد وثيقة النقاش الذي دار مع الأحزاب والشخصيات والحركة الجمعوية، وقد وصل عددها إلى 23 حزباً وحوالى 6075 جمعية وشخصيات وطنية"، مضيفاً أن "الوثيقة النهائية التي ستضم السلطة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات والقانون العضوي للانتخابات، ستُسلّم إلى رئيس الدولة قريباً، بينما يظل تحديد اليوم لأجندة الرئيس عبد القادر بن صالح".

رئاسيات ديسمبر ليست في "مزاد التفاوض"

وتوقعت معطيات عدة من داخل المؤسسة العسكرية، أن تلجأ رئاسة الجمهورية هذه المرة إلى ورقة "الضمانات" التي تعرضها عبر هيئة الحوار والوساطة، لإقناع مرشحين "من الوزن الثقيل" بالتبارز في الموعد المقبل.

وتقترح هيئة الوساطة والحوار، سلطة للإشراف على الرئاسيات وتنظيمها، مع تعديل في قانون الانتخابات الساري المفعول. وبينما أيّد عدد كبير من الأحزاب هذه الآلية التي تسمح بإبعاد الإدارة الرسمية عن تنظيم العملية، تحفظت أحزاب أخرى. أما التيار العلماني، فأبقى على رفضه التام للحل وفق آلية الانتخاب في الفترة الحالية.

المزيد من العالم العربي